إعادة تعريف الدور السياسي لحماس في غزة ضمن المقاربة الأميركية لما بعد الحرب
بي دي ان |
01 فبراير 2026 الساعة
07:31م
الكاتب
في أعقاب الحروب الكبرى، نادراً ما تتجسّد التحولات السياسية العميقة في التصريحات أو البيانات الصحافية، بقدر ما تظهر في التغيّر التدريجي للغة السياسية، وفيما يُتداول داخل الغرف المغلقة، وفي الطريقة التي يُعاد بها توصيف الفاعلين على الأرض. وينطبق هذا المنطق بدقة على المشهد القائم في قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب. فغزة الفلسطينية لم تعد كما كانت قبل السابع من أكتوبر 2023، كما أن حركة حماس لم تعد تُقارَب، في النقاشات الأميركية، بوصفها مجرد فاعل عسكري خارج عن النظام السياسي، بل بات يُتعامل معها، ولو بحذر، كطرف لا يمكن شطبه من معادلة اليوم التالي. ومنذ قبول وتوقيع مبادرة الرئيس ترامب، والدخول في وقف إطلاق النار بتاريخ 10 أكتوبر 2025، بدأت ملامح مقاربة جديدة تتشكّل تدريجياً، تتجاوز منطق التهدئة المؤقتة نحو إعادة تنظيم المشهد السياسي والاقتصادي والأمني في القطاع.
في هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح تقنياً أو أمنياً بحتاً، بل أصبح سياسياً بامتياز: هل المطلوب من حركة حماس نزع سلاحها كشرط نهائي، أم إعادة تعريف دورها داخل منظومة حكم جديدة قيد التشكّل؟ فالمبادرة الأميركية، في صيغتها المعلنة، والتي وافقت عليها الأطراف المعنية ووقّعها الوسطاء الضامنون في شرم الشيخ يوم 13 أكتوبر 2025، نصّت بوضوح على نزع سلاح حماس والفصائل المقاتلة، وهو ما جرى تكريسه لاحقاً في القرار الأممي رقم 2803، حيث قُدّم نزع السلاح بوصفه شرطاً غير قابل للتفاوض، ومدخلاً لأي ترتيب سياسي في غزة. غير أن هذا الطرح لم ينبع من نقاش فلسطيني داخلي، بل صيغ في سياق إقليمي ودولي أوسع، يستند إلى اعتبارات أمنية واقتصادية واستراتيجية.
إلا أن الوقائع التي فرضتها الحرب، والتعقيدات المرتبطة بملف الأسرى، أعادت رسم حدود الممكن السياسي. ففي أعقاب اللقاء الذي جمع الرئيس ترامب برئيس وزراء الاحتلال نتلر في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا، يوم 29 ديسمبر 2025، صرّح ترامب بأن حركة حماس ستُمنح فترة قصيرة لنزع سلاحها، محذّراً من عواقب وخيمة في حال عدم الامتثال. غير أن التحوّل الأكثر دلالة لم يكن في نبرة التهديد بحد ذاتها، بل في اللغة التي استُخدمت لاحقاً. فعقب استكمال إجراءات العثور على جثمان الأسير الإسرائيلي ران غويلي يوم 25 يناير 2026، خرج ترامب بتصريح قال فيه إن حماس بذلت جهداً كبيراً وساعدت في استعادة الأسرى. هذا التصريح لا يمكن اعتباره تفصيلاً عابراً، بل يعكس تغيّراً ملموساً في توصيف الفاعل نفسه داخل الخطاب السياسي الأميركي.
فالاعتراف بدور حماس، ولو جزئياً ومحدوداً، يُعدّ إقراراً بقدرتها على التأثير، وبأن تجاوزها لم يعد خياراً عملياً في أي ترتيبات تتعلق بمستقبل غزة، شرط إعادة صياغة دورها وشكل حضورها السياسي. ومن هذا المنطلق، فإن الافتراض القائل بإمكانية تسليم الحركة لسلاحها من دون مقابل سياسي حقيقي يفتقر إلى الدقة التحليلية، لأنه يتجاهل طبيعة الحركة وتجربتها التاريخية. فالسلاح، في منظور حماس، لم يكن يوماً غاية مستقلة، بل أداة سياسية مكّنتها من فرض نفسها لاعباً مركزياً في الساحة الفلسطينية. والمقابل الذي تسعى إليه الحركة لا يتمثل في مكاسب إجرائية أو مادية فحسب، بل يتمحور أساساً حول الاعتراف بالدور: دور في الحكم، ودور في صناعة القرار، ودور في المساهمة في رسم مستقبل القطاع. ويأتي ذلك ضمن تصورات أميركية متداولة حول كيان ذاتي إبراهيمي طويل الأمد، بصيغة وظيفية منقوصة السيادة. وفي هذا الإطار، يكتسب طرح دمج آلاف من عناصر الحركة في جهاز الشرطة المدنية، إلى جانب دمج الموظفين المدنيين في مختلف الأجهزة الخدمية تحت إشراف لجنة تكنوقراط محلية، دلالة سياسية خاصة. فهذا الترتيب يندرج ضمن برامج نزع السلاح، والتسريح، وإعادة الدمج المعروفة دولياً (DDR)، ولا يعكس تخلياً عن النفوذ بقدر ما يشير إلى إعادة تموضع محسوبة داخل بنية شرعية جديدة. وبهذا المعنى، تتشكّل معادلة مركّبة تجمع بين الخروج الآمن من نموذج الحكم المنفرد والمحاصر، والبقاء الآمن ضمن صيغة شراكة سياسية أوسع، تُخفّف عن الحركة أعباء الإدارة المباشرة، وتمنحها في الوقت ذاته موقعاً مؤثراً داخل منظومة الحكم الجديدة. واللافت في هذه المرحلة ليس مضمون النقاشات فحسب، بل طبيعتها أيضاً؛ إذ إن ما كان يُدار سابقاً عبر وسطاء وبعيداً عن العلن بات يتجه نحو قدر أكبر من المكاشفة السياسية.
وفي هذا السياق، يكتسب تصريح خالد مشعل لمنصة دروب سايت الأميركية في ديسمبر 2025 دلالة خاصة، حين تساءل عن سبب تعامل الإدارة الأميركية مع الرئيس السوري أحمد الشرع وامتناعها عن التعامل مع حماس، معتبراً أن الانخراط معها يمثل مصلحة مستقبلية. ولم يكن هذا التصريح زلة خطابية، بل رسالة سياسية محسوبة بدقة، تعكس سعي الحركة للانتقال من خانة التنظيم المعزول إلى خانة الفاعل السياسي القابل للتفاوض. وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في شراكة مركّبة تتوزع فيها الأدوار بين لجنة تكنوقراط خدمية، مرجعيتها الهيئة التنفيذية لمجلس السلام، وهيئة منتخبة مستقبلاً تشارك فيها القوى السياسية المختلفة في صنع القرار وتحمل المسؤولية. هذه الصيغة تُبقي حماس لاعباً حاضراً لا يمكن تجاوزه، وتمنح الأطراف الدولية هامشاً لتسويق ترتيبات ما بعد الحرب ضمن خطاب الاستقرار وإعادة الإعمار وفق المصالح الأمريكية.
في الخلاصة، لا يكمن التحوّل الحقيقي في السلاح بحد ذاته، بل في الدور. فالجدل الدائر حول نزع سلاح حماس يخفي، في جوهره، نقاشاً أعمق يتعلق بسؤال الحكم: من يحكم غزة، وكيف، وبأي شرعية؟ السلاح هنا أداة تفاوض، أما القضية المركزية فهي إعادة هندسة نظام سياسي منقوص السيادة في قطاع غزة، في إطار ترتيبات ارتباط حر"COFA" طويلة الأمد. وتشير المؤشرات الراهنة إلى أن الشراكة المشروطة، لا الإقصاء الكامل، هي الخيار الذي يتقدّم حتى الآن على سائر البدائل، بانتظار اختبار التنفيذ على أرض الواقع.
سامحونا؛؛؛
جمال أبوغليون
[email protected]
30/1/2026
بي دي ان |
01 فبراير 2026 الساعة 07:31م
في هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح تقنياً أو أمنياً بحتاً، بل أصبح سياسياً بامتياز: هل المطلوب من حركة حماس نزع سلاحها كشرط نهائي، أم إعادة تعريف دورها داخل منظومة حكم جديدة قيد التشكّل؟ فالمبادرة الأميركية، في صيغتها المعلنة، والتي وافقت عليها الأطراف المعنية ووقّعها الوسطاء الضامنون في شرم الشيخ يوم 13 أكتوبر 2025، نصّت بوضوح على نزع سلاح حماس والفصائل المقاتلة، وهو ما جرى تكريسه لاحقاً في القرار الأممي رقم 2803، حيث قُدّم نزع السلاح بوصفه شرطاً غير قابل للتفاوض، ومدخلاً لأي ترتيب سياسي في غزة. غير أن هذا الطرح لم ينبع من نقاش فلسطيني داخلي، بل صيغ في سياق إقليمي ودولي أوسع، يستند إلى اعتبارات أمنية واقتصادية واستراتيجية.
إلا أن الوقائع التي فرضتها الحرب، والتعقيدات المرتبطة بملف الأسرى، أعادت رسم حدود الممكن السياسي. ففي أعقاب اللقاء الذي جمع الرئيس ترامب برئيس وزراء الاحتلال نتلر في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا، يوم 29 ديسمبر 2025، صرّح ترامب بأن حركة حماس ستُمنح فترة قصيرة لنزع سلاحها، محذّراً من عواقب وخيمة في حال عدم الامتثال. غير أن التحوّل الأكثر دلالة لم يكن في نبرة التهديد بحد ذاتها، بل في اللغة التي استُخدمت لاحقاً. فعقب استكمال إجراءات العثور على جثمان الأسير الإسرائيلي ران غويلي يوم 25 يناير 2026، خرج ترامب بتصريح قال فيه إن حماس بذلت جهداً كبيراً وساعدت في استعادة الأسرى. هذا التصريح لا يمكن اعتباره تفصيلاً عابراً، بل يعكس تغيّراً ملموساً في توصيف الفاعل نفسه داخل الخطاب السياسي الأميركي.
فالاعتراف بدور حماس، ولو جزئياً ومحدوداً، يُعدّ إقراراً بقدرتها على التأثير، وبأن تجاوزها لم يعد خياراً عملياً في أي ترتيبات تتعلق بمستقبل غزة، شرط إعادة صياغة دورها وشكل حضورها السياسي. ومن هذا المنطلق، فإن الافتراض القائل بإمكانية تسليم الحركة لسلاحها من دون مقابل سياسي حقيقي يفتقر إلى الدقة التحليلية، لأنه يتجاهل طبيعة الحركة وتجربتها التاريخية. فالسلاح، في منظور حماس، لم يكن يوماً غاية مستقلة، بل أداة سياسية مكّنتها من فرض نفسها لاعباً مركزياً في الساحة الفلسطينية. والمقابل الذي تسعى إليه الحركة لا يتمثل في مكاسب إجرائية أو مادية فحسب، بل يتمحور أساساً حول الاعتراف بالدور: دور في الحكم، ودور في صناعة القرار، ودور في المساهمة في رسم مستقبل القطاع. ويأتي ذلك ضمن تصورات أميركية متداولة حول كيان ذاتي إبراهيمي طويل الأمد، بصيغة وظيفية منقوصة السيادة. وفي هذا الإطار، يكتسب طرح دمج آلاف من عناصر الحركة في جهاز الشرطة المدنية، إلى جانب دمج الموظفين المدنيين في مختلف الأجهزة الخدمية تحت إشراف لجنة تكنوقراط محلية، دلالة سياسية خاصة. فهذا الترتيب يندرج ضمن برامج نزع السلاح، والتسريح، وإعادة الدمج المعروفة دولياً (DDR)، ولا يعكس تخلياً عن النفوذ بقدر ما يشير إلى إعادة تموضع محسوبة داخل بنية شرعية جديدة. وبهذا المعنى، تتشكّل معادلة مركّبة تجمع بين الخروج الآمن من نموذج الحكم المنفرد والمحاصر، والبقاء الآمن ضمن صيغة شراكة سياسية أوسع، تُخفّف عن الحركة أعباء الإدارة المباشرة، وتمنحها في الوقت ذاته موقعاً مؤثراً داخل منظومة الحكم الجديدة. واللافت في هذه المرحلة ليس مضمون النقاشات فحسب، بل طبيعتها أيضاً؛ إذ إن ما كان يُدار سابقاً عبر وسطاء وبعيداً عن العلن بات يتجه نحو قدر أكبر من المكاشفة السياسية.
وفي هذا السياق، يكتسب تصريح خالد مشعل لمنصة دروب سايت الأميركية في ديسمبر 2025 دلالة خاصة، حين تساءل عن سبب تعامل الإدارة الأميركية مع الرئيس السوري أحمد الشرع وامتناعها عن التعامل مع حماس، معتبراً أن الانخراط معها يمثل مصلحة مستقبلية. ولم يكن هذا التصريح زلة خطابية، بل رسالة سياسية محسوبة بدقة، تعكس سعي الحركة للانتقال من خانة التنظيم المعزول إلى خانة الفاعل السياسي القابل للتفاوض. وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في شراكة مركّبة تتوزع فيها الأدوار بين لجنة تكنوقراط خدمية، مرجعيتها الهيئة التنفيذية لمجلس السلام، وهيئة منتخبة مستقبلاً تشارك فيها القوى السياسية المختلفة في صنع القرار وتحمل المسؤولية. هذه الصيغة تُبقي حماس لاعباً حاضراً لا يمكن تجاوزه، وتمنح الأطراف الدولية هامشاً لتسويق ترتيبات ما بعد الحرب ضمن خطاب الاستقرار وإعادة الإعمار وفق المصالح الأمريكية.
في الخلاصة، لا يكمن التحوّل الحقيقي في السلاح بحد ذاته، بل في الدور. فالجدل الدائر حول نزع سلاح حماس يخفي، في جوهره، نقاشاً أعمق يتعلق بسؤال الحكم: من يحكم غزة، وكيف، وبأي شرعية؟ السلاح هنا أداة تفاوض، أما القضية المركزية فهي إعادة هندسة نظام سياسي منقوص السيادة في قطاع غزة، في إطار ترتيبات ارتباط حر"COFA" طويلة الأمد. وتشير المؤشرات الراهنة إلى أن الشراكة المشروطة، لا الإقصاء الكامل، هي الخيار الذي يتقدّم حتى الآن على سائر البدائل، بانتظار اختبار التنفيذ على أرض الواقع.
سامحونا؛؛؛
جمال أبوغليون
[email protected]
30/1/2026