خالد مشعل
بي دي ان |
02 يناير 2026 الساعة
09:18م
الكاتب
السياسة المترفة تشرح الفراغ بدل تغيره، عشرون عامًا من الرهان على السراب.
في السياسة لا يقاس القادة بطول بقائهم في المشهد بل بما يتركونه خلفهم. وبعد نحو عشرين عامًا في واجهة القرار تبدو حصيلة مرحلة خالد مشعل مثالًا كلاسيكيًا على كيف يمكن للخطاب أن يعلو بينما الواقع يزداد انخفاضًا. خلال هذه السنوات، لم تكن غزة مجرد بقعة جغرافية محاصرة بل تحولت تدريجيًا إلى اختبار دائم لنظرية سياسية تقوم على الرهان على الخارج، وانتظار أن تثمر الابتسامات الدبلوماسية ما عجزت عنه الوقائع. والنتيجة كما يراها كثيرون أن القطاع بقي ثابتآ في مكانه بينما تحركت التحالفات وتبدلت العواصم، وتغيرت الأولويات… إلا أولوية الإنسان الغزي.
المفارقة أن الخطاب السياسي كان دائمآ غنيآ بالمفردات الكبرى صمود مقاومة ثوابت غير أن هذه المفردات مع مرور الوقت بدت وكأنها تؤدي وظيفة لغوية أكثر منها برنامج عمل فالانقسام الفلسطيني تعمق والمؤسسات تآكلت والرهان على وحدة الصف بقي مؤجلًا إلى إشعار غير معلوم بينما الواقع المعيشي في غزة يزداد قسوة عامآ بعد عام. لم يكن الحصار بطبيعة الحال نتاج قرار فلسطيني داخلي، لكن إدارة الحصار شيء وتحويله إلى حالة دائمة شيء آخر. هنا تحديدًا يبرز السؤال هل كانت الخيارات المتاحة تُدار بعقلية تقليل الخسائر أم بعقلية استثمار الأزمة سياسيآ؟ فغزة في نظر منتقدين . لم تعامَل دائمًا كأولوية إنسانية بل كعنصر في معادلات إقليمية أوسع تتغير بتغير مزاج العواصم. أما الوعود السياسية فقد حافظت على حضورها الإعلامي اللافت لكنها نادرآ ما ترجمت إلى تحسن ملموس في حياة الناس . الكهرباء الماء العمل حرية الحركة… كلها بقيت عناوين مؤجلة بيما كان المطلوب من المواطن الغزي قدرآ استثنائيآ من الصبر وكأن الصبر بحد ذاته بات مشروعآ سياسيآ مكتمل الأركان .
اليوم وبعد عقدين من التجربة،لا يبدو السؤال الحقيقي هو ماذا قال مشعل؟ بل ماذا تغير؟ فالتاريخ لا يدون النوايا بل النتائج . والنتائج حتى الآن، تشير إلى أن الرهان على الخارج لم يفكّ حصارآ ولم يُنه انقسامآ ولم يحم غزة من أن تكون ساحة انتظار طويلة لقرارات لا تُصنع فيها . ربما يكون الدرس الأوضح من هذه المرحلة أن السياسة التي تبتعد عن الناس . مهما تجملت بالمصطلحات، تنتهي إلى فراغ. وأن القضية التي تدار بمنطق العلاقات العامة أكثر من منطق المصلحة الوطنية . تدفع ثمن ذلك من رصيدها الأخلاقي قبل السياسي.
في النهاية، قد يختلف الفلسطينيون في تقييم الأشخاص لكنهم يتفقون على حقيقة واحدة غزة لا تحتاج مزيدآ من الخطب والتجارب الفاشلة بل مسارًا يعيدها من هامش الحسابات إلى قلب القرار وما دون ذلك ليس سوى إدارة أنيقة للأزمة.
اللافت ليس عتاب مشعل للامريكان بل اللغة لغة من يشرح نفسه أكثر مما يدافع عن قضيته ومن يفاوض على الصورة قبل الجوهر وعلى القبول قبل الحقوق . مشعل لا يطلب المستحيل من أمريكا، فقط أن تُعامل حماس كما عاملت الشرع احتواء ناعم ابتسامة باردة وسلم طويل من التنازلات ينتهي بلا ضمانات .
السؤال الحقيقي أن التاريخ لا يسأل ماذا قال مشعل لأمريكا؟
بل يسأل بهدوء قاسٍ ماذا بقي من القضية بعد كل هذا الحرص على رضاها
مشعل لا يختلف مع أمريكا على الجوهر بل على سوء التقدير. ظن أن تغيير الخطاب يكفي وأن خفض السقف يفتح النوافذ لكن الريح بقيت كما هي .
فالسياسة مع واشنطن لا تُدار بالعواطف. من يطرق بابها متذللًا ... لا يستقبل كشريك بل كملف مؤقت بانتظار إغلاقه.
راهن مشعل على الأبواب المغلقة فوجد نفسه يشرح الفراغ والتاريخ لا يسأل عن الكلام بل عن ما بقي من الواقع بعد كل التمني
بي دي ان |
02 يناير 2026 الساعة 09:18م
في السياسة لا يقاس القادة بطول بقائهم في المشهد بل بما يتركونه خلفهم. وبعد نحو عشرين عامًا في واجهة القرار تبدو حصيلة مرحلة خالد مشعل مثالًا كلاسيكيًا على كيف يمكن للخطاب أن يعلو بينما الواقع يزداد انخفاضًا. خلال هذه السنوات، لم تكن غزة مجرد بقعة جغرافية محاصرة بل تحولت تدريجيًا إلى اختبار دائم لنظرية سياسية تقوم على الرهان على الخارج، وانتظار أن تثمر الابتسامات الدبلوماسية ما عجزت عنه الوقائع. والنتيجة كما يراها كثيرون أن القطاع بقي ثابتآ في مكانه بينما تحركت التحالفات وتبدلت العواصم، وتغيرت الأولويات… إلا أولوية الإنسان الغزي.
المفارقة أن الخطاب السياسي كان دائمآ غنيآ بالمفردات الكبرى صمود مقاومة ثوابت غير أن هذه المفردات مع مرور الوقت بدت وكأنها تؤدي وظيفة لغوية أكثر منها برنامج عمل فالانقسام الفلسطيني تعمق والمؤسسات تآكلت والرهان على وحدة الصف بقي مؤجلًا إلى إشعار غير معلوم بينما الواقع المعيشي في غزة يزداد قسوة عامآ بعد عام. لم يكن الحصار بطبيعة الحال نتاج قرار فلسطيني داخلي، لكن إدارة الحصار شيء وتحويله إلى حالة دائمة شيء آخر. هنا تحديدًا يبرز السؤال هل كانت الخيارات المتاحة تُدار بعقلية تقليل الخسائر أم بعقلية استثمار الأزمة سياسيآ؟ فغزة في نظر منتقدين . لم تعامَل دائمًا كأولوية إنسانية بل كعنصر في معادلات إقليمية أوسع تتغير بتغير مزاج العواصم. أما الوعود السياسية فقد حافظت على حضورها الإعلامي اللافت لكنها نادرآ ما ترجمت إلى تحسن ملموس في حياة الناس . الكهرباء الماء العمل حرية الحركة… كلها بقيت عناوين مؤجلة بيما كان المطلوب من المواطن الغزي قدرآ استثنائيآ من الصبر وكأن الصبر بحد ذاته بات مشروعآ سياسيآ مكتمل الأركان .
اليوم وبعد عقدين من التجربة،لا يبدو السؤال الحقيقي هو ماذا قال مشعل؟ بل ماذا تغير؟ فالتاريخ لا يدون النوايا بل النتائج . والنتائج حتى الآن، تشير إلى أن الرهان على الخارج لم يفكّ حصارآ ولم يُنه انقسامآ ولم يحم غزة من أن تكون ساحة انتظار طويلة لقرارات لا تُصنع فيها . ربما يكون الدرس الأوضح من هذه المرحلة أن السياسة التي تبتعد عن الناس . مهما تجملت بالمصطلحات، تنتهي إلى فراغ. وأن القضية التي تدار بمنطق العلاقات العامة أكثر من منطق المصلحة الوطنية . تدفع ثمن ذلك من رصيدها الأخلاقي قبل السياسي.
في النهاية، قد يختلف الفلسطينيون في تقييم الأشخاص لكنهم يتفقون على حقيقة واحدة غزة لا تحتاج مزيدآ من الخطب والتجارب الفاشلة بل مسارًا يعيدها من هامش الحسابات إلى قلب القرار وما دون ذلك ليس سوى إدارة أنيقة للأزمة.
اللافت ليس عتاب مشعل للامريكان بل اللغة لغة من يشرح نفسه أكثر مما يدافع عن قضيته ومن يفاوض على الصورة قبل الجوهر وعلى القبول قبل الحقوق . مشعل لا يطلب المستحيل من أمريكا، فقط أن تُعامل حماس كما عاملت الشرع احتواء ناعم ابتسامة باردة وسلم طويل من التنازلات ينتهي بلا ضمانات .
السؤال الحقيقي أن التاريخ لا يسأل ماذا قال مشعل لأمريكا؟
بل يسأل بهدوء قاسٍ ماذا بقي من القضية بعد كل هذا الحرص على رضاها
مشعل لا يختلف مع أمريكا على الجوهر بل على سوء التقدير. ظن أن تغيير الخطاب يكفي وأن خفض السقف يفتح النوافذ لكن الريح بقيت كما هي .
فالسياسة مع واشنطن لا تُدار بالعواطف. من يطرق بابها متذللًا ... لا يستقبل كشريك بل كملف مؤقت بانتظار إغلاقه.
راهن مشعل على الأبواب المغلقة فوجد نفسه يشرح الفراغ والتاريخ لا يسأل عن الكلام بل عن ما بقي من الواقع بعد كل التمني