غزة بين سلاح المقاومة وتحولات الواقع

بي دي ان |

15 ابريل 2026 الساعة 08:21م

الكاتب
يقول ابن خلدون إن البذخ والترف ليسا مجرد مظاهر حياة، بل مقدمة حتمية لانهيار الدول. لم يكن يقصد الترف المادي فقط، بل ذلك الشعور الخفي بالاكتفاء والقوة المطلقة، حين تظن النخب أو القوى المسيطرة أنها بلغت من السيطرة ما يجعلها خارج قوانين السقوط.
وإذا كان التاريخ يعيد نفسه، فإن غزة اليوم تقف أمام مشهد مختلف في شكله، لكنه قريب في جوهره من تلك القاعدة الخلدونية: ليس البذخ هنا في القصور، بل في سوء تقدير القوة، وفي الاعتقاد بأن السيطرة أو النفوذ يمكن أن يستمر دون مراجعة، مهما تغيّرت الظروف.
حركة حماس، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا، لم تعد مجرد فصيل عسكري، بل تحوّلت خلال سنوات إلى بنية متغلغلة في المجتمع الغزّي؛ في المؤسسات، والبلديات، والجامعات، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية. هذا التغلغل جعل فكرة إقصائها من المشهد أمرًا معقدًا، بل شبه مستحيل في المدى القريب، لأن حضورها لم يعد سياسيًا فقط، بل اجتماعيًا أيضًا.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في وجودها… بل في شكل هذا الوجود .
غزة، بعد كل ما مرت به، لم تعد تحتمل شعارات كبرى بقدر ما تبحث عن حياة ممكنة. الناس هناك لا يناقشون توازنات القوة بقدر ما يسألون سؤالًا أبسط: هل ستعود الحرب أم لا؟ هل يمكن أن نعيش يومًا عاديًا؟ وهنا يظهر التناقض الحاد : بين واقع يريد الاستقرار،
ومعادلة سياسية وعسكرية تُبقي الباب مفتوحًا على التصعيد.
في المقابل، تطرح بعض القراءات سيناريو أكثر قسوة: استمرار وجود حماس بالشكل الحالي قد لا يؤدي إلى تغيير حقيقي في واقع غزة، بل قد يصبح جزءًا من معادلة تُبقي القطاع في حالة لا حرب ولا سلام ، حيث يستمر الضغط المرتبط بسلاح المقاومة، وتتآكل الأرض تدريجيًا، ويتأقلم العالم مع واقع جديد، بينما تتراجع فرص إعادة الإعمار، ويُفتح باب الهجرة كخيار صامت.
في هذا المشهد، لا يكون الصراع فقط على الأرض… بل على الزمن.
إسرائيل، وفق هذه الرؤية، قد لا تحتاج إلى حسم كامل، بل إلى إدارة طويلة الأمد للصراع، تقوم على الاستنزاف البطيء، وتكريس واقع جغرافي جديد، دون تكلفة الحرب الشاملة. وفي المقابل، تجد غزة نفسها أمام خيارات محدودة، كلها قاسية : إما بقاء الوضع كما هو، بما يحمله من استنزاف مستمر، أو عودة الحرب، بكل ما تعنيه من دمار جديد، أو تحوّل سياسي داخلي يعيد تعريف شكل السلطة ودورها. وهنا نعود إلى ابن خلدون… فالانهيار لا يبدأ حين تضعف القوة، بل حين يُساء التعامل مع أدواتها، وعلى رأسها سلاح المقاومة.
ليست المشكلة في امتلاك سلاح المقاومة، بل في كيفية إدارته، وفي القدرة على قراءة التحولات من حولك. فالسلاح، مهما بلغت رمزيته، إذا لم يُعاد تعريف دوره ضمن واقع متغير، قد يتحول من عنصر حماية إلى عبء.
وربما هذا هو السؤال الحقيقي اليوم في غزة : هل يمكن تحويل سلاح المقاومة إلى جزء من مشروع سياسي قابل للحياة؟
أم أن الإصرار على الشكل الحالي سيبقيه جزءًا من معادلة تستنزف الجميع؟ في النهاية، لا تحتاج غزة إلى مزيد من الشعارات… بل إلى لحظة وعي تاريخية. لحظة تدرك فيها كل الأطراف أن الصمود الحقيقي لا يكون فقط في المواجهة، بل في القدرة على إعادة تعريف الطريق… قبل أن يعيد الواقع تعريفه بالقوة.