عربدة ترمب فوق القانون

بي دي ان |

05 يناير 2026 الساعة 01:41ص

الكاتب
قامت القوات الأمنية والعسكرية الأميركية فجر أمس السبت 3 من كانون ثاني / يناير بعملية قرصنة وعربدة إجرامية جديدة باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته من القصر الجمهوري (ميرافلوريس) بعد أن شنت هجمات على 7 مواقع استراتيجية في العاصمة الفنزويلية كاركاس ومطارها وقاعدة لاكارلوتا الجوية وميناء لاغوايرا ومطار هيغيروتي ومجمع حصن تيونا العسكري، وهذه ليست المرة الأولى في تاريخ البلطجة والاستهتار بقواعد القانون الدولي حيث قامت القوات العسكرية الأميركية باختطاف رئيس بنما الاسبق مانويل نورييغا من قبل إدارة الرئيس بوش الاب عام 2010، والذريعة ذاتها "تهريب المخدرات"، والإدارات الأميركية المتعاقبة ليست بحاجة لذرائع، لأنها تعتبر دول اميركا اللاتينية الحديقة الخلفية لامبراطوريتها، لا تعير اهتماما لها، لأنها لا تعدو أكثر من جمهوريات موز كرتونية تابعة لها، ولا تقتصر جرائمها عند حدود دول القارة الأميركية الجنوبية، بل شملت دول العالم كافة دون استثناء، إذا استطاعت ذلك، الامر الوحيد الذي يحول دون اقترابها من هذه الدولة أو تلك مدى قدرة هذه الدولة بالدفاع عن ذاتها، وامتلاكها السلاح النووي، كما كوريا الشمالية، فضلا عن تداعيات هذا الهجوم او ذاك على أي قطب عالمي، ومدى تأثيره على الصراع.
والهجمات الأميركية على النظام البوليفاري أو التشافيزي ليست جديدة، ولا حديثة العهد، بل تمتد لعقدين من الزمان، بعد تولي الرئيس الأسبق هوغو تشافيز الرئاسة في عام 1999، واستمرت الملاحقة للنظام الاشتراكي المناهض للإمبريالية الأميركية والعالمية عموما، بعد تولي الرئيس نيكولاس مادورو الحكم بعد رحيل سلفه في عام 2013، الذي اختطف فجر أمس من القصر الرئاسي. ويعتبر النظام التشافيزي امتداداً للمناضل اللاتيني سيمون بوليفار، الذي قاد الثورة المناهضة لدول الاستعمار الغربي في القرن التاسع عشر، وهو المولود أساسا في العاصمة الفنزويلية كاركاس في نهايات القرن الثامن عشر تحديدا في 24 تموز / يوليو 1783. ويعتبر رمزا لشعوب اميركا اللاتينية كلها، ونضالها التحرري.
العملية الاجرامية الوحشية الأميركية ضد الرئيس الفنزويلي، ما كان لها أن تحدث دون توافق او اتفاق ومساومة مع بعض الأقطاب الدولية ذات الصلة بالتحالف مع نظام مادورو، التي ضحت به مقابل حسابات ذاتية قومجية، مما دفع الرئيس دونالد ترمب لارتكاب قرصنته وعربدته على دولة مستقلة وذات سيادة، وجاء رئيسها بالانتخابات الديمقراطية الحرة عام 2024، ولم يأت على ظهر دبابة، فضلا عن أنه ينتمي لنظام اشتراكي يؤمن بحقوق الشعب وخاصة الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة، نظام يحارب الاستغلال والاضطهاد وتجارة المخدرات والدعارة، التي يمارسها النظام الأميركي، التي مازالت فضيحة جيفري ابيستين تتناثر أوراق وثائقها في أوساط المنابر الإعلامية والسياسية وتطال الرئيس ال47 القابع في البيت الأبيض وغيره من اركان ادارته.
ولكن الغرب الاستعماري النيو ليبرالي لا يتوانى عن استخدام الذرائع الواهية والوهمية، وقلب الحقائق رأسا على عقب لتحقيق أهدافه ومآربه من خلال فرض إملاءاته على الدول المستهدفة كافة، واستخدام سلاح الترهيب والتحريض واتهام الأنظمة السياسية المناهضة له ب "الأنظمة الديكتاتورية" و"البوليسية" و"غير الديمقراطية" و" المنتهكة لحقوق الانسان." والتهم كافة هي سمات وخصال الأنظمة النيوليبرالية الغربية وفي مقدمتها نظام الولايات المتحدة الأميركية، الذي أنتج على مدار تاريخه الإرهاب والابادة ضد السكان الاصلانيين، حيث اباد منهم ما يزيد على 105 مليون انسان بأبشع الطرق اللا إنسانية والوحشية، وهو النظام الداعم لأنظمة القهر البوليسية ولدولة الإبادة الإسرائيلية ربيبته وحليفته الاستراتيجية في إقليم الشرق الاوسط، وناهب ثروات الشعوب وخيراتها وطاقتها من النفط والغاز وعائداتها من الأموال المودعة في البنوك الأميركية والسويسرية وغيرها من بنوك الدول الغربية.
والهجمة المستمرة منذ عشرين عاما على نظام مادورو التي توجت باختطافه أمس بطريقة تتنافى مع ابسط معايير القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي والمعاهدات الدولية، وحتى دون علم الهيئات التشريعية وجهات الاختصاص الأميركية، ومخالفة لمعايير الدستور الأميركي نفسه، تكشف عن افلاس النظام العالمي القائم، الذي تتربع واشنطن على قمته، والحاجة الماسة الى الإسراع في دفع عربة النظام الجيوسياسي الجديد، نظام متعدد الأقطاب، وهو ما يفرض على الشعب الأميركي ونخبه السياسية والثقافية والأكاديمية الديمقراطية التصدي لبلطجة النظام البوليسي العنصري الإرهابي القائم، وعدم الوقوف في محطات الانتظار، وأيضا على شعوب وأنظمة اميركا اللاتينية الديمقراطية ان تتوحد وتقف صفا واحدا في مواجهة التغول والقرصنة الأميركية، لأنها مستهدفة اسوة بالرئيس الفنزويلي مادورو والرئيس البنمي الأسبق نورييغا والرئيس التشيلي الاسبق الليندي.
آن للبشرية من أقصاها الى أقصاها الخروج عن دائرة الاستسلام والخنوع والتبعية لأنظمة القهر والظلم والاستغلال النيوليبرالية وعلى رأسها الولايات المتحدة، وخلق منظومة عالمية تلتزم بالعدالة الاجتماعية والقانون الدولي وحامية حقيقية لحقوق الانسان في ربوع الكرة الأرضية.
[email protected]
[email protected]