عندما تُصوّت الأغلبية ولا يُنفَّذ القرار: كيف يُدار مجلس السلام لغزة؟

بي دي ان |

18 يناير 2026 الساعة 05:52م

الكاتب


في ظاهر ميثاق ما يُسمّى مجلس السلام لغزة الفلسطينية "مجلس الوصاية" يبدو نظام اتخاذ القرار مألوفاً للوهلة الأولى: دول أعضاء، وآلية تصويت، وأغلبية يُفترض أنها تعبّر عن الإرادة الجماعية. هذا المشهد الأولي يوحي بنموذج تشاركي قريب من صيغ الحوكمة المعتمدة في المؤسسات الدولية متعددة الأطراف. غير أن القراءة المتأنية لبنود المُسَوَّدة المسرّبة لميثاق ما يمسى مجلس السلام تكشف سريعاً أن هذا المظهر الديمقراطي لا يتجاوز الإطار الشكلي، فيما ينتمي الجوهر إلى نموذج مركزي صارم، تتكدّس فيه السلطة في نقطة واحدة، وتُفرَّغ فيه الأغلبية من مضمونها الفعلي. بحسب المُسَوَّدة التي كشفت عنها وكالة بلومبيرغ الأميركية يوم 18 يناير 2026، والتي جرى تداولها لاحقاً في تقارير إعلامية دولية وعربية، فإن هيكل المجلس وآليات عمله لا تُخفي حقيقة أساسية مفادها أن القرار لا يُصنع داخل المجلس بقدر ما يُمرَّر عبره. فالمسودة تشير بوضوح إلى أن رئاسة المجلس تُسند للرئيس الأميركي ترامب، مع منحه صلاحيات واسعة تشمل دعوة الدول للانضمام إلى المجلس أو استبعادها، بما يجعل العضوية ذاتها قراراً سياسياً مركزياً، لا حقاً سيادياً للدول الراغبة بالمشاركة. بهذا المعنى، لا تقوم العضوية على معايير قانونية أو تمثيلية ثابتة، بل على إرادة سياسية عليا تحدد من يُسمح له بالجلوس إلى الطاولة ومن يُقصى عنها.

أما آلية اتخاذ القرار، فتقوم شكلياً على تصويت الدول الأعضاء بالأغلبية، إلا أن هذه الأغلبية لا تملك قوة النفاذ الذاتي. فكل قرار، مهما حاز من أصوات، يظل معلقاً على شرط حاسم يتمثل في مصادقة رئيس المجلس عليه. دون هذه المصادقة، يبقى القرار حبراً على ورق، بلا أثر قانوني أو تنفيذي. هنا تحديداً ينتقل المجلس من كونه هيئة جماعية إلى منصة إجرائية خاضعة لسلطة فرد واحد، يمتلك فعلياً حق الإجازة أو التعطيل. وبهذا المعنى، لا يصبح التصويت سوى إجراء استشاري، وتتحول الأغلبية من أداة حسم إلى غطاء شكلي يمنح القرار مظهراً تشاركياً دون أن يمنحه مضموناً سيادياً حقيقياً. في هذا السياق، يستطيع المجلس أن يناقش ما يشاء، وأن يصوّت كما يشاء، غير أن القرار لا يولد إلا إذا سمح له مركز السلطة بذلك. نحن هنا أمام نموذج لا يشبه آليات الأمم المتحدة، ولا حتى نماذج الحوكمة المعتمدة في المؤسسات الدولية متعددة الأطراف، حيث يُقابل حق النقض عادة بتوازنات واضحة، أو يُمنح لعدة أطراف ضمن نظام رقابة متبادلة يحدّ من تغوّل السلطة. في حالة مجلس السلام لغزة الفلسطينية، نحن أمام فيتو غير مُعلن، متمركز في يد واحدة، دون أي توازن مقابل أو آلية مساءلة فعّالة.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد. فشروط العضوية نفسها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقدرة المالية، إذ تشترط المسودة مساهمة سنوية كبيرة لضمان استمرار العضوية، مع منح الدول التي تساهم بمبالغ أعلى امتيازات إضافية قد تصل إلى نفوذ خاص داخل المجلس أو تمديد عملي للعضوية. كما أن مدة العضوية الأساسية محددة بثلاث سنوات قابلة للتجديد، غير أن قرار التجديد ذاته يعود إلى رئيس المجلس، لا إلى الهيئة الجماعية. وتُضاف إلى ذلك صلاحيات حصرية أخرى، من بينها اعتماد الختم الرسمي للمجلس، والتحكم الكامل بإدارة الأموال، وتحديد جدول الأعمال، وتوقيت انعقاد الاجتماعات، التي لا يُلزم الميثاق بعقدها إلا مرة واحدة سنوياً على الأقل. بل ويمنح الميثاق رئيس المجلس حق عزل أي عضو، ما لم يُواجَه هذا القرار باعتراض ثلاثة أرباع الدول الأعضاء، وهي نسبة مرتفعة تجعل العزل في الواقع قراراً شبه أحادي، في ظل الهيمنة الأمريكية على المجلس حتى وإن أُحيط بغلاف إجرائي.

هذا التصميم المؤسسي يثير تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة المجلس: هل نحن أمام منظمة دولية بالمعنى القانوني، أم أمام إطار تنفيذي لقرار سياسي مُسبق يُراد له أن يُدار لا أن يُناقش؟ فالميثاق لا يفصل بين القرار السياسي والتمويل، بل يدمجهما في معادلة واحدة. الدول التي تصوّت هي ذاتها الدول المموِّلة، والقدرة على التأثير لا تنبع فقط من الموقف السياسي، بل من حجم المساهمة المالية. وهكذا، يتحول التصويت من تعبير عن إرادة سياسية إلى استثمار مشروط في الاستقرار، تُقاس جدواه بمدى الالتزام بالمسار الذي يرسمه مركز القرار. من منظور غزة الفلسطينية، تحمل هذه الآلية دلالات عميقة وخطيرة. فالقرارات المتعلقة بالإعمار، والحكم، والاقتصاد، وحتى إدارة تفاصيل الحياة اليومية، لا تصدر عن إرادة فلسطينية مستقلة، ولا حتى عن توافق دولي متوازن، بل يمكن تعطيلها أو تفعيلها بقرار فردي هو قرار ترامب. أي خلاف سياسي جوهري قد يُترجم مباشرة إلى تجميد إداري أو مالي، بما يحوّل السياسة إلى أداة ضغط مباشر على المجتمع. وبعبارة إنسانية أبسط، يصبح مصير أكثر من مليوني إنسان معلقاً على توقيع واحد، في إطار يُدار فيه السلام كملف إداري، لا كمسار سياسي قائم على العدالة والتمثيل والحقوق.

صحيح أن البيت الأبيض وصف تقرير بلومبيرغ بأنه مضلل، وأكد عدم وجود حد أدنى محدد لرسوم العضوية، إلا أن هذا النفي جاء بصيغة مألوفة في التعامل مع التسريبات السياسية: نفي التفاصيل دون نفي الإطار العام. وتجربة بلومبيرغ الطويلة تشير إلى أن ما يُنشر عبرها نادراً ما يكون اختلاقاً، بل غالباً ما يكون تسريباً وظيفياً لوثائق أو تصورات قيد التداول، تُستخدم لاختبار ردود الفعل قبل الإعلان الرسمي. وفي حالات عديدة سابقة، اكتفت الحكومات بوصف الوثائق بأنها مسودات غير نهائية أو أفكار قيد النقاش، وهو توصيف لا ينفي واقع وجودها ولا يخفف من خطورة الاتجاهات التي تعكسها. إن آلية اتخاذ القرار كما وردت في المسودة تكشف فلسفة المشروع كاملة: السلام هنا لا يُفهم كعملية تفاوضية متكافئة بين أطراف متساوية في الحقوق، بل كحالة إدارية تُدار من مركز تحكم واحد. وقد لا تكون النوايا المعلنة عدائية بالضرورة، غير أن منطق الإدارة يطغى بوضوح على منطق الشراكة، وتغيب السيادة لصالح ما يُقدَّم بوصفه كفاءة أو واقعية سياسية. وفي التجارب التاريخية، لم تُنتج مثل هذه الهياكل سلاماً دائماً، بل أدارت النزاع مؤقتاً إلى أن انفجر مجدداً بأثمان أعلى.
النهاية تقول، نحن أمام مجلس يُفترض أنه متعدد الأطراف، لكن مسار قراره أحادي؛ تصويت حاضر، لكن النفاذ غائب؛ مشاركة شكلية، لكن السيادة مؤجَّلة. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بهدوء، بعيداً عن الانفعال والشعارات: هل يمكن لسلام يُدار من الأعلى، ويُموَّل بشروط، ويُعلَّق على إرادة فرد واحد، أن يصمد فعلاً في أرض مثقلة بالتجربة والذاكرة وغياب العدالة، أم أن الفلسطيني سيُطلب منه مرة أخرى التكيّف مع إدارة الصراع بدل امتلاك حق تقرير مصيره؟ حتماً المفتاح يبقى الفلسطيني نفسه.
سامحونا؛؛؛
جمال أبوغليون
[email protected]
18/1/2026