ملامح العولمة التي نريد

بي دي ان |

05 يناير 2026 الساعة 03:43ص

الكاتب
في ظل التطورات الهائلة التي طالت العالم خلال السنوات الأخيرة من الإبادة الجماعية في فلسطين المحتلة، وعودة النازية للظهور بقوة في المشهد العالمي، واستباحة الولايات المتحدة في عهود اداراتها المختلفة للقانون الدولي وهيئة الأمم المتحدة عموما ومنظماتها الإنسانية والمحاكم الدولية، وإن كانت إدارتي ترمب الأكثر تغولا وبلطجة وهمجية على العالم، وتصاعد حالة التفكك الكوني على أكثر من مستوى وصعيد، تشرذم التحالفات، وتصدع الأقاليم، واتساع وتيرة الحروب الاهلية والبينية بين الدول، وزيادة منسوب التناقضات القومية والدينية والطائفية، وعودة الشعوب والتجمعات البشرية الى متاهة الهويات متناهية الصغر في الشكل والمضمون، وتلاشي وغياب القواسم المشتركة بين شعوب الكرة الأرضية، وانفلات القوى العالمية النافذة في العالم وخاصة الولايات المتحدة من كل ما هو مشترك مع دول العالم في القانون والسياسية والاقتصاد والثقافة العالمية المشتركة، وتعميق عمليات التفكك، وفرض قوانين الغاب على دول العالم، كما حصل أول امس السبت 3 كانون ثاني / يناير 2026 في فنزويلا بعد اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو من قصره وعاصمة بلاده كاراكاس على مرأى ومسمع من العالم، ليس هذا فحسب، بل وبتفاخر واستعراض همجي، وكأن قرصان البيت الأبيض بات سيد العالم، الذي يملي على دوله وشعوبه وقواها ونخبها السياسية ما يريد، ودون ردود فعل وازنة باستثناء البيانات الممجوجة والبائسة التي لم تعد تسمن لا تغني من جوع.
عالم اليوم، هو عالم الانهيارات الكبرى القيمية والأخلاقية والقانونية، واندثار الفلسفة والفكر التنويري، وغياب دور قوى التغيير المؤهلة في حمل راية بناء منظومة عالمية جديدة نوعيا، قادرة على التصدي وردع القوى المتوحشة والهمجية، قوى النازية الصاعدة في بقاع الأرض بقيادة البيت الأبيض واداته اللقيطة اسرائيل، مقابل صمت قوى الاقطاب الأخرى، التي افترضت في ذاتها، بأنها حاملة لواء التغيير والتطور، وبناء منظومة عالمية جديدة، بيد أن هذه الدول المركزية لا تختلف في الجوهر عن دول الغرب النيوليبرالي، وتعمل لحسابات قومية خاصة، بعيدا عن الهم الإنساني الكوني، وتسهم من حيث تدري أو لا تدري في تبديد السلم والامن العالميين، من خلال تواطأها أو صمتها عما يرتكب من جرائم حرب وابادة أمام اعينها، ولم ترتق الى مستوى المسؤولية السياسية والقانونية، ولم تتجاوز في حساباتها واجنداتها حدود الحدث الإقليمي هنا أو هناك، او وضع حد للعنصرية والغطرسة والنرجسية والاساطير اللاهوتية المندمجة مع السياسة والفلسفة الاستعمارية التي أمست تعود سابق عهدها القديم بأشكال وصيغ تتوافق مع طبيعة العصر المعاش، عصر التهافت والانحدار والدعارة وقاع المدن والشرائح والفئات الرثة من المجتمعات البشرية، و فرض الاملاءات على شعوب الكرة الأرضية المجاورة وغير المجاورة، واعتبار حدود الكرة الأرضية من غربها الى شرقها ومن جنوبها الى شمالها مصالح حيوية للولايات المتحدة، والدول الأقطاب الأخرى التي لا تقل طموحا في نزعاتها القومجية عن واشنطن.
هذا العالم يحتاج الى ثورة عالمية جديدة، الى نشوء قوى وطنية وقومية وأممية أكثر ديمقراطية وتمثلا لمصالح الشعوب، وإيمانا بإرادتها وأهدافها، والتزاما بمكانة واهمية العدالة الاجتماعية العالمية، وحماية القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي والمعاهدات الإنسانية، وتغيير النظم وهياكل الهيئات الدولية في مجلس الامن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظماتها وهيئاتها الأممية المختلفة، ومنحها قوة وسلطات مؤهلة وقادرة على فرض القانون الدولي، وكبح جماح الدول المارقة والخارجة على القانون، ووضع معايير لصون السلم والامن العالميين، مهما كانت قوة هذه الدولة او تلك، وترشيد التكامل الاقتصادي والثقافي بين الشعوب والدول، ومحاربة مظاهر العنصرية والتفوق العرقي او الديني او الجنسي، وتعزيز لغة الشراكة بين دول العالم في محاربة المظاهر والعوامل المسببة في تشوه وتفاقم أزمات البيئة، وتعريضها للأخطار المهددة للبشرية ككل.
العالم بحاجة ماسة لقوى تحمل على كاهلها لواء التغيير، وبناء نظام ومنظومة عالمية جديدة وكيفية، عولمة خالية من الحروب، والاستئثار والاستغلال والظلم والعبودية السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية، عولمة تقوم على العدالة والقانون وسيادته في حدود الدول وعلى مستوى العالم، وبإرادة أممية تملك القدرة على فرض قراراتها، وإخضاع قراراتها جميعها الى البند السابع في مختلف القضايا التي تمس حق تقرير المصير للشعوب وحريتها واستقلالها وسيادتها والتنمية المستدامة، وعلى أرضية التشارك والتعاون والتعاضد مع الدول الإقليمية والأجنبية من الأقاليم الأخرى، عولمة تصون السلم والامن العالميين، وترفض فلسفة الهيمنة والتغول، وبتر اذرع وعقول النازية والفاشية من أصقاع العالم، وصون مكانة وكرامة الانسان كأعلى وارقى قيمة إنسانية، والعمل على المساواة بين الجنسين، دون تغول، مع احترام قيم وثقافات الشعوب المختلفة، ولكن على أرضية التكامل، لا التنافر والعصبوية والعنصرية المميتة.
وآن الأوان لنهوض القوى الخيرة، والتوحد فيما بينها للتصدي لجرائم الولايات المتحدة الأميركية وربيبتها إسرائيل النازية خصوصا والدول التي تدور في فلكها، او تتماثل معها بالشكل والمضمون حيثما وجدت.
[email protected]
[email protected]