شرعنةُ إعدامِ الأسرى.. محاولاتٌ لاستهدافِ رأسِ القضيةِ الفلسطينيةِ

بي دي ان |

10 ابريل 2026 الساعة 12:48ص

الكاتب
في لحظة تتكشف فيها حقيقة الاحتلال دون مواربة، يأتي تشريع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ليشكّل حلقة جديدة من حلقات الإجرام المنظم، الذي لم يعد يكتفي بالقوة العسكرية، بل يسعى إلى إضفاء صبغة قانونية على القتل، في مشهد يعكس أعلى درجات الوقاحة السياسية والعربدة التشريعية. هذا القانون لا يمكن قراءته بمعزل عن تاريخ طويل من المجازر والانتهاكات التي ارتُكبت بحق شعبنا الفلسطيني منذ عقود، بدءًا من المجازر الأولى التي رافقت النكبة، وصولًا إلى سياسات الإعدام الممنهج داخل السجون.
لم يكن الإجرام ضد الشعب الفلسطيني طارئًا، بل تأسس منذ اللحظات الأولى لقيام المشروع الاستيطاني، وتبقى مجزرة دير ياسين نموذجًا على ذلك؛ إذ اقتحمت قوات مسلحة القرية في التاسع من أبريل عام 1948 وقتلت عشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال، باستخدام الأسلحة النارية والقنابل، مع عمليات تهجير ونهب واسعة، ما أسهم في نشر الرعب ودفع السكان الفلسطينيين للنزوح القسري. ولم تكن دير ياسين سوى بداية لمسلسل دموي طويل، شهد مجازر أخرى مثل الطنطورة وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا، وغيرها من الجرائم التي رسخت نهج القتل الجماعي كأداة سياسية، كما تتجلى جريمة الإبادة الجماعية بوضوح فيما شهده قطاع غزة مؤخرًا من حرب مدمرة تجاوزت كل حدود الإنسانية، حيث تعرض المدنيون لعمليات قتل جماعي واسعة النطاق، واستُهدفت الأحياء السكنية المكتظة بالقصف المكثف، ما أدى إلى استشهاد آلاف المدنيين، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال والنساء.
ولم تقف الجرائم عند حدود القتل، بل امتدت إلى تشريد جماعي للسكان، إذ اضطر مئات الآلاف إلى النزوح القسري تحت القصف وفي ظروف إنسانية كارثية، فيما جرى هدم المنازل فوق رؤوس ساكنيها وتسوية مدن وأحياء كاملة بالأرض، كما طال الدمار البنية التحتية الأساسية من مستشفيات ومدارس ومراكز إيواء، في مشهد يعكس سياسة ممنهجة تستهدف مقومات الحياة ذاتها.
إن هذه الوقائع، بما تحمله من قتل واسع النطاق وتشريد قسري وتدمير شامل، تؤكد أن ما حدث لم يكن مجرد عمليات عسكرية، بل جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان تهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني وفرض واقع بالقوة، وسط صمت دولي يطرح تساؤلات كبيرة حول مصداقية المنظومة الدولية التي تدّعي حماية الإنسان وحقوقه، وهو ما يوضح أن ما يجري اليوم من الاحتلال الإسرائيلي ليس سوى استمرار لسياسة قديمة تتطور لتصبح أكثر خطورة عندما تتحول إلى قوانين رسمية.
حيث أقر الكنيست الإسرائيلي في خطوة خطيرة قانونًا يتيح إصدار أحكام بالإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، ومنح المحاكم العسكرية صلاحية تطبيقه في قضايا معينة، في تصعيد غير مسبوق. وقد اعتبرت جهات حقوقية أن هذا القانون يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة، ويصنف كجريمة حرب بحق الشعب الفلسطيني، كما أشارت تقارير حقوقية إلى أن هذا القانون سيُطبق عمليًا على الفلسطينيين فقط، ما يعزز نظام التمييز ويؤسس لسياسة إعدام تستهدف شعبًا بعينه تحت غطاء قانوني.
المفارقة المؤلمة أن العالم الذي يتغنى بحقوق الإنسان يكتفي بالمراقبة دون خطوات حقيقية لوقف هذه الجرائم؛ فقد صدرت إدانات ومواقف سياسية، لكن دون إجراءات عملية، ما يعكس ازدواجية المعايير الدولية. هذا الصمت الدولي لا يختلف كثيرًا عن صمت العالم على المجازر السابقة، حيث تتكرر المشاهد ذاتها بين بيانات، قلق، ثم استمرار الانتهاكات بلا محاسبة.
وفي مواجهة هذا التصعيد الخطير، لا يمكن الاكتفاء بالإدانة اللفظية، بل يصبح التحرك الوطني والشعبي ضرورة ملحّة تفرضها طبيعة المرحلة، فالمطلوب أولًا توحيد الخطاب الفلسطيني حول قضية الأسرى باعتبارها قضية وطنية جامعة تتجاوز كل الاعتبارات، والعمل على تنظيم فعاليات شعبية واسعة تُبقي معاناة الأسرى حاضرة في الوعي العام، بالتوازي مع تعزيز الحملات الإعلامية الدولية التي تكشف خطورة هذا القانون وتعرّي أبعاده العنصرية، كما تبرز أهمية دعم المؤسسات الحقوقية الفلسطينية لتوثيق الانتهاكات بشكل مهني، وتعزيز صمود الأسرى وعائلاتهم ماديًا ومعنويًا، باعتبارهم خط الدفاع الأول عن الكرامة الوطنية.
وفي الوقت ذاته، يجب أن تعمل القيادة الفلسطينية على التحرك في مسارات سياسية وقانونية متوازية، من خلال تفعيل الجهد الدبلوماسي عبر السفارات الفلسطينية حول العالم، والتوجه إلى المحاكم الدولية المختصة لتقديم ملفات قانونية توضح خطورة هذا التشريع، والعمل مع المنظمات الحقوقية الدولية لفضح طابعه العنصري، إضافة إلى المطالبة بفرض عقوبات دولية على الاحتلال الإسرائيلي، وتحريك الملف داخل المؤسسات الأممية ومجلس حقوق الإنسان. ولا يقف الأمر عند ذلك، بل يتطلب خطوات إضافية أكثر فاعلية، مثل إطلاق حملة دولية قانونية رافضة لإعدام الأسرى، وتشكيل لجنة قانونية دولية من خبراء مستقلين، ودعوة البرلمانات الدولية لاتخاذ مواقف واضحة، إلى جانب تفعيل أدوات المقاطعة الدولية، وبناء تحالف إعلامي عربي ودولي يضع قضية الأسرى في صدارة الاهتمام العالمي.
إن هذه الخطوات مجتمعة تشكّل خارطة طريق عملية تنقل القضية من مربع ردّ الفعل إلى دائرة الفعل المؤثر، وتؤكد أن الدفاع عن الأسرى هو دفاع عن العدالة والحرية والحق الفلسطيني غير القابل للتصرف، فالقانون الذي يهدف إلى إعدام الأسرى ليس مجرد نص تشريعي، بل يمثل مرحلة جديدة من سياسة القتل الممنهج التي بدأت بالمجازر الجماعية، مرورًا بالحصار والاعتقال والتعذيب، وصولًا إلى محاولة شرعنة الإعدام. وبينما يواصل الاحتلال جرائمه، يبقى الرهان على صمود الشعب الفلسطيني، وعلى وعي العالم الحر الذي لم يفقد ضميره بعد.
فالأسرى الفلسطينيون ليسوا أرقامًا في سجون الاحتلال، بل هم عنوان الكرامة الوطنية، وصوت الحرية، وخط الدفاع الأول عن القضية الفلسطينية، ومن هنا فإن الدفاع عنهم هو دفاع عن العدالة، وعن حق شعب بأكمله في الحياة والحرية والاستقلال.