غزة لا تُدار بالبيانات: حين يصبح الواقع خارج حسابات اللجنة

بي دي ان |

19 مارس 2026 الساعة 12:18ص

الكاتب
في غزة، لم يعد الناس يطلبون الكثير. لا مشاريع دولية، ولا مصطلحات كبيرة، ولا خطط مكتوبة بعناية. كل ما يريدونه اليوم أصبح أبسط من ذلك بكثير: أن يعيشوا.
لكن، في المقابل، يخرج بيان رسمي باسم رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة، علي شعث، يتحدث فيه عن “حشد الدعم الدولي”، ولقاءات مع الاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي، وهيئات الأمم المتحدة، وآليات تمويل، وأولويات عمل.
لغة كاملة… لكنها بلا أثر.
المشكلة لم تعد في البيان نفسه، بل في ما يكشفه. ففي الوقت الذي يبحث فيه الناس عن ربطة خبز، ويحسبون ما تبقى معهم من مال، ويحاولون فقط أن يكملوا يومهم التالي… يصلهم بيان جديد عن اجتماعات.
غزة اليوم لا تعيش في “آليات تمويل”، بل في طوابير. لا تعيش في “أولويات عمل”، بل في غلاء لا يُحتمل، ونزوح لا ينتهي، وحياة معلّقة بين انتظار وقلق. وهنا، لا يعود البيان إنجازًا… بل يتحول إلى فجوة جديدة بين الواقع والكلام.
حين يقول الناس “شبعنا اجتماعات”، فهم لا يسخرون فقط، بل يختصرون مشهدًا كاملًا: واقع يُدار بالكلمات، وواقع يُدار بالألم.
الأخطر من ذلك أن اللجنة، التي يفترض أنها جاءت لإدارة غزة، لم تدخل غزة أصلًا، ولم تعقد اجتماعًا واحدًا داخلها، ولم تواجه الناس، ولم تسمعهم إلا عبر التعليقات. وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: كيف يمكن إدارة مكان من خارجه؟ وكيف يمكن الحديث باسم الناس دون أن تكون بينهم؟
الناس لا تنتقد لأنها تريد ذلك، بل لأنها وصلت إلى حد الانفجار الصامت. تعليقاتهم ليست مجرد غضب، بل تراكم سنوات من الوعود والإحباط والانتظار. حين يكتب أحدهم: “بدنا نعيش بكرامة”، فهو لا يطلب برنامجًا دوليًا، بل يطلب الحد الأدنى من الحياة.
المشكلة الحقيقية ليست أن اللجنة تتحرك، بل أن حركتها لا تُرى. ليست أن هناك اجتماعات، بل أن نتائجها لا تصل. ليست أن هناك خطابًا، بل أن الواقع يناقضه بالكامل.
وهنا يبدأ أخطر ما في المشهد: تآكل الثقة. حين يشعر الناس أن من يتحدث باسمهم لا يعيش واقعهم، تتحول أي كلمة إلى عبء، وأي وعد إلى شك، وأي بيان إلى مسافة إضافية بينهم وبين من يفترض أنه يمثلهم.
غزة اليوم لا تحتاج إلى من “يدير ملفها”، بل إلى من يعيش تفاصيلها. لا تحتاج إلى صور مع وفود، بل إلى قرار يُخفف عن الناس. لا تحتاج إلى لغة دبلوماسية، بل إلى شجاعة في قول الحقيقة.
إذا كانت اللجنة تشعر بعجز حقيقي في ظل الظروف السياسية المعقدة، فهناك ما يمكن فعله. البداية تكون بالصراحة: قول الحقيقة للناس كما هي، دون تجميل. ما الذي تستطيعونه؟ وما الذي لا تستطيعونه؟ ومن يمنعكم؟ الناس تتحمل الحقيقة، لكنها لم تعد تتحمل الوهم.
ثم الحضور: الدخول إلى غزة، لا إدارتها عن بُعد. حتى لو كانت الصلاحيات محدودة، فإن الوجود بين الناس يغيّر كل شيء.
ثم الأولويات: ليس المطلوب خططًا بعيدة، بل إجراءات مباشرة تمس حياة الناس اليومية؛ الأسعار، المعابر، الخدمات، دعم المبادرات، متابعة الجرحى والمرضى. هذه هي السياسة الحقيقية اليوم.
وأخيرًا، التوقف عن إدارة الأزمة بالبيانات. كل بيان لا ينعكس على الأرض، يتحول من رسالة أمل إلى عبء إضافي.
المشكلة ليست أن اللجنة اجتمعت، بل أن غزة لم تشعر بشيء بعد الاجتماعات. والمشكلة ليست في نقص الكلام، بل في غياب الفعل.
غزة اليوم لا تحتاج من يتحدث عنها، بل من يغيّر شيئًا فيها.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث، ليس أن تفشل الإدارة… بل أن يعتاد الناس على غيابها.