استهداف المدنيين والأطفال في الحروب… من الغزو القديم إلى ممارسات الاستعمار الحديث

بي دي ان |

16 مارس 2026 الساعة 09:24م

الكاتب
ظلّ استهدافُ المدنيين، ولا سيما الأطفال، أحد أكثر مظاهر الحروب قسوةً عبر التاريخ، إذ لجأت إليه قوى الغزو في كثير من الأحيان وسيلةً لكسر إرادة الشعوب وإضعاف قدرتها على الصمود. غير أن هذا السلوك يتعارض بوضوح مع القيم الإنسانية والأخلاقية التي أرستها الأديان والحضارات. ويكفي في هذا السياق التذكير بوصية أبي بكر الصديق لقادة جيوش المسلمين حين قال: «لا تقتلوا طفلاً، ولا امرأة، ولا شيخاً كبيراً، ولا تقطعوا شجرة، ولا تخربوا عامراً»، وهي وصية تعكس إدراكاً مبكراً لضرورة ضبط سلوك الحرب وصون حياة المدنيين وممتلكاتهم.

وعند استقراء صفحات التاريخ، نجد أن المشرق الإسلامي شهد نماذج قاسية من استهداف السكان المدنيين خلال الحملات الصليبية، حيث كان الجنود الصليبيون يتلذذون في قتل الاطفال وتقطيع أطرافهم وشيها على النار أمام ابائهم وأمهاتهم ، كما تعرضت مدن كثيرة لدمار واسع إبّان الغزو المغولي، حيث استُخدم نشر الرعب بين السكان وسيلة لإخضاع المجتمعات وإجبارها على الاستسلام.

وفي العصر الحديث، يرى عدد من الباحثين أن بعض مظاهر الاستعمار الجديد أعادت إنتاج هذه السياسات بوسائل أكثر تطوراً. ففي فلسطين، منذ عام 1948، ارتبط قيام دولة إسرائيل بعمليات تهجير ومجازر تركت أثراً عميقاً في الذاكرة التاريخية الفلسطينية، مثل مذبحة دير ياسين وغيرها من القرى التي شهدت قتل المدنيين وبثّ الرعب بين السكان. وقد أشار بعض القادة الإسرائيليين أنفسهم لاحقاً إلى أن تلك الأحداث أسهمت في نشر الخوف بين الأهالي ودفع كثير منهم إلى النزوح.

ولم تتوقف معاناة المدنيين عند تلك المرحلة، بل استمرت في العقود اللاحقة، ولا سيما في قطاع غزة، حيث أدت الحروب المتكررة إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا بين الأطفال والنساء، إضافة إلى الدمار الواسع في البنية التحتية والحياة المدنية.

كما شهدت المنطقة نماذج أخرى من استهداف المدنيين في حروب العصر الحديث، مثل ما جرى خلال الاحتلال الأمريكي لكلٍّ من العراق وأفغانستان، وما شهدته لبنان من مجازر خلال الحروب الإسرائيلية المتكررة، حيث دفعت المجتمعات المدنية ثمناً باهظاً في صراعات تفوق قدرتها على الاحتمال.

ومن منظور تحليلي، يرى عدد من الباحثين أن استهداف المدنيين قد يُستخدم في بعض الحروب أداةً للضغط النفسي والسياسي، بهدف كسر معنويات المجتمعات وإضعاف الحاضنة الشعبية للقوى المقاومة. غير أن قراءةً أعمق للتاريخ تشير إلى أن اللجوء إلى هذا الأسلوب يعكس في كثير من الأحيان عجز القوة المعتدية عن حسم الصراع في ميدان المواجهة العسكرية المباشرة، فتسعى إلى نقل المعركة إلى المجتمع المدني أملاً في إضعاف إرادته.

وفي هذا السياق، تتصاعد في الوقت الراهن تقارير وتصريحات تتحدث عن استهداف مرافق مدنية في إيران، من بينها مدارس، الأمر الذي أدى إلى سقوط عدد من الأطفال بين الضحايا. إن مثل هذه الأحداث تعيد طرح السؤال الأخلاقي والإنساني ذاته الذي واجهه العالم مراراً عبر التاريخ: هل يمكن للحروب، مهما اشتدت، أن تبرر المساس بحياة الأطفال والمدنيين؟

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن استهداف المدنيين، مهما كانت مبرراته العسكرية أو السياسية، لا ينجح في كسر إرادة الشعوب بقدر ما يعمّق شعورها بالظلم ويعزز تمسكها بحقوقها وأرضها وهويتها. ولذلك فإن حماية المدنيين، وفي مقدمتهم الأطفال، ينبغي أن تظل مبدأً إنسانياً ثابتاً لا يخضع لموازين القوة أو حسابات السياسة.

• رئيس مركز التاريخ الشفوي والتراث الفلسطيني بالجامعة الإسلامية بغزة - فلسطين