غزة في عقل نتنياهو.. إداره الصراع لا حله ..
بي دي ان |
22 ابريل 2026 الساعة
07:41م
الكاتب
حين كتب بنيامين نتنياهو كتابه، مكان تحت الشمس، A Place Among the Nations في تسعينيات القرن الماضي، لم يكن يقدم مجرد قراءة تاريخية للصراع، بل كان يضع تصورًا استراتيجيًا طويل الأمد لكيفية بقاء إسرائيل في منطقة يعتبرها معادية بطبيعتها. الفكرة المركزية في الكتاب كانت واضحة: إسرائيل لا تُحمى بالسلام وحده، بل بالتفوق، ولن تُفرض عليها الحلول، بل هي من تفرض قواعد اللعبة.
هذه الفكرة لم تبقَ حبرًا على ورق، بل تحولت خلال سنوات حكمه الطويلة إلى سياسة عملية، يمكن تتبعها بوضوح في طريقة تعامله مع الشرق الأوسط عمومًا، ومع غزة خصوصًا. في الكتاب، يتعامل نتنياهو مع الصراع باعتباره حالة دائمة، لا يمكن إنهاؤها بشكل كامل، بل يجب إدارتها بما يضمن تفوق إسرائيل واستمرار قدرتها على الردع. ومن هذا المنطلق، لا يكون السلام هدفًا بحد ذاته، بل نتيجة لتوازن قوة مختل لصالحه. وهنا يمكن فهم سلوكه السياسي لاحقًا: لم يكن يسعى إلى إنهاء الصراع، بل إلى ضبطه. لا يريد حسمًا نهائيًا قد يفتح الباب أمام واقع جديد غير مضمون، ولا يريد انفجارًا شاملًا مكلفًا، بل حالة بينية تُبقي كل الأطراف تحت السيطرة.
غزة، في هذا السياق، لم تكن مجرد ساحة مواجهة، بل نموذجًا تطبيقيًا لهذه النظرية. فبدل السعي إلى القضاء الكامل على حماس أو التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، تم اعتماد سياسة أكثر تعقيدًا: إبقاء حماس موجودة تحت الضغط، وإبقاء القطاع في حالة لا حرب ولا سلام. هذه السياسة تحقق عدة أهداف في آن واحد: فهي تمنع نشوء بديل سياسي مستقر يمكن التفاوض معه، وتُبقي مبرر التدخل العسكري قائمًا، وتُخضع غزة لحالة استنزاف مستمر دون الدخول في تكلفة احتلال شامل. وفي هذا السياق، يشير نتنياهو في كتابه إلى أن السلام لا يقوم على النوايا، بل على ميزان القوة، وأن أي تسوية لا تنطلق من تفوق واضح لن تصمد طويلًا. هذا التصور لم يكن نظريًا فقط، بل تحوّل إلى قاعدة عملية في إدارة الصراع، حيث لم يعد الهدف إنهاءه، بل التحكم بإيقاعه بما يضمن استمرار التفوق. لكن المفارقة أن هذه الاستراتيجية، التي تقوم على إدارة الصراع بدل حسمه، لم تُواجَه حتى الآن باستراتيجية مقابلة قادرة على كسرها، وهو ما سمح لها بالاستمرار لسنوات، وإعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة، بينما بقيت غزة تدفع الثمن الأكبر. ومن يقرأ هذه المقاربة يدرك أن الخطر في نظر نتنياهو ليس في وجود خصم فقط، بل في تحوله إلى كيان مستقر وقابل للحياة. لذلك، فإن إبقاء غزة في حالة هشّة قد يكون، في بعض الحسابات، أكثر فاعلية من إنهاء الصراع فيها. وهنا يظهر التناقض الظاهري في سياساته: ضربات عسكرية دون حسم، تهدئة دون حل، وضغط مستمر دون نهاية واضحة. لكن هذا التناقض ليس ارتباكًا، بل جزء من استراتيجية محسوبة. وما يجعل هذه اللحظة أكثر حساسية، أن الحديث لم يعد نظريًا أو مؤجلًا، بل بدأ يتخذ شكل ضغوط فعلية تتناول بشكل مباشر مسألة سلاح المقاومة، ضمن أطر زمنية ضيقة وخيارات محدودة. هذه ليست مجرد نقاشات سياسية عابرة، بل تعبير عن انتقال الصراع إلى مرحلة يُعاد فيها طرح السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن أن يستمر السلاح في شكله الحالي، أم أن المرحلة تفرض إعادة تعريفه؟
في هذه النقطة تحديدًا، لا تُختبر قوة السلاح… بل قابليته للبقاء ضمن معادلة متغيرة. فالإشكالية لم تعد في امتلاكه، بل في كلفته السياسية والإنسانية، وفي قدرته على التكيف مع واقع لم يعد يحتمل الجمود. وهنا يصبح المشهد أكثر وضوحًا: إما أن يُعاد تعريف دور السلاح بقرار داخلي، ضمن رؤية سياسية جديدة، أو أن يُفرض هذا التعريف من الخارج، تحت ضغط الوقائع. وبين هذين الخيارين، لا يكون السؤال: هل سيتغير الوضع؟ بل: من سيتحكم في شكل هذا التغيير… وكيف. في المقابل، تجد غزة نفسها أمام خيارات محدودة، كلها قاسية: استمرار الوضع الحالي بما يحمله من استنزاف، أو انفجار جديد يعيد الدمار، أو تحوّل داخلي يعيد تعريف شكل الفاعل السياسي ودوره. السؤال اليوم لم يعد فقط ماذا يريد نتنياهو؟ بل لماذا ما زالت استراتيجيته تعمل؟ في النهاية، أخطر ما في هذه المقاربة ليس استمرار الصراع، بل تحوله إلى حالة دائمة تُعيد إنتاج نفسها دون نهاية واضحة. وربما تكمن المشكلة اليوم ليس فقط في أن هذه الاستراتيجية نجحت، بل في أنها لم تُواجَه حتى الآن بما يكفي لكسرها. وفي ظل هذا الفراغ، لا يبقى السؤال: من ينتصر؟ بل: من ينجح في كسر هذه الحلقة أولًا… قبل أن تتحول إلى قدر دائم.
بي دي ان |
22 ابريل 2026 الساعة 07:41م
هذه الفكرة لم تبقَ حبرًا على ورق، بل تحولت خلال سنوات حكمه الطويلة إلى سياسة عملية، يمكن تتبعها بوضوح في طريقة تعامله مع الشرق الأوسط عمومًا، ومع غزة خصوصًا. في الكتاب، يتعامل نتنياهو مع الصراع باعتباره حالة دائمة، لا يمكن إنهاؤها بشكل كامل، بل يجب إدارتها بما يضمن تفوق إسرائيل واستمرار قدرتها على الردع. ومن هذا المنطلق، لا يكون السلام هدفًا بحد ذاته، بل نتيجة لتوازن قوة مختل لصالحه. وهنا يمكن فهم سلوكه السياسي لاحقًا: لم يكن يسعى إلى إنهاء الصراع، بل إلى ضبطه. لا يريد حسمًا نهائيًا قد يفتح الباب أمام واقع جديد غير مضمون، ولا يريد انفجارًا شاملًا مكلفًا، بل حالة بينية تُبقي كل الأطراف تحت السيطرة.
غزة، في هذا السياق، لم تكن مجرد ساحة مواجهة، بل نموذجًا تطبيقيًا لهذه النظرية. فبدل السعي إلى القضاء الكامل على حماس أو التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، تم اعتماد سياسة أكثر تعقيدًا: إبقاء حماس موجودة تحت الضغط، وإبقاء القطاع في حالة لا حرب ولا سلام. هذه السياسة تحقق عدة أهداف في آن واحد: فهي تمنع نشوء بديل سياسي مستقر يمكن التفاوض معه، وتُبقي مبرر التدخل العسكري قائمًا، وتُخضع غزة لحالة استنزاف مستمر دون الدخول في تكلفة احتلال شامل. وفي هذا السياق، يشير نتنياهو في كتابه إلى أن السلام لا يقوم على النوايا، بل على ميزان القوة، وأن أي تسوية لا تنطلق من تفوق واضح لن تصمد طويلًا. هذا التصور لم يكن نظريًا فقط، بل تحوّل إلى قاعدة عملية في إدارة الصراع، حيث لم يعد الهدف إنهاءه، بل التحكم بإيقاعه بما يضمن استمرار التفوق. لكن المفارقة أن هذه الاستراتيجية، التي تقوم على إدارة الصراع بدل حسمه، لم تُواجَه حتى الآن باستراتيجية مقابلة قادرة على كسرها، وهو ما سمح لها بالاستمرار لسنوات، وإعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة، بينما بقيت غزة تدفع الثمن الأكبر. ومن يقرأ هذه المقاربة يدرك أن الخطر في نظر نتنياهو ليس في وجود خصم فقط، بل في تحوله إلى كيان مستقر وقابل للحياة. لذلك، فإن إبقاء غزة في حالة هشّة قد يكون، في بعض الحسابات، أكثر فاعلية من إنهاء الصراع فيها. وهنا يظهر التناقض الظاهري في سياساته: ضربات عسكرية دون حسم، تهدئة دون حل، وضغط مستمر دون نهاية واضحة. لكن هذا التناقض ليس ارتباكًا، بل جزء من استراتيجية محسوبة. وما يجعل هذه اللحظة أكثر حساسية، أن الحديث لم يعد نظريًا أو مؤجلًا، بل بدأ يتخذ شكل ضغوط فعلية تتناول بشكل مباشر مسألة سلاح المقاومة، ضمن أطر زمنية ضيقة وخيارات محدودة. هذه ليست مجرد نقاشات سياسية عابرة، بل تعبير عن انتقال الصراع إلى مرحلة يُعاد فيها طرح السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن أن يستمر السلاح في شكله الحالي، أم أن المرحلة تفرض إعادة تعريفه؟
في هذه النقطة تحديدًا، لا تُختبر قوة السلاح… بل قابليته للبقاء ضمن معادلة متغيرة. فالإشكالية لم تعد في امتلاكه، بل في كلفته السياسية والإنسانية، وفي قدرته على التكيف مع واقع لم يعد يحتمل الجمود. وهنا يصبح المشهد أكثر وضوحًا: إما أن يُعاد تعريف دور السلاح بقرار داخلي، ضمن رؤية سياسية جديدة، أو أن يُفرض هذا التعريف من الخارج، تحت ضغط الوقائع. وبين هذين الخيارين، لا يكون السؤال: هل سيتغير الوضع؟ بل: من سيتحكم في شكل هذا التغيير… وكيف. في المقابل، تجد غزة نفسها أمام خيارات محدودة، كلها قاسية: استمرار الوضع الحالي بما يحمله من استنزاف، أو انفجار جديد يعيد الدمار، أو تحوّل داخلي يعيد تعريف شكل الفاعل السياسي ودوره. السؤال اليوم لم يعد فقط ماذا يريد نتنياهو؟ بل لماذا ما زالت استراتيجيته تعمل؟ في النهاية، أخطر ما في هذه المقاربة ليس استمرار الصراع، بل تحوله إلى حالة دائمة تُعيد إنتاج نفسها دون نهاية واضحة. وربما تكمن المشكلة اليوم ليس فقط في أن هذه الاستراتيجية نجحت، بل في أنها لم تُواجَه حتى الآن بما يكفي لكسرها. وفي ظل هذا الفراغ، لا يبقى السؤال: من ينتصر؟ بل: من ينجح في كسر هذه الحلقة أولًا… قبل أن تتحول إلى قدر دائم.