هكذا تُغتال الحقيقة مرتين!
بي دي ان |
27 يناير 2026 الساعة
06:34م
الكاتب
أبدع محللو الوهم، سحرة الشاشات وبهلوانات الخراب، في صناعة مسرح كامل من الأكاذيب اللامعة، وكان للفضائيات ـ وعلى رأسها الجزيرة ـ النصيب الأوفر من هذا العرض الدموي. يظهرون صباحًا ومساءً بوجوه مصقولة، وربطات عنق أنيقة، وأصوات واثقة، يبيعون الوهم كما يُباع الدواء الفاسد، ويقدّمون الإبادة في قالب “تحليل استراتيجي”، ويحوّلون المجازر إلى “تحولات ميدانية”، والدماء إلى “رسائل سياسية”.
لم يكونوا ناقلين للحدث، بل شركاء في الجريمة، يطبّلون للقتل من خلف شاشات زجاجية باردة، وينفخون في عدد الضحايا لا حزنًا عليهم، بل فخرًا بهم، كأن الجثث أرقام في نشرة، وكأن الأطفال وقود خطاب، وكأن البيوت المهدّمة ديكور ضروري لخطاب الحماسة. يبررون أفعال العدو بوقاحة المحلل المحايد زيفًا، ويمنحون القاتل مساحة “لفهم دوافعه”، بينما يُطالب الضحية بالصبر، بالصمود، وبالموت الأنيق كي لا يفسد الرواية.
عبارات بهلوانية تتطاير من أفواههم: “ثمن لا بد منه”، “معركة مصيرية”، “الدم يصنع التاريخ”، كلمات ملساء تُدغدغ عواطف الجموع، لا لتوقظ ضمائرهم، بل لتنوّمها. جموع القطيع حول العالم، أولئك الذين يختبئون خلف عجزهم وتخاذلهم، وجدوا في هذه الشعارات ملاذًا أخلاقيًا رخيصًا؛ يصرخون من خلف الشاشات، يرفعون القبضات الافتراضية، ويهللون لشلال الدم، ثم ينامون قريري العين، وقد أدّوا “واجبهم القومي” بإعادة تغريدة أو هتاف إلكتروني.
أما الحقيقة، فكانت تُدفن تحت طبقات التحليل، تُسحق بين خرائط افتراضية وأسهم ملونة، وتُختصر معاناة البشر في جملة عابرة: “الوضع الإنساني صعب”. صعب؟ هكذا ببساطة؟ كأن الجوع تفصيل، وكأن الرعب اليومي هامش، وكأن الأمهات اللاتي يبحثن عن بقايا أولادهن تحت الركام مجرد صورة مؤثرة تُعرض بين فاصلين إعلانيين.
هؤلاء لم يكونوا صوت الشعوب، بل صوت الوهم حين يرتدي ثوب الحكمة. لم يدافعوا عن المظلوم، بل استثمروا فيه. حوّلوا الألم إلى مادة استهلاكية، والدم إلى رأسمال معنوي، والموت إلى خطاب تعبوي طويل الأمد. وحين يُسأل أحدهم عن البديل، عن إنقاذ الإنسان، عن وقف النزيف، يلوذ بالشعارات الكبرى، ويهرب إلى السماء، أو إلى التاريخ، أو إلى “سياق أوسع”، أي مكان بعيد عن الطفل الذي يموت الآن.
في هذا المسرح، صار القتل بطولة، والدم وسامًا، والخراب ضرورة، وصار من يجرؤ على السؤال أو الاعتراض خائنًا أو ضعيف الإيمان أو مهزوم الروح. هكذا تُغتال الحقيقة مرتين: مرة بالصاروخ، ومرة بالكلمة. وهكذا يكتمل المشهد: عدو يقتل بلا رحمة، وإعلام يبرر، ومحللون يهللون، وجموع تصفق… والإنسان، وحده، يدفع الفاتورة كاملة.
بي دي ان |
27 يناير 2026 الساعة 06:34م
لم يكونوا ناقلين للحدث، بل شركاء في الجريمة، يطبّلون للقتل من خلف شاشات زجاجية باردة، وينفخون في عدد الضحايا لا حزنًا عليهم، بل فخرًا بهم، كأن الجثث أرقام في نشرة، وكأن الأطفال وقود خطاب، وكأن البيوت المهدّمة ديكور ضروري لخطاب الحماسة. يبررون أفعال العدو بوقاحة المحلل المحايد زيفًا، ويمنحون القاتل مساحة “لفهم دوافعه”، بينما يُطالب الضحية بالصبر، بالصمود، وبالموت الأنيق كي لا يفسد الرواية.
عبارات بهلوانية تتطاير من أفواههم: “ثمن لا بد منه”، “معركة مصيرية”، “الدم يصنع التاريخ”، كلمات ملساء تُدغدغ عواطف الجموع، لا لتوقظ ضمائرهم، بل لتنوّمها. جموع القطيع حول العالم، أولئك الذين يختبئون خلف عجزهم وتخاذلهم، وجدوا في هذه الشعارات ملاذًا أخلاقيًا رخيصًا؛ يصرخون من خلف الشاشات، يرفعون القبضات الافتراضية، ويهللون لشلال الدم، ثم ينامون قريري العين، وقد أدّوا “واجبهم القومي” بإعادة تغريدة أو هتاف إلكتروني.
أما الحقيقة، فكانت تُدفن تحت طبقات التحليل، تُسحق بين خرائط افتراضية وأسهم ملونة، وتُختصر معاناة البشر في جملة عابرة: “الوضع الإنساني صعب”. صعب؟ هكذا ببساطة؟ كأن الجوع تفصيل، وكأن الرعب اليومي هامش، وكأن الأمهات اللاتي يبحثن عن بقايا أولادهن تحت الركام مجرد صورة مؤثرة تُعرض بين فاصلين إعلانيين.
هؤلاء لم يكونوا صوت الشعوب، بل صوت الوهم حين يرتدي ثوب الحكمة. لم يدافعوا عن المظلوم، بل استثمروا فيه. حوّلوا الألم إلى مادة استهلاكية، والدم إلى رأسمال معنوي، والموت إلى خطاب تعبوي طويل الأمد. وحين يُسأل أحدهم عن البديل، عن إنقاذ الإنسان، عن وقف النزيف، يلوذ بالشعارات الكبرى، ويهرب إلى السماء، أو إلى التاريخ، أو إلى “سياق أوسع”، أي مكان بعيد عن الطفل الذي يموت الآن.
في هذا المسرح، صار القتل بطولة، والدم وسامًا، والخراب ضرورة، وصار من يجرؤ على السؤال أو الاعتراض خائنًا أو ضعيف الإيمان أو مهزوم الروح. هكذا تُغتال الحقيقة مرتين: مرة بالصاروخ، ومرة بالكلمة. وهكذا يكتمل المشهد: عدو يقتل بلا رحمة، وإعلام يبرر، ومحللون يهللون، وجموع تصفق… والإنسان، وحده، يدفع الفاتورة كاملة.