من الردع إلى البقاء...
بي دي ان |
27 مايو 2026 الساعة
06:48ص
الكاتب
قبل الحرب الأخيرة، كانت معادلة حماس أوضح بكثير. أي اغتيال كبير أو تصعيد واسع كان غالبًا يُقابل برد سريع، أو على الأقل برسالة عسكرية واضحة تؤكد أن الحركة ما تزال قادرة على فرض معادلة الردع.
أما اليوم، فالمشهد يبدو مختلفًا.
خلال الأيام الثلاثة الأخيرة فقط، وقبيل عيد الأضحى مباشرة، صعّدت إسرائيل عملياتها بشكل لافت: اغتيالات متتالية، غارات مكثفة، أوامر إخلاء جديدة، وضغط ميداني متواصل في أكثر من منطقة داخل غزة.
اللافت أن التصعيد لم يتوقف عند اغتيال عز الدين الحداد، بل امتد سريعًا إلى اغتيال محمد عودة، الذي قيل إنه تولى قيادة القسام بعد الحداد بفترة قصيرة جدًا لم تتجاوز أيامًا معدودة. وكأن الرسالة الإسرائيلية تتجاوز استهداف الأفراد إلى محاولة ضرب أي عملية إعادة تنظيم أو ترميم داخل البنية العسكرية للحركة. ومع ذلك، لا تبدو حماس متجهة حتى الآن نحو رد واسع أو مواجهة شاملة، رغم حساسية التوقيت، وحجم الضغط العسكري والسياسي المتصاعد، خصوصًا مع استمرار الحديث عن نزع السلاح وربط مستقبل غزة كله بهذه القضية. وهنا ربما لا يكون السؤال: لماذا لا ترد حماس؟
بل: هل أصبحت الحركة تفكر بعقلية مختلفة تمامًا بعد الحرب؟
ما جرى منذ السابع من أكتوبر لم يكن مجرد جولة قتال عادية، بل زلزالًا غيّر شكل غزة، وغيّر معه حسابات جميع الأطراف.
الحرب الطويلة، حجم الدمار، الاستنزاف المستمر، والضغط الإقليمي والدولي، كلها عوامل دفعت المشهد نحو معادلات جديدة لم تكن موجودة سابقًا. في الماضي، كان الرد السريع جزءًا من صورة القوة. أما اليوم، فقد تكون الأولوية مختلفة: منع انهيار ما تبقى، وكسب الوقت، وتجنب منح إسرائيل ذريعة لفتح مواجهة أوسع قد تتحول إلى كارثة أكبر على غزة نفسها. لهذا يبدو أن الحركة انتقلت تدريجيًا من عقلية “إدارة الردع” إلى عقلية إدارة البقاء .
وهذا التحول لا يعني بالضرورة أن حماس أصبحت أضعف فقط، بل يعني أن البيئة نفسها تغيّرت.
غزة اليوم ليست كما كانت قبل الحرب، والمنطقة كلها تعيش حالة ضغط وإعادة ترتيب، بينما تبدو إسرائيل أكثر ميلًا لإدارة استنزاف طويل بدل البحث عن حسم سريع.
حتى التصعيد الأخير يمكن قراءته ضمن هذا السياق. فإسرائيل لا تستهدف فقط البنية العسكرية، بل تحاول أيضًا إبقاء الحركة تحت ضغط نفسي وتنظيمي دائم، ومنع أي شعور بالاستقرار أو إعادة ترتيب الصفوف، خصوصًا مع كل حديث عن هدنة طويلة أو ترتيبات جديدة في القطاع. وفي المقابل، تدرك حماس أن أي رد واسع الآن قد لا يؤدي إلى تغيير المعادلة، بقدر ما قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر قسوة، خصوصًا مع الحديث المتكرر عن التهجير، والمناطق العازلة، وربط الإعمار بشروط سياسية وأمنية معقدة. لكن هذا النوع من الصمت المحسوب يحمل مخاطره أيضًا. فكلما طال الوقت دون رد واضح، بدأت الأسئلة تتصاعد داخل الشارع نفسه: هل ما يحدث تكتيك مؤقت؟ أم أن الحركة دخلت فعلًا مرحلة جديدة تختلف تمامًا عن كل ما قبل الحرب؟ وربما هنا تكمن أهم التحولات التي فرضتها الحرب الأخيرة: لم تعد كل الأطراف تتحرك بمنطق الحسم أو الانتصار السريع، بل بمنطق البقاء، وإدارة الوقت، ومحاولة منع السيناريو الأسوأ… حتى لو كان الثمن استمرار حالة الاستنزاف الطويلة. وفي غزة تحديدًا، قد يكون هذا التحول أخطر من الحرب نفسها.
بي دي ان |
27 مايو 2026 الساعة 06:48ص
أما اليوم، فالمشهد يبدو مختلفًا.
خلال الأيام الثلاثة الأخيرة فقط، وقبيل عيد الأضحى مباشرة، صعّدت إسرائيل عملياتها بشكل لافت: اغتيالات متتالية، غارات مكثفة، أوامر إخلاء جديدة، وضغط ميداني متواصل في أكثر من منطقة داخل غزة.
اللافت أن التصعيد لم يتوقف عند اغتيال عز الدين الحداد، بل امتد سريعًا إلى اغتيال محمد عودة، الذي قيل إنه تولى قيادة القسام بعد الحداد بفترة قصيرة جدًا لم تتجاوز أيامًا معدودة. وكأن الرسالة الإسرائيلية تتجاوز استهداف الأفراد إلى محاولة ضرب أي عملية إعادة تنظيم أو ترميم داخل البنية العسكرية للحركة. ومع ذلك، لا تبدو حماس متجهة حتى الآن نحو رد واسع أو مواجهة شاملة، رغم حساسية التوقيت، وحجم الضغط العسكري والسياسي المتصاعد، خصوصًا مع استمرار الحديث عن نزع السلاح وربط مستقبل غزة كله بهذه القضية. وهنا ربما لا يكون السؤال: لماذا لا ترد حماس؟
بل: هل أصبحت الحركة تفكر بعقلية مختلفة تمامًا بعد الحرب؟
ما جرى منذ السابع من أكتوبر لم يكن مجرد جولة قتال عادية، بل زلزالًا غيّر شكل غزة، وغيّر معه حسابات جميع الأطراف.
الحرب الطويلة، حجم الدمار، الاستنزاف المستمر، والضغط الإقليمي والدولي، كلها عوامل دفعت المشهد نحو معادلات جديدة لم تكن موجودة سابقًا. في الماضي، كان الرد السريع جزءًا من صورة القوة. أما اليوم، فقد تكون الأولوية مختلفة: منع انهيار ما تبقى، وكسب الوقت، وتجنب منح إسرائيل ذريعة لفتح مواجهة أوسع قد تتحول إلى كارثة أكبر على غزة نفسها. لهذا يبدو أن الحركة انتقلت تدريجيًا من عقلية “إدارة الردع” إلى عقلية إدارة البقاء .
وهذا التحول لا يعني بالضرورة أن حماس أصبحت أضعف فقط، بل يعني أن البيئة نفسها تغيّرت.
غزة اليوم ليست كما كانت قبل الحرب، والمنطقة كلها تعيش حالة ضغط وإعادة ترتيب، بينما تبدو إسرائيل أكثر ميلًا لإدارة استنزاف طويل بدل البحث عن حسم سريع.
حتى التصعيد الأخير يمكن قراءته ضمن هذا السياق. فإسرائيل لا تستهدف فقط البنية العسكرية، بل تحاول أيضًا إبقاء الحركة تحت ضغط نفسي وتنظيمي دائم، ومنع أي شعور بالاستقرار أو إعادة ترتيب الصفوف، خصوصًا مع كل حديث عن هدنة طويلة أو ترتيبات جديدة في القطاع. وفي المقابل، تدرك حماس أن أي رد واسع الآن قد لا يؤدي إلى تغيير المعادلة، بقدر ما قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر قسوة، خصوصًا مع الحديث المتكرر عن التهجير، والمناطق العازلة، وربط الإعمار بشروط سياسية وأمنية معقدة. لكن هذا النوع من الصمت المحسوب يحمل مخاطره أيضًا. فكلما طال الوقت دون رد واضح، بدأت الأسئلة تتصاعد داخل الشارع نفسه: هل ما يحدث تكتيك مؤقت؟ أم أن الحركة دخلت فعلًا مرحلة جديدة تختلف تمامًا عن كل ما قبل الحرب؟ وربما هنا تكمن أهم التحولات التي فرضتها الحرب الأخيرة: لم تعد كل الأطراف تتحرك بمنطق الحسم أو الانتصار السريع، بل بمنطق البقاء، وإدارة الوقت، ومحاولة منع السيناريو الأسوأ… حتى لو كان الثمن استمرار حالة الاستنزاف الطويلة. وفي غزة تحديدًا، قد يكون هذا التحول أخطر من الحرب نفسها.