صوت فلسطين العابر للحدود: هالة أبو حصيرة نموذجاً

بي دي ان |

19 فبراير 2026 الساعة 01:03م

المشرف العام
منذ عدة أشهر وأثناء متابعتي اللحظية المعتادة للأخبار وما يخص الشأن الفلسطيني تحديداً، وصلني مقطع فيديو لسيدة فلسطينية تتحدث أمام مئات الآلاف من المواطنين في إحدى الميادين العامة في فرنسا، تقف على المنصة بثبات وقوة قد لا تفلح بامتلاكها الكثير من النساء في ميادين العمل، تحدثت أمام الجماهير بلغة فرنسية تطوعها كيفما تطوع اللغة العربية والإنجليزية والعبرية، رفعت لحظتها اسم فلسطين عاليا وتحدثت عن حرب الإبادة الجماعية وما يفعله الاحتلال بأصحاب الأرض ولهم حق الوجود، شعب لا يريد سوا حياة كريمة على أرضه. 


بنظري لم يكن من السهل على سيدة إلقاء خطاب سياسي إنساني، بهذه القوة أمام مئات مؤلفة من غير جنسيتها ولا لغتها ولا ديانتها، لكنها نجحت بجدارة بإيجاد لغة إنسانية وقانونية وأخلاقية مشتركة ما بين فلسطين والمواطنين الفرنسيين الذين جاؤوا من مشارب مختلفة في فرنسا ليعلنوا تضامنهم مع فلسطين، فكانت سفيرة فلسطين لدى فرنسا هالة أبو حصيرة صوت فلسطين العالي، ونبض شعبها، نقلت بصدق ومصداقية المعاناة والمأساة وحرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة تحديداً.

بعد هذا اللقاء المميز بدأت أتابع عمل ونشاط هذه السيدة الرشيقة، فوجدتها حاضرة بالإعلام الفرنسي "تحديداً" وغيره بقوة، وبطلاقة الدبلوماسي صاحب الحق والمنتمي للوطن والفكرة، متمسك بقداسة القضية، وجدت عشرات إن لم يكن مئات اللقاءات الإعلامية، ولقاءات غنية وملهمة وفي شتى المحافل الدولية، تنطلق من اعتبارات قانونية وسياسية بعيداً عن لغة العواطف والإنشاء. 

لربما تكون أبو حصيرة ابنة مدينة غزة، والتي كانت طالبة متفوقة ومشهود لها بجامعة الأزهر بغزة، ومن كادرات شبيبة الفتح، بحق أصغر سفيرة فلسطينية حسب معلوماتي، لكنها تبدو من أكثر السفراء حراكاً وتأثيراً في الرأي العام الفرنسي كونها ساحتها السياسية والدبلوماسية، فلم تترك أبو حصيرة جامعات ولا مثقفين أو مؤسسات فكر، وسياسيين وشخصيات عامة لها تأثيرها بالشارع الفرنسي إلا والتقتها وأرسلت رسائلها الوطنية والإنسانية. 

على مايبدو لم يكن هذا وجهة نظري الوحيدة في سفيرة بعثة فلسطين في باريس، ففي مقالها المعنون "الصوت القوي لفلسطين في فرنسا" قدمت جريدة "Liberation" قراءة معمقة لشخصية ودور السفيرة هالة أبو حصيرة، يشير المقال إلى أن هالة : صوت فلسطيني حاضر بقوة في الفضاء العام الفرنسي، وتصف ليبراسيون هالة بأنها من أكثر الأصوات الفلسطينية وضوحاً وحضوراً في فرنسا، سواء في الإعلام أو الأوساط الأكاديمية والسياسية، حيث لا تكتفي بالخطاب الدبلوماسي التقليدي، بل تخاطب الرأي العام مباشرة بلغة قانونية وإنسانية في آن واحد. وأن خطابها يرتكز على القانون الدولي لا على الشعارات. 

وتؤكد ليبراسيون في مقالها، أن السفيرة تنجح في نقل مأساة غزة من كونها <خبرا بعيداً> إلى قضية تمس الضمير الإنساني العالمي عبر إبراز معاناة المدنيين، واستهداف البنى التحتية، ومحاولة محو الحياة الفلسطينية، مع ربط ذلك بازدواجية المعايير في النظام الدولي. 

وتختتم ليبراسيون بالإشارة إلى أن هالة ديبلوماسية تتجاوز الصالونات الرسمية، وهي تمثل نموذجاً لدبلوماسية جديدة: دبلوماسية تخرج من الإطار البروتوكولي الضيق، وتخاطب الجامعات والطلاب والمثقفين، والإعلام، معتبرة أن معركة فلسطين في فرنسا هي أيضاً معركة وعي ورواية ". انتهى . 

ولأن الدبلوماسية لا تمارس في المكاتب المغلقة ولا بمعزل عن المجتمع، بالتالي أدركت هالة مبكرا بفطرتها وفطنتها وخبرتها بالسلك الدبلوماسي الذي بدأت به مبكراً وأكسبها أدوات معتبرة ومقنعة استثمرتها في نشر الرواية الفلسطينية التي تخاطب وعي وعقل الشعب الفرنسي، أدركت المسار الجيد الذي يجب أن تسلكه في عملها الدبلوماسي تجاه قضية عادلة أمام عدو شرس، في مرحلة حساسة وخطرة جدا في تاريخ فلسطين. 

العمل الدبلوماسي ليس رفاهية ولا (برستيج لطبقة مخملية) تتميز بها فئة من المجتمع، ولا يجب أن يكون محل مجاملة لفلان وعلان على حساب فلسطين القضية، ولايجب أن يكون هدايا (لعظم الرقبة)، العمل الدبلوماسي يجب أن يبنى على أساس الكفاءة والعلم والقدرة على التأثير وتحريك الميادين الدولية لصالح الرواية الفلسطينية وتحشيد رأي عام دولي مناصر، فكانت هالة أبو حصيرة مثالاً حي ونموذج للمرأة الفلسطينية المناضلة يحتذى به، بعيدا عن مجاملات وهدايا التعيين لعظام الرقبة.