غزة الفلسطينية من تحت الركام إلى سوق القرار: إعادة تشكيل المستقبل خارج إرادة أصحابه
بي دي ان |
17 يناير 2026 الساعة
09:40م
الكاتب
لم تعد غزة الفلسطينية، في لحظة ما بعد الحرب، مجرد مساحة مدمّرة تبحث عن إعادة إعمار، ولا ساحة اشتباك تنتظر هدنة أو اتفاقاً مؤقتاً. ما يتكشف اليوم يتجاوز منطق ما بعد النزاع إلى مشروع متكامل لإعادة تعريف غزة ذاتها: أرضاً، وسكاناً، وملكية، ووظيفة سياسية. إعلان البيت الأبيض في 16 يناير 2026 عن تشكيل ما سُمّي بمجلس السلام لغزة، برئاسة الرئيس ترامب، لا يمكن قراءته كإطار إداري عابر، بل كبنية وصاية دولية جديدة تُدار عبرها المرحلة التالية من الصراع. تركيبة المجلس تكشف طبيعة المسار. أسماء مركزية من الدائرة الأميركية الضيقة: جاريد كوشنر، ستيف ويتكوف، وزير الخارجية ماركو روبيو، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ورجل الأعمال الأميركي الملياردير مارك روان، ورئيس البنك الدولي السابق أجاي بإنجا، ومستشارين أميركيين سابقين. وإلى جانب المجلس، شُكّلت هيئة تنفيذية لإدارة غزة، برئاسة المندوب السامي نيكولاي مَلادينوف، وعضوية خليط من الفاعلين الإقليميين والدوليين، بينهم وزير الخارجية التركي، مسؤولون قطريون ومصريون، شخصية أممية سابقة، ورجل أعمال إسرائيلي-قبرصي. كما جرى تعيين الجنرال الأميركي جاسبر جيفرسون قائداً لقوة الاستقرار الدولية، المكلّفة، وفق القرار 2803، بالإشراف الأمني ونزع سلاح الفصائل المسلحة وضمان تدفق المساعدات، ومواد إعادة الاعمار.
غير أن ما يلفت الانتباه ليس فقط من حضر، بل من غاب. الفلسطيني غائب تماماً عن البنية العليا للقرار: لا تمثيل سياسي، ولا وطني، ولا حتى رمزي. في المقابل، يحضر ممثل إسرائيلي داخل هيئة تشرف على مستقبل قطاع لا يزال خاضعاً للاحتلال. هذه ليست ثغرة بروتوكولية، بل إشارة سياسية واضحة إلى إعادة إدماج إسرائيل، لا كطرف عسكري سابق، بل كشريك في صياغة اليوم التالي. ومع هذا الترتيب، يتبدل تعريف الحل. لا حديث عن سيادة، ولا عن دولة، ولا حتى عن مرحلة انتقالية ذات أفق وطني، بل عن حكم ذاتي إبراهيمي مستدام يرتبط باتفاقية كوفا (COFA) مع الدولة الراعية، صيغة تبدو تقنية لكنها تُفرغ المشروع الوطني من مضمونه، وتحوّل الإدارة إلى غاية بحد ذاتها. في قلب هذا التصور تقف الأرض. غزة، وفق المقاربة الأمريكية المطروحة، لم تعد أرض شعب، بل أصلاً استثمارياً. قيمتها السوقية الحالية تُقدَّر فعلياً بصفر دولار، نتيجة تحولها إلى كتلة من الركام. غير أن الخطط تتوقع أن تصل الإيرادات خلال عشر سنوات إلى نحو 185 مليار دولار، مع قيمة سوقية مستهدفة بعيدة المدى تصل إلى 324 مليار دولار. هذه الأرقام ليست محايدة؛ إنها تعكس انتقال التعامل مع غزة من منطق الحق التاريخي إلى منطق السوق. من يموّل يملك، ومن يملك يقرر.
ضمن هذا الإطار، لا يجري نزع الأرض بالقوة الصلبة وحدها، بل عبر أدوات قانونية وتقنية حديثة: تسجيل الملكيات رقمياً، وربما ترميزها، وإدخالها في أنظمة بلوك تشين. ويُخيَّر المواطن بين تعويض مالي محدود أو شقة في برج سكني، مقابل التنازل النهائي عن حقه العيني في الأرض. إعادة البناء ستكون رأسية لا أفقية، ما يعني تفريغ الأرض من سكانها التاريخيين، وإعادة تنظيم المجال العمراني وفق احتياجات الاستثمار لا الذاكرة. النموذج يستدعي، من حيث الفلسفة، إعادة تخطيط باريس في عهد نابليون الثالث وفق استراتيجية هوسمان هذا يعني أن المدينة تعمل بكفاءة، لكنها مقطوعة عن جذورها الاجتماعية. خرائط الإعمار المرحلي تزيد الصورة وضوحاً. رفح تُقدَّم كنقطة البداية، تحت مسمى بوابة إبراهيم، تليها مراحل لاحقة في رفح وخان يونس وغزة، ضمن تصور يشمل مدناً صناعية ومناطق حرة، وممرات لوجستية، وطرقاً التفافية ومحورية، ومطاراً، وميناءً، وسكة حديد، وشبكات ألياف ضوئية وخطوط أنابيب، وصولاً إلى بنية تحتية إقليمية مرتبطة بسيناء وشرق المتوسط. وتُطرح مشاريع مدن ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومراكز بيانات تُدار وفق لوائح أميركية خاصة، ثم، على الساحل بعد سنوات، يُسوَّق مشروع ريفيرا ترامب على جزر اصطناعية تتشابه مع جزيرة النخلة في الامارات، بوصفه واجهة سياحية واستثمارية. في هذا النموذج، تتحول غزة إلى ملكية مُدارة من الخارج، بينما يُدفع سكانها الأصليون إلى هامش الدور، كقوة عمل داخل مشاريع لم يشاركوا في اختيارها ولا يملكون قرارها. شركات دولية، بعضها متعثر أو مفلس، تجد في غزة المدمّرة فرصة لإعادة التموضع. ليس ذلك خيالاً سياسياً، بل منطقاً اقتصادياً معروفاً في مناطق ما بعد الكوارث.
أما السكان وفق خطة كوتكوف، فيُعاد تعريفهم ضمن معادلة الكلفة. لا يُستخدم مصطلح التهجير، بل الانتقال. أي ان تكلفة انتقال الفلسطيني الواحد داخل قطاع غزة تقدر بنحو 32 ألف دولار، بينما تكلفة نقله وإعادة توطينه خارج غزة تقدر (9) آلاف دولار، بفارق 23 ألف دولار وفورات دائمة. الحسابات أكثر قسوة: كل 1% من السكان يُعاد توطينهم خارج قطاع غزة يوفّر قرابة 500 مليون دولار، مع تقديرات بأن 75% من المنتقلين سيستقرون خارج القطاع. هكذا يتحول الإنسان من صاحب حق إلى بند كلفة، ومن مواطن إلى عبء يجب تخفيفه وفق منطق اقتصادي يوصف بالعقلاني. وما سوف يجري لا يمكن اختزاله في مشروع إعادة إعمار أو إدارة انتقالية. نحن أمام مسار متكامل لإعادة هندسة الأرض والسكان والسيادة بأدوات قانونية واقتصادية ناعمة، تُحوّل الركام إلى أصول، والوجود الديمغرافي إلى متغير قابل للإدارة، والملكية إلى حق يُعاد تعريفه. منطق الانتقال ليس خياراُ إنسانياً بقدر ما هو أداة سياسية، ونزع الأرض لا يتم بالدبابات فقط، بل بالتسجيلات والتعاقدات. والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل تعي القوى الفلسطينية التي وافقت ووقعت على خطة ترامب، بمختلف تسمياتها، طبيعة المسار الذي تُدفع إليه غزة؟ إن غياب مراجعة وطنية شاملة وجامعة، واستمرار الغموض السياسي، يفتحان الباب لتحويل غزة من قضية تحرر وطني إلى ملف إدارة اقتصادية دولية طويلة الأمد. غزة لا تُهزم بالقنابل وحدها؛ تُهزم حين يُطلب منها أن توقّع، بهدوء، على مستقبل لا يشبهها.
سامحونا؛؛؛
جمال أبوغليون
[email protected]
17/1/2026
بي دي ان |
17 يناير 2026 الساعة 09:40م
غير أن ما يلفت الانتباه ليس فقط من حضر، بل من غاب. الفلسطيني غائب تماماً عن البنية العليا للقرار: لا تمثيل سياسي، ولا وطني، ولا حتى رمزي. في المقابل، يحضر ممثل إسرائيلي داخل هيئة تشرف على مستقبل قطاع لا يزال خاضعاً للاحتلال. هذه ليست ثغرة بروتوكولية، بل إشارة سياسية واضحة إلى إعادة إدماج إسرائيل، لا كطرف عسكري سابق، بل كشريك في صياغة اليوم التالي. ومع هذا الترتيب، يتبدل تعريف الحل. لا حديث عن سيادة، ولا عن دولة، ولا حتى عن مرحلة انتقالية ذات أفق وطني، بل عن حكم ذاتي إبراهيمي مستدام يرتبط باتفاقية كوفا (COFA) مع الدولة الراعية، صيغة تبدو تقنية لكنها تُفرغ المشروع الوطني من مضمونه، وتحوّل الإدارة إلى غاية بحد ذاتها. في قلب هذا التصور تقف الأرض. غزة، وفق المقاربة الأمريكية المطروحة، لم تعد أرض شعب، بل أصلاً استثمارياً. قيمتها السوقية الحالية تُقدَّر فعلياً بصفر دولار، نتيجة تحولها إلى كتلة من الركام. غير أن الخطط تتوقع أن تصل الإيرادات خلال عشر سنوات إلى نحو 185 مليار دولار، مع قيمة سوقية مستهدفة بعيدة المدى تصل إلى 324 مليار دولار. هذه الأرقام ليست محايدة؛ إنها تعكس انتقال التعامل مع غزة من منطق الحق التاريخي إلى منطق السوق. من يموّل يملك، ومن يملك يقرر.
ضمن هذا الإطار، لا يجري نزع الأرض بالقوة الصلبة وحدها، بل عبر أدوات قانونية وتقنية حديثة: تسجيل الملكيات رقمياً، وربما ترميزها، وإدخالها في أنظمة بلوك تشين. ويُخيَّر المواطن بين تعويض مالي محدود أو شقة في برج سكني، مقابل التنازل النهائي عن حقه العيني في الأرض. إعادة البناء ستكون رأسية لا أفقية، ما يعني تفريغ الأرض من سكانها التاريخيين، وإعادة تنظيم المجال العمراني وفق احتياجات الاستثمار لا الذاكرة. النموذج يستدعي، من حيث الفلسفة، إعادة تخطيط باريس في عهد نابليون الثالث وفق استراتيجية هوسمان هذا يعني أن المدينة تعمل بكفاءة، لكنها مقطوعة عن جذورها الاجتماعية. خرائط الإعمار المرحلي تزيد الصورة وضوحاً. رفح تُقدَّم كنقطة البداية، تحت مسمى بوابة إبراهيم، تليها مراحل لاحقة في رفح وخان يونس وغزة، ضمن تصور يشمل مدناً صناعية ومناطق حرة، وممرات لوجستية، وطرقاً التفافية ومحورية، ومطاراً، وميناءً، وسكة حديد، وشبكات ألياف ضوئية وخطوط أنابيب، وصولاً إلى بنية تحتية إقليمية مرتبطة بسيناء وشرق المتوسط. وتُطرح مشاريع مدن ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومراكز بيانات تُدار وفق لوائح أميركية خاصة، ثم، على الساحل بعد سنوات، يُسوَّق مشروع ريفيرا ترامب على جزر اصطناعية تتشابه مع جزيرة النخلة في الامارات، بوصفه واجهة سياحية واستثمارية. في هذا النموذج، تتحول غزة إلى ملكية مُدارة من الخارج، بينما يُدفع سكانها الأصليون إلى هامش الدور، كقوة عمل داخل مشاريع لم يشاركوا في اختيارها ولا يملكون قرارها. شركات دولية، بعضها متعثر أو مفلس، تجد في غزة المدمّرة فرصة لإعادة التموضع. ليس ذلك خيالاً سياسياً، بل منطقاً اقتصادياً معروفاً في مناطق ما بعد الكوارث.
أما السكان وفق خطة كوتكوف، فيُعاد تعريفهم ضمن معادلة الكلفة. لا يُستخدم مصطلح التهجير، بل الانتقال. أي ان تكلفة انتقال الفلسطيني الواحد داخل قطاع غزة تقدر بنحو 32 ألف دولار، بينما تكلفة نقله وإعادة توطينه خارج غزة تقدر (9) آلاف دولار، بفارق 23 ألف دولار وفورات دائمة. الحسابات أكثر قسوة: كل 1% من السكان يُعاد توطينهم خارج قطاع غزة يوفّر قرابة 500 مليون دولار، مع تقديرات بأن 75% من المنتقلين سيستقرون خارج القطاع. هكذا يتحول الإنسان من صاحب حق إلى بند كلفة، ومن مواطن إلى عبء يجب تخفيفه وفق منطق اقتصادي يوصف بالعقلاني. وما سوف يجري لا يمكن اختزاله في مشروع إعادة إعمار أو إدارة انتقالية. نحن أمام مسار متكامل لإعادة هندسة الأرض والسكان والسيادة بأدوات قانونية واقتصادية ناعمة، تُحوّل الركام إلى أصول، والوجود الديمغرافي إلى متغير قابل للإدارة، والملكية إلى حق يُعاد تعريفه. منطق الانتقال ليس خياراُ إنسانياً بقدر ما هو أداة سياسية، ونزع الأرض لا يتم بالدبابات فقط، بل بالتسجيلات والتعاقدات. والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل تعي القوى الفلسطينية التي وافقت ووقعت على خطة ترامب، بمختلف تسمياتها، طبيعة المسار الذي تُدفع إليه غزة؟ إن غياب مراجعة وطنية شاملة وجامعة، واستمرار الغموض السياسي، يفتحان الباب لتحويل غزة من قضية تحرر وطني إلى ملف إدارة اقتصادية دولية طويلة الأمد. غزة لا تُهزم بالقنابل وحدها؛ تُهزم حين يُطلب منها أن توقّع، بهدوء، على مستقبل لا يشبهها.
سامحونا؛؛؛
جمال أبوغليون
[email protected]
17/1/2026