وهم الحماية المستورد وأزمة الخليج 

بي دي ان |

09 مارس 2026 الساعة 07:49م

الكاتب
في السياسة، أكثر الأوهام ضجيجًا هو الاعتقاد أن الأمن يمكن شراؤه كما تُشترى الصفقات، أو استيراده كما تُستورد السلع. غير أن دروس التاريخ أكثر صرامة: الدول التي تبني أمنها على قوة الآخرين، تجد نفسها يومًا جزءًا من معاركهم .فالمشكلة الحقيقية أن يتحول الخطأ إلى عقيدة . وأن تتحول المراجعة إلى مُحرم سياسي. حينها يصبح الجمود فضيلة زائفة  وينظر إلى تغيير القناعات كأنه تراجع  لا نضج.

بهذا المعنى يمكن قراءة مأزق الخليج اليوم  فمنذ عقودٍ طويلة بنيت معادلة الأمن هناك على فكرة  ساذجة  أن القوة البعيدة قادرة على ضمان الاستقرار القريب. فامتلأت الأرض بالقواعد العسكرية الامربكية  وامتلأت الخزائن بصفقات السلاح، واطمأنت العواصم إلى مظلة قيل إنها كافية لردع العواصف.

لكن السياسة، بخلاف الأمنيات لا تعترف بالثبات.القوة العظمى لا تتحرك بدافع الوفاء، بل بدافع المصلحة والتحالفات في النظام الدولي ليست عقود زواجٍ أبدية، بل ترتيبات مؤقتة تتبدل كلما تبدلت الأولويات. وما يبدو اليوم ضمانة قد يتحول غدآ إلى عبء  أو إلى ورقة في لعبةٍ أكبر  في لحظة التصعيد الإقليمي الراهنة، حيث تتشابك حسابات الحرب والردع يظهر الخليج في موقع شديد الحساسية فالقواعد الأجنبية على أراضيه تجعل جغرافيته جزءًا من معادلة الصراع حتى لو لم يكن راغبآ في أن يكون طرفآ فيها. وهنا تكمن المفارقة  ما أُنشئ يومآ لحماية الاستقرار قد يتحول، في لحظة التوتر الكبرى، إلى أحد مصادر القلق .

فالسياسة كما تقول مدارس الواقعية في العلاقات الدولية لا تحب الفراغ. وإذا لم تصنع الدول أمنها بنفسها فإنها تستعيره من الآخرين والاستعارة في عالم القوة لا تكون مجانية أبدًا.

لكن الخروج من هذا المأزق لا يكون بالصدام ولا بالمغامرة  فالمنطقة أنهكتها الحروب  ولا تحتاج إلى حروب مذهبية جديدة تُشعلها الحسابات الكبرى وتدفع ثمنها الشعوب  كما أن تحويل الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة لن يخدم أحدآ بل سيضاعف هشاشة الإقليم كله. الحكمة السياسية تفتح  أبوابآ بين الاستسلام والمواجهة.

الباب الأول هو بناء موقف خليجي أكثر استقلالآ وتماسكآ موقف يدرك أن الأمن الحقيقي لا يستورد بالكامل من الخارج، بل يُبنى أولًا داخل الإقليم عبر تنسيقٍ سياسي وأمني أعمق بين دوله.

والباب الثاني هو توسيع منطق التهدئة الإقليمية. فالعلاقة مع إيران، مهما بلغت خلافاتها تبقى علاقة جوارٍ جغرافي لا يمكن إلغاؤه  والسياسة العاقلة لا تبني أمنها على العداء الدائم  بل على إدارة الخلافات وتقليل احتمالات الانفجار.

أما الباب الثالث فهو إعادة تعريف معنى التحالفات الدولية. فالتوازن لا يعني القطيعة مع القوى الكبرى، بل يعني ألا تتحول العلاقة معها إلى اعتمادٍ كامل يلغي قدرة القرار المحلي.
العالم يتغير بسرعة والشرق الأوسط يتغير معه. وفي لحظات التحول الكبرى لا تنجو الدول الأكثر تسلحآ، بل الأكثر قدرة على إعادة التفكير.

لذلك فإن الشجاعة السياسية اليوم لا تكمن في رفع سقف التوتر بل في امتلاك الجرأة لمراجعة المعادلات القديمة. فالأمن الذي يقوم على الخوف وحده لا يدوم، أما الأمن الذي يقوم على التوازن والعقلانية فقد يفتح بابآ لشرقٍ أوسط أقل توترآ وأكثر حكمة .

وفي النهاية، ليست قوةُ الدول في عددِ القواعد التي تحيط بها  بل في قدرتها على ألّا تتحوّل أرضُها إلى ساحةٍ لصراعات الآخرين؛ فالأمن الحقيقي لا يُستأجر من الخارج  بل يُبنى بتوازنٍ سياسي  وحكمةٍ إقليمية، وقرار سيادي يعرف كيف يحمي المصالح دون أن يشعل الحروب .