سورة البقرة: حين يلتقي علم النفس بنداء الروح
بي دي ان |
19 فبراير 2026 الساعة
09:47ص
الكاتب
وأنا أقرأ سورة البقرة في أول يوم من شهر رمضان، لم أتوقف عند طولها كما يفعل كثيرون، ولم أشعر أن كثرة أحكامها تفرّق موضوعاتها. بل على العكس، شعرت أنها لا تبني تشريعات فقط، بل تبني الإنسان من الداخل قبل أن تبني المجتمع من الخارج. لا أدّعي تفسيرًا جديدًا، لكنني قرأتها هذه المرة بعين نفسية. وأثارني كيف تبدأ السورة بتقسيم البشر إلى مؤمنين، كافرين، منافقين. لم أره تصنيفًا اجتماعيًا بقدر ما رأيته توصيفًا لحالات داخلية. المنافق ليس مجرد موقف سياسي أو ديني، بل إنسان يعيش انقسامًا بين ما يعلن وما يضمر. هذا الانقسام، الذي يسميه علم النفس الحديث التنافر المعرفي ، بدا لي قريبًا جدًا من واقع نعيشه حين نقول شيئًا ونخفي شيئًا آخر خوفًا أو ارتباكًا أو مصلحة. ثم توقفت عند قصة آدم.
﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾
لم أرها قصة عن أول خطأ في التاريخ، بل عن أول طريق للعودة. أثارني أن السقوط لم يتحول إلى هوية دائمة، بل إلى توبة. في علم النفس يُسمّى هذا بالمرونة النفسية: أن تخطئ دون أن تنهار، وأن تعود دون أن تفقد كرامتك الداخلية. وجعلني هذا أتساءل، ونحن نعيش واقعًا مثقلًا بالأخطاء السياسية والانقسامات والقرارات الثقيلة في غزة: هل نملك شجاعة المراجعة؟ أم يتحول الخطأ عندنا إلى عناد طويل؟
ثم عدت إلى قصة البقرة. لا أريد أن أفسر الآيات، لكنني رأيت نمطًا نفسيًا واضحًا: تكليف بسيط يتحول إلى جدل طويل. كثرة أسئلة لا بدافع الفهم، بل بدافع التأجيل. علم النفس يسمي هذا التحليل المفرط الذي يعطل الفعل . وأثارني كم يبدو هذا قريبًا من واقع نعيشه ، حيث نغرق أحيانًا في التحليل والاتهام والتخوين، بينما القرار المؤلم يتأجل. هل نستخدم التفكير أحيانًا للهروب من المواجهة؟
ومن أعمق اللحظات التي أربكتني قولهم:
﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾
لا أدّعي فهمًا نهائيًا، لكنني رأيت في هذه الجملة حالة نفسية مألوفة: حين يتراكم الألم، يبدأ القلب ببناء طبقة حماية. في علم النفس يُسمّى هذا بالتحصين المعرفي، أو التبلّد الانفعالي. وفي غزة، بعد سنوات من الحصار والحروب والخسارات، من الطبيعي أن تتشكل هذه الطبقات. لكنني أتساءل: متى يتحول الدفاع عن الخطأ إلى إغلاق في العقل؟ ومتى يصبح الألم عذرًا لعدم التغيير؟ ثم وصلت إلى المشهد الذي شعرت أنه يمسّ أعصاب الإنسان كلها:
﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾
شعر الصحابة بثقل حقيقي. خافوا. لم يُخفوا ارتباكهم. لكنهم لم يدخلوا في جدل طويل. قالوا:
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾
هذه الجملة هذا اليوم لم أفهمها كطاعة عمياء، بل كقرار نفسي بعدم الانهيار تحت الضغط. علم النفس الحديث يتحدث عن القبول الواعي كطريق لتخفيف القلق. حين يتوقف الإنسان عن الصراع الداخلي المستمر، يخف العبء. وهنا رأيت التقاءً بين الروح والعلم: الطاعة الصادقة لا تضاعف الحمل، بل تفتح باب الطمأنينة. سورة البقرة لا تكتفي بتشخيص النفس، بل ترسم لها مسارًا عمليًا: صلاة، صيام، إنفاق، عدل، معاملات. وكأنها تقول إن التزكية ليست شعورًا عابرًا، بل نظام حياة يعيد تشكيل النفس تدريجيًا.
لا أزعم أن في السورة نظريات نفسية مكتوبة بمصطلحات حديثة. القرآن ليس كتاب تجارب مخبرية. لكنني رأيت بوضوح أن فيه فهمًا عميقًا لطبيعة الإنسان يتقاطع مع ما كشفه العلم بعد قرون.
وفي واقع غزة اليوم، لا تبدو المعركة سياسية أو عسكرية فقط. هي أيضًا معركة نفس. هل نتحول تحت الضغط إلى نسخة أقسى وأكثر انغلاقًا؟ أم نخرج أنضج رغم الألم؟ هل يسمح لنا هذا الابتلاء الطويل أن نفقد اتزاننا الداخلي؟ أم يعيد تشكيلنا؟ سورة البقرة لم تعطِني إجابات سياسية، لكنها وضعت أمامي مرآة. عرضت نماذج مختلفة، ثم تركت السؤال مفتوحًا: أي أنفس سنكون حين يشتدّ الابتلاء؟
أنفس تبرر؟ ، أم أنفس تتوب ؟ أم أنفس تجادل وتعاند؟
أم نفس تسلّم دون أن تفقد وعيها؟
ربما لهذا تبدو السورة طويلة. ليست لأن موضوعاتها متفرقة،
بل لأنها تعيد تشكيل الإنسان طبقة بعد طبقة، حتى يصبح قادرًا على حمل الأمانة…حتى في زمن غزة.
بي دي ان |
19 فبراير 2026 الساعة 09:47ص
﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾
لم أرها قصة عن أول خطأ في التاريخ، بل عن أول طريق للعودة. أثارني أن السقوط لم يتحول إلى هوية دائمة، بل إلى توبة. في علم النفس يُسمّى هذا بالمرونة النفسية: أن تخطئ دون أن تنهار، وأن تعود دون أن تفقد كرامتك الداخلية. وجعلني هذا أتساءل، ونحن نعيش واقعًا مثقلًا بالأخطاء السياسية والانقسامات والقرارات الثقيلة في غزة: هل نملك شجاعة المراجعة؟ أم يتحول الخطأ عندنا إلى عناد طويل؟
ثم عدت إلى قصة البقرة. لا أريد أن أفسر الآيات، لكنني رأيت نمطًا نفسيًا واضحًا: تكليف بسيط يتحول إلى جدل طويل. كثرة أسئلة لا بدافع الفهم، بل بدافع التأجيل. علم النفس يسمي هذا التحليل المفرط الذي يعطل الفعل . وأثارني كم يبدو هذا قريبًا من واقع نعيشه ، حيث نغرق أحيانًا في التحليل والاتهام والتخوين، بينما القرار المؤلم يتأجل. هل نستخدم التفكير أحيانًا للهروب من المواجهة؟
ومن أعمق اللحظات التي أربكتني قولهم:
﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾
لا أدّعي فهمًا نهائيًا، لكنني رأيت في هذه الجملة حالة نفسية مألوفة: حين يتراكم الألم، يبدأ القلب ببناء طبقة حماية. في علم النفس يُسمّى هذا بالتحصين المعرفي، أو التبلّد الانفعالي. وفي غزة، بعد سنوات من الحصار والحروب والخسارات، من الطبيعي أن تتشكل هذه الطبقات. لكنني أتساءل: متى يتحول الدفاع عن الخطأ إلى إغلاق في العقل؟ ومتى يصبح الألم عذرًا لعدم التغيير؟ ثم وصلت إلى المشهد الذي شعرت أنه يمسّ أعصاب الإنسان كلها:
﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾
شعر الصحابة بثقل حقيقي. خافوا. لم يُخفوا ارتباكهم. لكنهم لم يدخلوا في جدل طويل. قالوا:
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾
هذه الجملة هذا اليوم لم أفهمها كطاعة عمياء، بل كقرار نفسي بعدم الانهيار تحت الضغط. علم النفس الحديث يتحدث عن القبول الواعي كطريق لتخفيف القلق. حين يتوقف الإنسان عن الصراع الداخلي المستمر، يخف العبء. وهنا رأيت التقاءً بين الروح والعلم: الطاعة الصادقة لا تضاعف الحمل، بل تفتح باب الطمأنينة. سورة البقرة لا تكتفي بتشخيص النفس، بل ترسم لها مسارًا عمليًا: صلاة، صيام، إنفاق، عدل، معاملات. وكأنها تقول إن التزكية ليست شعورًا عابرًا، بل نظام حياة يعيد تشكيل النفس تدريجيًا.
لا أزعم أن في السورة نظريات نفسية مكتوبة بمصطلحات حديثة. القرآن ليس كتاب تجارب مخبرية. لكنني رأيت بوضوح أن فيه فهمًا عميقًا لطبيعة الإنسان يتقاطع مع ما كشفه العلم بعد قرون.
وفي واقع غزة اليوم، لا تبدو المعركة سياسية أو عسكرية فقط. هي أيضًا معركة نفس. هل نتحول تحت الضغط إلى نسخة أقسى وأكثر انغلاقًا؟ أم نخرج أنضج رغم الألم؟ هل يسمح لنا هذا الابتلاء الطويل أن نفقد اتزاننا الداخلي؟ أم يعيد تشكيلنا؟ سورة البقرة لم تعطِني إجابات سياسية، لكنها وضعت أمامي مرآة. عرضت نماذج مختلفة، ثم تركت السؤال مفتوحًا: أي أنفس سنكون حين يشتدّ الابتلاء؟
أنفس تبرر؟ ، أم أنفس تتوب ؟ أم أنفس تجادل وتعاند؟
أم نفس تسلّم دون أن تفقد وعيها؟
ربما لهذا تبدو السورة طويلة. ليست لأن موضوعاتها متفرقة،
بل لأنها تعيد تشكيل الإنسان طبقة بعد طبقة، حتى يصبح قادرًا على حمل الأمانة…حتى في زمن غزة.