سيكولوجية حماس .. هل تنجو الحركة إذا فقدت سلاحها؟
بي دي ان |
27 فبراير 2026 الساعة
11:12ص
الكاتب
لفهم حماس، لا يكفي النظر إليها كتنظيم سياسي، ولا كفصيل عسكري فقط. هي قبل ذلك بنية نفسية جماعية تشكلت في ظروف صراع طويل، وحملت منذ بدايتها تصورًا واضحًا عن نفسها: حركة مقاومة عقائدية، لا حزبًا إداريًا تقليديًا.
الحركات العقائدية تختلف عن الأحزاب السياسية. الحزب يمكنه أن يغيّر برنامجه وفق الظروف، أما الحركة العقائدية فتبني هويتها على فكرة تعتبرها ثابتة. بالنسبة لحماس، المقاومة ليست خيارًا سياسيًا فقط، بل جزء من تعريف الذات. وهنا تكمن أول عقدة نفسية: حين تصبح الفكرة جزءًا من الهوية، يصبح التراجع عنها أشبه بفقدان الذات.
منذ عام 2006، حين دخلت الحركة الانتخابات وأصبحت سلطة فعلية في غزة، بدأت الازدواجية التي لم تُحسم حتى اليوم: هل هي حركة مقاومة أم سلطة حاكمة؟
المقاومة تعيش على التوتر والاشتباك، بينما الحكم يحتاج استقرارًا وإدارة يومية ومسؤولية خدمات. هذا التأرجح بين البندقية و السلطة خلق ضغطًا نفسيًا داخليًا طويل الأمد داخل بنية الحركة. كل حرب مع إسرائيل كانت تعيد تثبيت صورتها الأولى كحركة اشتباك. وكل فترة هدوء كانت تعيدها إلى واقع إدارة قطاع محاصر ومنهك. ومع تراكم السنوات، لم يعد السؤال عسكريًا فقط، بل وجوديًا.
اليوم، ومع الحديث عن ترتيبات جديدة لمستقبل غزة، عاد السؤال الأكثر حساسية إلى الواجهة: نزع السلاح.
قضية نزع السلاح ليست بندًا تفاوضيًا عابرًا، بل لحظة تعريف.
السلاح بالنسبة لحماس ليس قطعة حديد، بل شهادة ميلادها السياسي. هو ما منحها شرعيتها ومكانتها داخل جمهورها. لذلك فإن التخلي عنه لا يُقرأ كقرار أمني فقط، بل كسؤال وجودي: من ستكون حماس بعد ذلك؟
لكن السؤال لم يعد داخليًا فقط. بل أصبح مرتبطًا بإرادة الأطراف الأخرى أيضًا. هل ستوافق إسرائيل والولايات المتحدة على تحويل حماس إلى حزب سياسي مقابل نزع سلاح تدريجي؟ وهل ستُمنح الحركة أي دور سياسي حقيقي بعد ذلك؟ أم أن المطلوب ليس تحويلها… بل إخراجها من المشهد؟ هنا تتغير طبيعة السيناريوهات.
السيناريو الأول: اتفاق سياسي مشروط
في هذا المسار، يتم التوافق على نزع سلاح تدريجي مقابل إدماج الحركة في إطار سياسي أوسع، سواء عبر إعادة تشكيل النظام الفلسطيني أو ضمن صيغة إدارة جديدة للقطاع. هذا السيناريو يفترض أن إسرائيل وأمريكا تفضلان احتواء الحركة بدل استئصالها، وأنهما تعتبران التحول السياسي أقل كلفة من المواجهة المفتوحة. لكن نجاح هذا المسار مشروط بأمرين:
أولًا، أن يُمنح للحركة دور سياسي حقيقي لا شكلي.
وثانيًا، أن تتمكن قيادتها من إقناع قاعدتها بأن التحول ليس هزيمة بل انتقال مرحلة.
إذا غابت الضمانات السياسية، قد يتحول النزع التدريجي إلى تفكيك بطيء دون مقابل حقيقي.
السيناريو الثاني: نزع السلاح بالقوة
إذا فشلت أي تسوية، قد تلجأ إسرائيل بدعم أمريكي إلى محاولة تفكيك القدرات العسكرية بالقوة، سواء عبر عمليات عسكرية طويلة الأمد أو عبر ترتيبات أمنية مفروضة. لكن التجارب التاريخية تشير إلى أن نزع سلاح تنظيم عقائدي بالقوة لا يعني بالضرورة القضاء عليه. قد تُضرب البنية العسكرية، لكن الفكرة قد تبقى.
القضاء العسكري لا يساوي دائمًا القضاء التنظيمي. بل قد يدفع الحركة إلى التحول إلى شكل أكثر سرية أو تشددًا.
ومع ذلك، فإن هذا السيناريو يحمل خطرًا حقيقيًا : أن تتحول الحركة من لاعب سياسي...عسكري إلى كيان مشتت أو منقسم، خاصة إذا فقدت قدرتها على إعادة تنظيم نفسها.
السيناريو الثالث: بقاء الوضع الرمادي
وهو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب. لا اتفاق شامل، ولا تفكيك كامل. ضغط مستمر، تقليص تدريجي للقدرات، وإبقاء الحركة تحت سقف ردع دائم. هذا السيناريو لا يحسم الأزمة، بل يؤجلها. تبقى الحركة موجودة، لكن أضعف. ويبقى السلاح حاضرًا، لكن تحت ضغط دائم. وتبقى غزة معلّقة بين اشتباك غير محسوم وتسوية غير مكتملة. في كل هذه السيناريوهات، يبقى السؤال الأعمق:
هل يعني نزع السلاح نهاية حماس؟
الجواب ليس حتميًا.
الحركات العقائدية قد تتآكل إذا فقدت معناها بالكامل، لكنها قد تعيد تعريف نفسها إذا وجدت مسارًا يحفظ جزءًا من هويتها. النهاية لا ترتبط فقط بالسلاح، بل بقدرة الحركة على صياغة رواية جديدة عن نفسها أمام جمهورها.
إذا تم نزع السلاح دون بديل سياسي واضح، قد تتحول الحركة إلى كيان مفرغ من مضمونه.
أما إذا جاء النزع ضمن إعادة ترتيب فلسطينية شاملة تمنحها دورًا سياسيًا محددًا، فقد نشهد نسخة مختلفة منها، أقل عسكرية وأكثر سياسية. سيكولوجية حماس اليوم ليست فقط صراعًا مع إسرائيل، ولا مجرد مواجهة مع ضغوط أمريكية، بل صراع داخلي بين البقاء كما هي… أو التحول لتبقى. والقرار، في النهاية، لن يحدد فقط مصير الحركة،
بل سيحدد شكل المرحلة القادمة في غزة… نفسيًا وسياسيًا وأمنيًا.
بي دي ان |
27 فبراير 2026 الساعة 11:12ص
الحركات العقائدية تختلف عن الأحزاب السياسية. الحزب يمكنه أن يغيّر برنامجه وفق الظروف، أما الحركة العقائدية فتبني هويتها على فكرة تعتبرها ثابتة. بالنسبة لحماس، المقاومة ليست خيارًا سياسيًا فقط، بل جزء من تعريف الذات. وهنا تكمن أول عقدة نفسية: حين تصبح الفكرة جزءًا من الهوية، يصبح التراجع عنها أشبه بفقدان الذات.
منذ عام 2006، حين دخلت الحركة الانتخابات وأصبحت سلطة فعلية في غزة، بدأت الازدواجية التي لم تُحسم حتى اليوم: هل هي حركة مقاومة أم سلطة حاكمة؟
المقاومة تعيش على التوتر والاشتباك، بينما الحكم يحتاج استقرارًا وإدارة يومية ومسؤولية خدمات. هذا التأرجح بين البندقية و السلطة خلق ضغطًا نفسيًا داخليًا طويل الأمد داخل بنية الحركة. كل حرب مع إسرائيل كانت تعيد تثبيت صورتها الأولى كحركة اشتباك. وكل فترة هدوء كانت تعيدها إلى واقع إدارة قطاع محاصر ومنهك. ومع تراكم السنوات، لم يعد السؤال عسكريًا فقط، بل وجوديًا.
اليوم، ومع الحديث عن ترتيبات جديدة لمستقبل غزة، عاد السؤال الأكثر حساسية إلى الواجهة: نزع السلاح.
قضية نزع السلاح ليست بندًا تفاوضيًا عابرًا، بل لحظة تعريف.
السلاح بالنسبة لحماس ليس قطعة حديد، بل شهادة ميلادها السياسي. هو ما منحها شرعيتها ومكانتها داخل جمهورها. لذلك فإن التخلي عنه لا يُقرأ كقرار أمني فقط، بل كسؤال وجودي: من ستكون حماس بعد ذلك؟
لكن السؤال لم يعد داخليًا فقط. بل أصبح مرتبطًا بإرادة الأطراف الأخرى أيضًا. هل ستوافق إسرائيل والولايات المتحدة على تحويل حماس إلى حزب سياسي مقابل نزع سلاح تدريجي؟ وهل ستُمنح الحركة أي دور سياسي حقيقي بعد ذلك؟ أم أن المطلوب ليس تحويلها… بل إخراجها من المشهد؟ هنا تتغير طبيعة السيناريوهات.
السيناريو الأول: اتفاق سياسي مشروط
في هذا المسار، يتم التوافق على نزع سلاح تدريجي مقابل إدماج الحركة في إطار سياسي أوسع، سواء عبر إعادة تشكيل النظام الفلسطيني أو ضمن صيغة إدارة جديدة للقطاع. هذا السيناريو يفترض أن إسرائيل وأمريكا تفضلان احتواء الحركة بدل استئصالها، وأنهما تعتبران التحول السياسي أقل كلفة من المواجهة المفتوحة. لكن نجاح هذا المسار مشروط بأمرين:
أولًا، أن يُمنح للحركة دور سياسي حقيقي لا شكلي.
وثانيًا، أن تتمكن قيادتها من إقناع قاعدتها بأن التحول ليس هزيمة بل انتقال مرحلة.
إذا غابت الضمانات السياسية، قد يتحول النزع التدريجي إلى تفكيك بطيء دون مقابل حقيقي.
السيناريو الثاني: نزع السلاح بالقوة
إذا فشلت أي تسوية، قد تلجأ إسرائيل بدعم أمريكي إلى محاولة تفكيك القدرات العسكرية بالقوة، سواء عبر عمليات عسكرية طويلة الأمد أو عبر ترتيبات أمنية مفروضة. لكن التجارب التاريخية تشير إلى أن نزع سلاح تنظيم عقائدي بالقوة لا يعني بالضرورة القضاء عليه. قد تُضرب البنية العسكرية، لكن الفكرة قد تبقى.
القضاء العسكري لا يساوي دائمًا القضاء التنظيمي. بل قد يدفع الحركة إلى التحول إلى شكل أكثر سرية أو تشددًا.
ومع ذلك، فإن هذا السيناريو يحمل خطرًا حقيقيًا : أن تتحول الحركة من لاعب سياسي...عسكري إلى كيان مشتت أو منقسم، خاصة إذا فقدت قدرتها على إعادة تنظيم نفسها.
السيناريو الثالث: بقاء الوضع الرمادي
وهو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب. لا اتفاق شامل، ولا تفكيك كامل. ضغط مستمر، تقليص تدريجي للقدرات، وإبقاء الحركة تحت سقف ردع دائم. هذا السيناريو لا يحسم الأزمة، بل يؤجلها. تبقى الحركة موجودة، لكن أضعف. ويبقى السلاح حاضرًا، لكن تحت ضغط دائم. وتبقى غزة معلّقة بين اشتباك غير محسوم وتسوية غير مكتملة. في كل هذه السيناريوهات، يبقى السؤال الأعمق:
هل يعني نزع السلاح نهاية حماس؟
الجواب ليس حتميًا.
الحركات العقائدية قد تتآكل إذا فقدت معناها بالكامل، لكنها قد تعيد تعريف نفسها إذا وجدت مسارًا يحفظ جزءًا من هويتها. النهاية لا ترتبط فقط بالسلاح، بل بقدرة الحركة على صياغة رواية جديدة عن نفسها أمام جمهورها.
إذا تم نزع السلاح دون بديل سياسي واضح، قد تتحول الحركة إلى كيان مفرغ من مضمونه.
أما إذا جاء النزع ضمن إعادة ترتيب فلسطينية شاملة تمنحها دورًا سياسيًا محددًا، فقد نشهد نسخة مختلفة منها، أقل عسكرية وأكثر سياسية. سيكولوجية حماس اليوم ليست فقط صراعًا مع إسرائيل، ولا مجرد مواجهة مع ضغوط أمريكية، بل صراع داخلي بين البقاء كما هي… أو التحول لتبقى. والقرار، في النهاية، لن يحدد فقط مصير الحركة،
بل سيحدد شكل المرحلة القادمة في غزة… نفسيًا وسياسيًا وأمنيًا.