ما الذي ستخسره القضية الفلسطينية لو اختفت الفصائل غدًا؟

بي دي ان |

03 يونيو 2026 الساعة 08:12ص

الكاتب

لو استيقظ الفلسطينيون صباح الغد، واكتشفوا أن جميع الفصائل الفلسطينية اختفت دفعة واحدة، ماذا سيحدث؟
هل سيتغير شيء جوهري في حياتهم اليومية؟ هل ستتوقف الانقسامات؟ هل ستنتهي أزمة التمثيل السياسي؟ هل ستتغير موازين القوى مع إسرائيل؟ أم أن الفلسطيني سيكتشف، بعد الصدمة الأولى، أن جزءًا كبيرًا من حياته السياسية ظل معلقًا بهذه الفصائل لعقود، حتى وهو يختلف معها وينتقدها؟
قد يبدو السؤال صادمًا، لكنه ليس سؤالًا عن وجود الفصائل بقدر ما هو سؤال عن دورها اليوم.
ويأتي هذا السؤال في وقت تجتمع فيه الفصائل الفلسطينية مجددًا في القاهرة لبحث ملفات مصيرية تتعلق بوقف إطلاق النار ومستقبل غزة والمرحلة القادمة من القضية الفلسطينية. وهو مشهد تكرر عشرات المرات خلال العقود الماضية؛ اجتماعات، بيانات، حوارات، اتفاقات، ثم خلافات جديدة تعيد الفلسطينيين إلى نقطة البداية. وربما لهذا لا يبدو السؤال عن الفصائل سؤالًا نظريًا أو استفزازيًا، بل سؤالًا فرضه الواقع نفسه: بعد كل هذه السنوات، أين نجحت الفصائل؟ وأين أخفقت؟ وما الذي بقي من دورها التاريخي في لحظة تُطرح فيها أسئلة غير مسبوقة حول مستقبل القضية كلها؟
فمنذ أكثر من نصف قرن، لم تكن الفصائل مجرد تنظيمات سياسية أو عسكرية. كانت هي الإطار الذي أعاد تشكيل الهوية الوطنية الفلسطينية بعد النكبة، وحمل القضية إلى العالم، وقدم آلاف الشهداء والأسرى، وأبقى اسم فلسطين حاضرًا في زمن حاول كثيرون فيه شطبها من الخريطة.
لكن التاريخ وحده لا يكفي للإجابة عن أسئلة الحاضر.
فالفصيل الذي كان يومًا أداة لتحريك الشارع، هل ما زال قادرًا على ذلك اليوم؟ والتنظيم الذي وُلد ليقود مشروعًا وطنيًا، هل ما زال يقود المشروع نفسه، أم أصبح منشغلًا بالحفاظ على وجوده أكثر من انشغاله بتجديد دوره؟
هنا تبدأ المشكلة التي لا يحب كثيرون الاعتراف بها.
فالقضية الفلسطينية تغيّرت خلال العقود الماضية أكثر مما تغيّرت الفصائل نفسها. نشأت أجيال جديدة لم تعش بيروت، ولا معارك الأردن، ولا الانتفاضة الأولى، ولا سنوات التأسيس. جيل كامل وُلد في عالم مختلف، لكن الخطاب السياسي الذي يُقدَّم له ما زال في كثير من الأحيان قادمًا من زمن آخر.
كبرت التنظيمات، لكنها لم تتجدد بالقدر الكافي. تقدمت القيادات في العمر، لكن فرص الصعود أمام الأجيال الشابة بقيت محدودة. وتحولت بعض الفصائل، تدريجيًا، من حركات تسعى إلى التحرير إلى مؤسسات تسعى قبل كل شيء إلى الحفاظ على مواقعها ونفوذها وبقائها.
وفي الوقت الذي كان العالم يعيد تعريف السياسة والتنظيم والتأثير، بقي الفلسطيني يعيش داخل خريطة فصائلية تكاد تكون ثابتة منذ عقود. ولعل المفارقة الأبرز أن كثيرًا من الفصائل وُلدت أصلًا كوسيلة لخدمة المشروع الوطني، لا كمشروع قائم بذاته.
في سنوات التأسيس، كان وجود التنظيم يُقاس بقدرته على خدمة القضية. أما اليوم، فيبدو أحيانًا أن المعادلة انقلبت؛ فأصبح جزء من الجهد السياسي والتنظيمي موجهًا نحو حماية التنظيم نفسه وضمان بقائه واستمراره. وهنا لا تكمن المشكلة في وجود الفصائل، بل في تحوّل بعضها تدريجيًا من أدوات للنضال إلى مؤسسات تخشى التغيير أكثر مما تسعى إليه.
ففي أي تجربة سياسية حية، يُعد التجديد شرطًا للبقاء. أما حين يصبح البقاء هدفًا بحد ذاته، تبدأ المؤسسات بفقدان قدرتها على التطور، مهما كان تاريخها طويلًا أو تضحياتها كبيرة. ولهذا فإن قوة الفصيل لا تُقاس فقط بعدد أعضائه أو عمره أو حضوره الإعلامي، بل بقدرته على تجديد نفسه وربط وجوده دائمًا بالهدف الذي أُنشئ من أجله: خدمة القضية لا منافستها على الأولوية.
النتيجة أن الانتماء التنظيمي أصبح أحيانًا أقوى من الانتماء للمشروع الوطني نفسه. صار الفلسطيني يسمع كثيرًا عن مصلحة هذا التنظيم أو ذاك، أكثر مما يسمع عن مصلحة الفلسطينيين ككل. وصارت الخلافات بين الفصائل تستهلك من طاقة القضية أحيانًا أكثر مما يستهلكه الصراع مع الاحتلال نفسه. ولعل الانقسام الفلسطيني يمثل المثال الأكثر قسوة على ذلك.
فبعد سنوات طويلة من الانقسام، لم يعد السؤال من يتحمل المسؤولية وحده، بل كيف وصلت الحركة الوطنية الفلسطينية كلها إلى مرحلة أصبحت فيها عاجزة عن إنتاج شراكة سياسية حقيقية رغم كل ما تعرض له الشعب الفلسطيني من حروب وحصار واحتلال. ولعل تجربة السابع من أكتوبر تمثل الاختبار الأكثر قسوة للفصائل الفلسطينية منذ عقود.
فبعيدًا عن المواقف المختلفة من عملية "طوفان الأقصى"، فإن ما تلاها كشف حجم الأزمة التي تعيشها الحركة الوطنية الفلسطينية بأكملها. فقد دخل الفلسطينيون واحدة من أخطر مراحل تاريخهم الحديث، بينما ظل الانقسام قائمًا، وغابت المرجعية الوطنية الجامعة، وبقيت الفصائل تتعامل مع الحدث الأكبر في تاريخ القضية المعاصر من مواقع منفصلة أكثر مما تعاملت معه كمشروع وطني موحد.
وهنا لا يصبح السؤال متعلقًا بنجاح عملية أو فشل أخرى، بل بقدرة النظام السياسي الفلسطيني كله على إدارة لحظات التحول الكبرى التي تواجه الشعب الفلسطيني. وربما هنا تكمن المفارقة.
فالقضية الفلسطينية اليوم ليست فقيرة بالكوادر ولا بالعقول ولا بالتضحيات. ما ينقصها أكثر هو القدرة على بناء مشروع وطني جامع يتجاوز الحسابات التنظيمية الضيقة.
ولهذا، لو اختفت الفصائل الفلسطينية غدًا، فلن تختفي فلسطين. سيبقى الشعب. وسيظل الاحتلال. وستبقى الأرض واللاجئون والأسرى والقدس. لكن ما سيختفي هو الشكل الذي أدار الفلسطينيون من خلاله قضيتهم طوال عقود.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إزعاجًا: هل ما زالت الفصائل تمثل أداة لحماية المشروع الوطني؟ أم أن المشروع الوطني نفسه أصبح بحاجة إلى مراجعة عميقة لطريقة إدارته وأدواته وأطره السياسية؟ ربما لا تكون أزمة الفلسطينيين اليوم في وجود الفصائل أو غيابها.
فالقضية الفلسطينية لم تُخلق مع الفصائل، ولن تنتهي بانتهاء أي فصيل مهما كان حجمه أو تاريخه.
لكن الأزمة الحقيقية تبدأ عندما تصبح حماية التنظيم أهم من تجديده، وعندما يتحول الدفاع عن الفصيل إلى بديل عن مراجعة أخطائه، وعندما يصبح الانتصار للحزب أسهل من الانتصار للفكرة التي وُجد من أجلها.
عندها لا تعود القضية بحاجة إلى مزيد من الشعارات، بل إلى شجاعة سياسية تعيد ترتيب العلاقة بين الفصيل والمشروع الوطني، بحيث يعود التنظيم وسيلة لا غاية، وأداة لا هدفًا بحد ذاته.
فالقضايا الكبرى لا تضعف حين تختلف حولها التنظيمات فقط، بل حين تنسى هذه التنظيمات أن وجودها كان في الأصل لخدمتها.