ترامب والعالم: السياسة حين تتحول إلى اختبار قوة ونفسيات
بي دي ان |
25 يناير 2026 الساعة
07:17م
الكاتب
منذ ظهوره على المسرح السياسي الدولي، لم يتصرف دونالد ترامب كرئيس أمريكي تقليدي يمكن احتواؤه داخل القواعد المألوفة للعلاقات الدولية. فهو لم ينظر إلى العالم باعتباره منظومة تحكمها القوانين والمؤسسات والتوازنات، بل ساحة مفتوحة للمواجهة والضغط والصفقات المباشرة. في هذا الفضاء، لا مكان للحياد، ولا قيمة حقيقية للغة المجاملة إن لم تُفضِ إلى مكسب واضح، سريع، وقابل للتسجيل في رصيده الشخصي. في لقاءاته العلنية وخطاباته أمام قادة العالم، ولا سيما في منتدى دافوس الاقتصادي يوم 21 يناير 2026، بدا ترامب حاداً وصدامياً، وأحياناً فظاً إلى حد الإهانة. لم يتردد في توبيخ قادة أوروبيين، والتقليل من شأن الاتحاد الأوروبي، والتعامل مع القارة العجوز بوصفها كياناً مرهقاً، عاجزاً عن حماية نفسه دون المظلة الأمريكية. رفض الاستماع إلى نقاشات مطولة حول القانون الدولي أو سيادة الدول أو النظام العالمي القائم على القواعد، معتبراً أن هذا الخطاب الأخلاقي لا يواكب منطق القوة، ويُقيّد قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها وتحقيق مصالحها. وهو الموقف ذاته الذي أعاد التأكيد عليه في خطاب تدشين ما سُمّي بمجلس السلام في 22 يناير 2026، على هامش المنتدى.
غير أن هذه الصورة، على حدّتها، لا تعكس المشهد كاملاً. فالرجل نفسه، الذي تعامل مع أوروبا بلغة قاسية، أظهر وداً واضحاً واحتراماً محسوباً في تعاطيه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وكذلك مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. هذا التباين لا يمكن تفسيره بوصفه مزاجية عابرة، بل يعكس نمطاً سياسيًا ونفسيًا متماسكًا، يمكن توصيفه بما يشبه بالدبلوماسية الترامبية المعكوسة. جوهر هذا النمط يقوم على قلب ترتيب الأدوات التقليدية؛ إذ لا يبدأ بسؤال أو تفاوض، بل بإعلان النتيجة سلفاً. يتحدث ترامب عمّا ينبغي أن يحدث وكأنه أمر محسوم، ما يضع الطرف المقابل أمام واقع نفسي وسياسي ضاغط. عند هذه النقطة، لا يعود النقاش منصبّاً على القبول أو الرفض، بل يتحول إلى إدارة الخسائر وإعادة صياغة المخرجات بما يحفظ الحد الأدنى من المصالح الممكنة. العنصر الثاني في هذا النهج هو التصعيد قبل الحوار. التهديد، والعقوبات، واللغة الخشنة ليست أدوات طارئة، بل مرحلة افتتاحية. بعد أن يبلغ الضغط ذروته، يُفتح باب التفاوض من موقع تفوق واضح. بهذا المعنى، لا يرى ترامب التفاوض عملية تبادل متكافئ، بل آلية لانتزاع القبول بعد إنهاك الطرف الآخر سياسيًا ونفسيًا.
أما العنصر الثالث، فيتعلق بنظرته إلى الدول باعتبارها وحدات تُدار بمنطق الشركات. في هذا التصور، لا قدسية للحدود، ولا وزن كبير للتاريخ أو الرمزية أو الخطاب القانوني، ما لم يتحول كل ذلك إلى أرقام وصفقات وعوائد مباشرة. السياسة هنا ليست إدارة مصالح متداخلة، بل حساب ربح وخسارة، ومن يملك أوراق القوة يفرض شروطه. العنصر الرابع يتمثل في نفوره الواضح من الدبلوماسية المؤسسية. لم يُبدِ ترامب ثقة حقيقية بوزارة الخارجية أو بالقنوات التقليدية، وفضّل الاعتماد على شبكة ضيقة من المبعوثين الشخصيين، معظمهم من خلفيات اقتصادية أو من دائرته القريبة. هذا النهج أخرج ملفات كبرى من إطارها المؤسساتي، وحوّلها إلى مسارات تفاوض شخصية، حيث تلعب الثقة والولاء دوراً أكبر من الخبرة البروتوكولية. من أبرز هؤلاء: توم باراك، المبعوث الخاص إلى سوريا ولبنان، وجاريد كوشنر، وستيف ويتكوف في ملفات غزة وأوكرانيا، إضافة إلى مسعد بولس كمستشار رئاسي للشؤون العربية والشرق أوسطية. أما العنصر الخامس، وربما الأخطر في هذه المقاربة، فهو استخدام الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما منصته تروث سوشيال، كسلاح سياسي. فاوض ترامب على الملأ، وهدد علناً، وأحرج خصومه أمام شعوبهم. لم يكن هذا الأسلوب عشوائياً، بل أداة ضغط نفسي تهدف إلى تقييد خيارات الطرف الآخر ودفعه إلى التراجع أو القبول خشية التصعيد العلني. وفي جوهر هذا النهج، يمكن استحضار مقاربة وليم أوري في التفاوض، القائمة على انتزاع نعم من الخصم دون تقديم مقابل حقيقي.
في منتدى دافوس، تجسدت هذه المقاربة بوضوح. تحدث ترامب عن غرينلاند، وحلف شمال الأطلسي، ومجلس السلام، وكأنه يخاطب إدارات تنفيذية لا دولاً ذات سيادة. قدّم نفسه باعتباره القائد الذي لا ينبغي الاعتراض عليه، ورفض أي حديث أوروبي عن الشرعية الدولية، معتبراً إياه خطاباً نظرياً لا مكان له في عالم تحكمه القوة. غير أنّ نبرته تغيّرت عندما تحدث مع الرئيس المصري، إذ لجأ إلى لغة قائمة على الإطراء والاعتراف بالدور، وأبدى استعداداً للتدخل في ملفات شديدة الحساسية، وفي مقدمتها ملف سدّ النهضة. ولم يكن هذا السلوك مجرّد مجاملة بروتوكولية عابرة، بل عكس اعترافاً ضمنياً بمكانة القاهرة بوصفها فاعلاً مركزياً في معادلات الاستقرار الإقليمي، ولا سيما في ملف غزة. ورغم أنّ مصر واجهت طروحات أمريكية وإسرائيلية تتعلق بتهجير السكان بثبات وقوة وصلابة، فإن هذا الرفض صيغ بهدوء محسوب، من دون استفزاز النزعة التنافسية لدى ترامب، مع تقديم البديل المصري على نحو يسمح بتسويقه بوصفه نجاحاً شخصياً له. وهنا يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه: ماذا يمكن أن يطلبه ترامب من مصر ثمناً لانخراطه في حل أزمة سد النهضة؟
أما في المشهد التركي، فقد تعامل ترامب مع الرئيس رجب طيب أردوغان بلغة أقل حدّة، إدراكاً لدور أنقرة في ملف غزة، سواء من حيث الضغط على حركة حماس، ولا سيما فيما يتعلق بقبول مبادرة ترامب، وتسليم الأسرى والجثث، أو في مسارات تتعلق بنزع السلاح والدمج الجزئي والتحول السياسي. وإلى جانب ذلك، برز الدور التركي المحوري في الملف السوري، حيث لم تكن التطورات الميدانية معزولة عن تفاهمات أوسع نوقشت في عواصم مؤثرة مثل باريس وأربيل. فاستحالة القضاء الكامل على قوات قسد دفعت مختلف الأطراف إلى تبنّي حلول وسط، ركّزت فيها أنقرة على منع أي امتداد جغرافي قد يفضي إلى كيان كردي متصل يصل إلى البحر المتوسط. ولم يكن الهدف إنهاء الوجود الكردي بالكامل، بل تطويقه جغرافياً وتجريده من طموحه التوسعي، وحصره في نطاق مغلق يفتقر إلى العمق الاستراتيجي وأي منفذ بحري. والخلاصة، لا يمكن فهم سلوك ترامب بوصفه فوضى محضة أو تهوراً سياسياً. نحن أمام نموذج قيادة يعتمد على الصدمة، واختبار الخصوم، وتوظيف البعد النفسي - ولا سيما الحاجة إلى الاعتراف والإنجاز - كأداة سياسية. من يفهم هذه القواعد ويتعامل معها بهدوء وبراغماتية، يستطيع التأثير في مسار القرار. أما من يواجهها بالشعارات أو الاستعراض، فغالباً ما يدفع ثمن سوء التقدير. ففي عالم ترامب، لا يكفي امتلاك الحجة الأخلاقية أو القانونية؛ الأهم هو إقناعه بأن النتيجة النهائية تُحسب له شخصياً.
سامحونا؛؛؛
جمال أبوغليون
[email protected]
24/1/2026
بي دي ان |
25 يناير 2026 الساعة 07:17م
غير أن هذه الصورة، على حدّتها، لا تعكس المشهد كاملاً. فالرجل نفسه، الذي تعامل مع أوروبا بلغة قاسية، أظهر وداً واضحاً واحتراماً محسوباً في تعاطيه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وكذلك مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. هذا التباين لا يمكن تفسيره بوصفه مزاجية عابرة، بل يعكس نمطاً سياسيًا ونفسيًا متماسكًا، يمكن توصيفه بما يشبه بالدبلوماسية الترامبية المعكوسة. جوهر هذا النمط يقوم على قلب ترتيب الأدوات التقليدية؛ إذ لا يبدأ بسؤال أو تفاوض، بل بإعلان النتيجة سلفاً. يتحدث ترامب عمّا ينبغي أن يحدث وكأنه أمر محسوم، ما يضع الطرف المقابل أمام واقع نفسي وسياسي ضاغط. عند هذه النقطة، لا يعود النقاش منصبّاً على القبول أو الرفض، بل يتحول إلى إدارة الخسائر وإعادة صياغة المخرجات بما يحفظ الحد الأدنى من المصالح الممكنة. العنصر الثاني في هذا النهج هو التصعيد قبل الحوار. التهديد، والعقوبات، واللغة الخشنة ليست أدوات طارئة، بل مرحلة افتتاحية. بعد أن يبلغ الضغط ذروته، يُفتح باب التفاوض من موقع تفوق واضح. بهذا المعنى، لا يرى ترامب التفاوض عملية تبادل متكافئ، بل آلية لانتزاع القبول بعد إنهاك الطرف الآخر سياسيًا ونفسيًا.
أما العنصر الثالث، فيتعلق بنظرته إلى الدول باعتبارها وحدات تُدار بمنطق الشركات. في هذا التصور، لا قدسية للحدود، ولا وزن كبير للتاريخ أو الرمزية أو الخطاب القانوني، ما لم يتحول كل ذلك إلى أرقام وصفقات وعوائد مباشرة. السياسة هنا ليست إدارة مصالح متداخلة، بل حساب ربح وخسارة، ومن يملك أوراق القوة يفرض شروطه. العنصر الرابع يتمثل في نفوره الواضح من الدبلوماسية المؤسسية. لم يُبدِ ترامب ثقة حقيقية بوزارة الخارجية أو بالقنوات التقليدية، وفضّل الاعتماد على شبكة ضيقة من المبعوثين الشخصيين، معظمهم من خلفيات اقتصادية أو من دائرته القريبة. هذا النهج أخرج ملفات كبرى من إطارها المؤسساتي، وحوّلها إلى مسارات تفاوض شخصية، حيث تلعب الثقة والولاء دوراً أكبر من الخبرة البروتوكولية. من أبرز هؤلاء: توم باراك، المبعوث الخاص إلى سوريا ولبنان، وجاريد كوشنر، وستيف ويتكوف في ملفات غزة وأوكرانيا، إضافة إلى مسعد بولس كمستشار رئاسي للشؤون العربية والشرق أوسطية. أما العنصر الخامس، وربما الأخطر في هذه المقاربة، فهو استخدام الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما منصته تروث سوشيال، كسلاح سياسي. فاوض ترامب على الملأ، وهدد علناً، وأحرج خصومه أمام شعوبهم. لم يكن هذا الأسلوب عشوائياً، بل أداة ضغط نفسي تهدف إلى تقييد خيارات الطرف الآخر ودفعه إلى التراجع أو القبول خشية التصعيد العلني. وفي جوهر هذا النهج، يمكن استحضار مقاربة وليم أوري في التفاوض، القائمة على انتزاع نعم من الخصم دون تقديم مقابل حقيقي.
في منتدى دافوس، تجسدت هذه المقاربة بوضوح. تحدث ترامب عن غرينلاند، وحلف شمال الأطلسي، ومجلس السلام، وكأنه يخاطب إدارات تنفيذية لا دولاً ذات سيادة. قدّم نفسه باعتباره القائد الذي لا ينبغي الاعتراض عليه، ورفض أي حديث أوروبي عن الشرعية الدولية، معتبراً إياه خطاباً نظرياً لا مكان له في عالم تحكمه القوة. غير أنّ نبرته تغيّرت عندما تحدث مع الرئيس المصري، إذ لجأ إلى لغة قائمة على الإطراء والاعتراف بالدور، وأبدى استعداداً للتدخل في ملفات شديدة الحساسية، وفي مقدمتها ملف سدّ النهضة. ولم يكن هذا السلوك مجرّد مجاملة بروتوكولية عابرة، بل عكس اعترافاً ضمنياً بمكانة القاهرة بوصفها فاعلاً مركزياً في معادلات الاستقرار الإقليمي، ولا سيما في ملف غزة. ورغم أنّ مصر واجهت طروحات أمريكية وإسرائيلية تتعلق بتهجير السكان بثبات وقوة وصلابة، فإن هذا الرفض صيغ بهدوء محسوب، من دون استفزاز النزعة التنافسية لدى ترامب، مع تقديم البديل المصري على نحو يسمح بتسويقه بوصفه نجاحاً شخصياً له. وهنا يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه: ماذا يمكن أن يطلبه ترامب من مصر ثمناً لانخراطه في حل أزمة سد النهضة؟
أما في المشهد التركي، فقد تعامل ترامب مع الرئيس رجب طيب أردوغان بلغة أقل حدّة، إدراكاً لدور أنقرة في ملف غزة، سواء من حيث الضغط على حركة حماس، ولا سيما فيما يتعلق بقبول مبادرة ترامب، وتسليم الأسرى والجثث، أو في مسارات تتعلق بنزع السلاح والدمج الجزئي والتحول السياسي. وإلى جانب ذلك، برز الدور التركي المحوري في الملف السوري، حيث لم تكن التطورات الميدانية معزولة عن تفاهمات أوسع نوقشت في عواصم مؤثرة مثل باريس وأربيل. فاستحالة القضاء الكامل على قوات قسد دفعت مختلف الأطراف إلى تبنّي حلول وسط، ركّزت فيها أنقرة على منع أي امتداد جغرافي قد يفضي إلى كيان كردي متصل يصل إلى البحر المتوسط. ولم يكن الهدف إنهاء الوجود الكردي بالكامل، بل تطويقه جغرافياً وتجريده من طموحه التوسعي، وحصره في نطاق مغلق يفتقر إلى العمق الاستراتيجي وأي منفذ بحري. والخلاصة، لا يمكن فهم سلوك ترامب بوصفه فوضى محضة أو تهوراً سياسياً. نحن أمام نموذج قيادة يعتمد على الصدمة، واختبار الخصوم، وتوظيف البعد النفسي - ولا سيما الحاجة إلى الاعتراف والإنجاز - كأداة سياسية. من يفهم هذه القواعد ويتعامل معها بهدوء وبراغماتية، يستطيع التأثير في مسار القرار. أما من يواجهها بالشعارات أو الاستعراض، فغالباً ما يدفع ثمن سوء التقدير. ففي عالم ترامب، لا يكفي امتلاك الحجة الأخلاقية أو القانونية؛ الأهم هو إقناعه بأن النتيجة النهائية تُحسب له شخصياً.
سامحونا؛؛؛
جمال أبوغليون
[email protected]
24/1/2026