(العشق الأيديولوجي) اليسار والقضية الفلسطينية بين العقيدة والمزايدة

بي دي ان |

19 ابريل 2026 الساعة 03:52م

الكاتبة
في السياسة، لا شيء يفسر العلاقة بين اليسار العالمي والقضية الفلسطينية أكثر من ذلك الارتباط المركب الذي يمكن وصفه بـ (العشق الأيديولوجي) حالة تتجاوز التعاطف الإنساني إلى التماهي الفكري، لكنها تظل محكومة بتوازنات دقيقة، وأحياناً متناقضة.
منذ عقود، تبنّى اليسار فلسطين بوصفها “القضية النموذج”، حيث تتجسد سرديات الاستعمار، والهيمنة، وصراع القوة في أوضح صورها. لم يكن هذا التبني مجرد موقف تضامني، بل امتداداً لعقيدة فكرية ترى في فلسطين مرآةً لمقولاتها الأساسية. وربما لهذا السبب تحديداً، حافظت القضية على حضورها في الخطاب اليساري حتى في الفترات التي تراجعت فيها قضايا أخرى.
فاليسار، الذي يرفع لواء العدالة الكونية، يقع أحياناً في ازدواجية خطابية لافتة؛ إذ يُضخّم حضوره في الدفاع عن فلسطين، بينما يتعامل بمرونة (إن لم نقل بصمت) تجاه قضايا أخرى لا تنسجم مع أولوياته أو حساباته السياسية. وهنا يتحول الدعم، في بعض الحالات، إلى ما يشبه (رأسمالاً أخلاقياً) يستثمر في الخطاب أكثر مما يُترجم إلى فعل.
الأكثر إشكالية أن بعض التيارات اليسارية تصر على اختزال القضية الفلسطينية ضمن قوالب نظرية جاهزة، وكأنها مجرد نموذج تطبيقي في أدبيات الفكر السياسي، لا واقع معقّد تتشابك فيه العوامل التاريخية والدينية والجيوسياسية. هذا الاختزال، وإن خدم وضوح الخطاب، فإنه يضعف في تقديري قدرته على التعامل مع الواقع كما هو، لا كما ينبغي أن يكون.
غير أن زاوية أخرى تستحق التوقف، تتعلق بطبيعة هذا الارتباط ذاته: هل هو التزام مبدئي مستقل، أم أنه يتقاطع بشكل مباشر أو غير مباشر مع وظائف سياسية أوسع داخل الخطاب اليساري؟
ففي بعض السياقات الأوروبية، وخاصة داخل الجامعات والفضاءات النقابية، تبدو القضية الفلسطينية حاضرة بوصفها أحد أهم “الاختبارات الأخلاقية” التي يُعيد اليسار من خلالها تعريف ذاته في مواجهة خصومه، لا سيما التيارات اليمينية. هنا، لا تعود فلسطين مجرد قضية تضامن، بل تتحول أيضاً إلى مساحة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية، وتعزيز الصورة الأخلاقية داخل المجال العام.
هذا يطرح تساؤلاً مشروعاً: إلى أي مدى يرتبط زخم الدعم اليساري باستمرار القضية نفسها؟ وهل يمكن أن يؤدي حلّها نظرياً إلى تراجع حضورها داخل هذا الخطاب، باعتبارها فقدت وظيفتها الرمزية؟ أم أن الالتزام يتجاوز ذلك ليبقى قائماً بوصفه موقفاً مبدئياً لا يرتبط بوجود الصراع من عدمه؟
لا توجد إجابة حاسمة. لكن من الواضح أن طرح هذا السؤال بحد ذاته يكشف أن العلاقة بين اليسار والقضية الفلسطينية ليست بسيطة كما تبدو، بل تحمل في طياتها تداخلاً معقداً بين القيم، والمصالح، وبناء الصورة السياسية.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن اليسار لعب دوراً محورياً في إبقاء القضية الفلسطينية حيّة في الوعي العالمي، خاصة داخل الجامعات، والنقابات، وحركات الضغط الشعبي. وربما لولا هذا الحضور، لكانت المساحات المتاحة لسرديات أخرى أكثر ضيقاً مما هي عليه اليوم.
لكن السؤال الجوهري اليوم لا يتعلق بحجم الدعم، بل بنوعيته: هل نحن أمام التزام أخلاقي صلب، أم أمام (عشق أيديولوجي) يزدهر في الخطاب ويتراجع عند اختبار المصالح؟
في المحصلة، تبقى القضية الفلسطينية اختباراً حقيقياً لا يُجامل أحداً. فبين العقيدة والمزايدة، وبين الشعار والممارسة، تنكشف المواقف على حقيقتها. وفي عالم السياسة، لا يكفي أن تعشق القضايا… بل أن تتحمل كلفة هذا العشق حين يصبح مكلفاً.

• باحثة في العلوم السياسية