ولاية الفقيه والحرب المحتملة قراءة تاريخية في خطاب ما قبل العاصفة
بي دي ان |
30 يناير 2026 الساعة
12:31ص
الكاتب
ما تشهده المنطقة اليوم من تصعيد في الخطاب الإيراني ومحوره لا يمكن فهمه باعتباره تهديدًا عسكريًا عابرًا، بل بوصفه تحولًا نوعيًا في طبيعة التبرير السياسي، حيث جرى استدعاء مفهوم ولاية الفقيه كمرجعية عليا لقرار الحرب والسلم.
تاريخيًا، لم تكن ولاية الفقيه في الفقه الشيعي الاثني عشري تعني قيادة سياسية أو عسكرية شاملة، بل كانت ولاية محدودة لإدارة شؤون المجتمع في زمن غيبة الإمام المعصوم. هذا ما استقر عليه الفقه الشيعي قرونًا طويلة، خاصة في مدارس كبرى كمدرسة النجف.
التحوّل الجذري وقع مع الثورة الإيرانية عام 1979، حين أُعيد تعريف الولاية لتصبح نظرية حكم وسيادة مطلقة، ومن ثم تحوّلت تدريجيًا من اجتهاد فقهي قابل للنقاش إلى مرجعية سياسية ذات بعد عقدي مقدّس.
عندما يُقدَّم المرشد الأعلى اليوم بوصفه نائب الإمام الغائب وقائد المسلمين، فإن الصراع ينتقل من مستوى السياسة إلى مستوى الشرعية المقدسة، حيث يصبح أي استهداف لإيران استهدافًا للعقيدة نفسها، لا للدولة فقط. وهنا تكمن خطورة الخطاب.
هذا الاستدعاء للعقيدة لا يستهدف الولايات المتحدة أو إسرائيل بقدر ما يستهدف:
ضبط الجبهة الداخلية لمحور إيران،
تبرير وحدة الساحات،
وتحويل أي حرب محتملة إلى “تكليف شرعي” لا خيار سياسي.
لكن هذا الخطاب لا يمثل عموم الشيعة، ولا يحظى بإجماع فقهي، بل ترفضه مدارس شيعية واسعة ترى أن الشرعية السياسية تستمد من الأمة لا من النيابة عن الإمام المعصوم.
سياسيًا، نحن أمام تهيئة أيديولوجية مسبقة أكثر من إعلان حرب مباشر. إنها محاولة لرفع كلفة أي مواجهة محتملة وجعلها غير قابلة للاحتواء، لا سيما عبر تصويرها كحرب شاملة إن بدأت.
التاريخ يعلّمنا أن أخطر الحروب ليست تلك التي تبدأ بالسلاح، بل التي تبدأ بتقديس القرار السياسي. وحين تُلبس الحرب ثوب العقيدة، تصبح أطول، أعنف، وأصعب في الإيقاف.
لذلك، فإن ما نراه اليوم ليس بالضرورة بداية حرب إقليمية أو عالمية، لكنه بلا شك مقدمة خطرة تُنذر بأن أي خطأ في الحسابات قد يدفع المنطقة إلى منعطف تاريخي شديد الكلفة، لا على مستوى السياسة فقط، بل على مستوى المجتمعات ومستقبل الإقليم كله.
• رئيس مركز التاريخ الشفوي والتراث الفلسطيني بالجامعة الإسلامية بغزة - فلسطين
بي دي ان |
30 يناير 2026 الساعة 12:31ص
تاريخيًا، لم تكن ولاية الفقيه في الفقه الشيعي الاثني عشري تعني قيادة سياسية أو عسكرية شاملة، بل كانت ولاية محدودة لإدارة شؤون المجتمع في زمن غيبة الإمام المعصوم. هذا ما استقر عليه الفقه الشيعي قرونًا طويلة، خاصة في مدارس كبرى كمدرسة النجف.
التحوّل الجذري وقع مع الثورة الإيرانية عام 1979، حين أُعيد تعريف الولاية لتصبح نظرية حكم وسيادة مطلقة، ومن ثم تحوّلت تدريجيًا من اجتهاد فقهي قابل للنقاش إلى مرجعية سياسية ذات بعد عقدي مقدّس.
عندما يُقدَّم المرشد الأعلى اليوم بوصفه نائب الإمام الغائب وقائد المسلمين، فإن الصراع ينتقل من مستوى السياسة إلى مستوى الشرعية المقدسة، حيث يصبح أي استهداف لإيران استهدافًا للعقيدة نفسها، لا للدولة فقط. وهنا تكمن خطورة الخطاب.
هذا الاستدعاء للعقيدة لا يستهدف الولايات المتحدة أو إسرائيل بقدر ما يستهدف:
ضبط الجبهة الداخلية لمحور إيران،
تبرير وحدة الساحات،
وتحويل أي حرب محتملة إلى “تكليف شرعي” لا خيار سياسي.
لكن هذا الخطاب لا يمثل عموم الشيعة، ولا يحظى بإجماع فقهي، بل ترفضه مدارس شيعية واسعة ترى أن الشرعية السياسية تستمد من الأمة لا من النيابة عن الإمام المعصوم.
سياسيًا، نحن أمام تهيئة أيديولوجية مسبقة أكثر من إعلان حرب مباشر. إنها محاولة لرفع كلفة أي مواجهة محتملة وجعلها غير قابلة للاحتواء، لا سيما عبر تصويرها كحرب شاملة إن بدأت.
التاريخ يعلّمنا أن أخطر الحروب ليست تلك التي تبدأ بالسلاح، بل التي تبدأ بتقديس القرار السياسي. وحين تُلبس الحرب ثوب العقيدة، تصبح أطول، أعنف، وأصعب في الإيقاف.
لذلك، فإن ما نراه اليوم ليس بالضرورة بداية حرب إقليمية أو عالمية، لكنه بلا شك مقدمة خطرة تُنذر بأن أي خطأ في الحسابات قد يدفع المنطقة إلى منعطف تاريخي شديد الكلفة، لا على مستوى السياسة فقط، بل على مستوى المجتمعات ومستقبل الإقليم كله.
• رئيس مركز التاريخ الشفوي والتراث الفلسطيني بالجامعة الإسلامية بغزة - فلسطين