لقمة مغمسة بالدم: "أبو أنس" يرحل تاركاً خلفه "كيس بندورة" وطفلين ينتظران رمضان الأول دون زينة

بي دي ان |

06 مارس 2026 الساعة 08:12م

صورة تعبيرية
يستقبل الطفلان أنس وسيدرا شهر رمضان المبارك هذا العام بذاكرة مثقلة بالفقد، في غياب والدهما الذي كان يملأ خيمتهما بالفوانيس والبهجة. لم تكن صواريخ الاحتلال مجرد أدوات قتل عسكرية، بل كانت معاول هدم لنسيج عائلة دافئة، انضمت مؤخراً إلى آلاف العائلات المنكوبة في قطاع غزة التي سُلبت حقها الطبيعي في الأمان والحنان.

رسالة نصية أوقفت الزمن

"محمد استشهد".. هكذا اختصرت رسالة نصية حكاية شاب في مقتبل العمر. في منطقة "الجورة" بمواصي خانيونس—وهي منطقة عشوائية تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية—كان يعيش محمد عبد الحميد ماضي (38 عاماً). "أبو أنس"، المزارع الكادح ذو العينين الخضراوات والوجه الذي نحتته شمس الحقول، لم يكن مجرد نازح، بل كان شريان حياة لجيرانه في المخيم.

بأجر يومي لا يتجاوز 20 شيكلاً، كان محمد يتحدى المسافات والمخاطر ليصل إلى عمله في الأراضي الزراعية المتاخمة لحدود رفح وخانيونس. تقول زوجته نجوى (30 عاماً) وهي تستذكر قلقها المعتاد: " كنت أنتظر عودته بلهفة، فالحرب لا تترك أحداً آمناً. كان يعود بدراجته الهوائية ووابتسامته العريضة، محملاً بما تيسر من خضروات لأطفاله الذين يهرعون لاستقباله".

ملاذ الجائعين في زمن المجاعة

لم يكن لمحمد اهتمامات سياسية أو هوايات ترفيهية؛ كانت "عزة النفس" هي هوايته الوحيدة. في ذروة الغلاء الفاحش والمجاعة التي ضربت القطاع، تحولت خيمته المتواضعة إلى مقصد للمحتاجين. كان يتقاسم "الدقيق" وحبات "البندورة" التي يجلبها من عمله مع جيرانه، رافضاً أن يرد أحداً خائباً، رغم ضيق ذات اليد.

تفاصيل اللحظات الأخيرة: "كيس البندورة" القاتل

تروي زوجته نجوى اللحظات الأخيرة بصوت متحشرج: "طلبت منه صباحاً أن يعدّ لي الفلافل، غادر مودعاً على أمل العودة الباكرة بسبب تقدم الآليات العسكرية في منطقة (موراج)".

لكن القدر كان يتربص به. يروي شقيقه المصاب "ياسر" تفاصيل الجريمة: "أنهينا قطف المحاصيل، وفجأة استهدفتنا مسيرة انتحارية. أصبتُ بجروح بليغة، فقام محمد بتمزيق ملابسه لربط جراحي وإسعافي. وضعني بجانب حائط وقال لي: (نسيت كيس البندورة داخل الدفيئة، سأحضره وآتي فوراً)".

كانت تلك الكلمات هي الأخيرة؛ حيث استهدفته طائرة استطلاع بصاروخ مباشر أودى بحياته على الفور، ليرتقي شهيداً وهو يحاول تأمين قوت أطفاله من أرضه التي عشقها.

مشرحة ناصر: صراع لانتشال الجثمان

لم تنتهِ المأساة بالشهادة، بل بدأت رحلة البحث عن "دفن كريم". تؤكد أم أنس أن طواقم الإسعاف والصليب الأحمر رفضوا التوجه للمنطقة بسبب خطورتها. وبعد محاولات مريرة، تم انتشال جثمانه عبر "عربة كارو" بمقابل مادي ومخاطرة كبيرة، بعدما قُصف صاحب عربة آخر حاول قبله.

من جانبه، أكد محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني، أن الاحتلال يتعمد خرق القوانين الدولية التي تضمن حرية تنقل طواقم الإنقاذ، مما تسبب في تحلل جثامين آلاف الشهداء تحت الركام أو في المناطق الحدودية، وحرم عائلاتهم من حق مواراتهم الثرى بكرامة.

رمضان بلا "أبو أنس"

اليوم، تلاحق ذكرى محمد كل من تعامل معه. رحل صاحب البشرة الكادحة، وبقيت قصته تلخص حال آلاف الآباء في غزة؛ الذين لم تكن جريمتهم سوى السعي خلف "لقمة عيش" غُمست في نهاية المطاف بدمائهم الزكية.

سيدخل رمضان على "أنس وسيدرا" هذا العام دون فوانيس، لكن "كيس البندورة" الأخير الذي حاول والدهما إحضاره، سيبقى شاهداً على أبٍ قتله الجوع والحرب وهو يحاول إطعام صغاره.