ورقة موقف حول المرحلة القادمة في قطاع غزة ومسؤولية التنظيم المجتمعي وحماية الإرادة الوطنية
بي دي ان |
31 ديسمبر 2025 الساعة
08:02ص
الكاتب
علاء الدين عبيد
في ظل التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة، وما يرافقها من ترتيبات سياسية وإنسانية وأمنية مطروحة للتعامل مع واقع قطاع غزة، تبرز الحاجة الملحّة إلى بلورة موقف وطني ومجتمعي واضح، يستند إلى حماية الإنسان، وصون الكرامة، والحفاظ على الإرادة الفلسطينية في تقرير المصير.
إن المرحلة التي نمر بها اليوم لا يمكن اختزالها في بعدها الإنساني فقط، ولا التعامل معها بمنطق الاستجابة الطارئة وحده، بل هي مرحلة انتقالية حساسة، يُعاد فيها تشكيل الواقع السياسي والمجتمعي، وتُطرح فيها مقاربات قد تحمل في طياتها مخاطر حقيقية على وحدة المجتمع واستقلال قراره، إن لم يُقابلها تنظيم داخلي واعٍ ومسؤول.
أولًا: تشخيص الموقف العام
تشير المعطيات القائمة إلى أن المقاربة الدولية السائدة تميل إلى إدارة الأزمة بدلًا من معالجة جذورها، عبر ترتيبات مؤقتة، وآليات ضبط للمساعدات، وإشراف خارجي متزايد على تفاصيل الحياة اليومية في غزة. ويُخشى أن يؤدي هذا المسار إلى تحويل القطاع من قضية وطنية عادلة إلى ملف إنساني أمني، تُدار شؤونه بمعزل عن الإرادة الفلسطينية الجامعة.
كما أن ربط إعادة الإعمار والمساعدات بشروط سياسية أو أمنية يشكل خطرًا مباشرًا على كرامة الإنسان الفلسطيني، ويفتح الباب أمام تآكل الدور الوطني للمؤسسات المجتمعية، وإضعاف الثقة بين المجتمع والجهات الفاعلة.
ثانيًا: المخاطر المحتملة
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه المجتمع في هذه المرحلة هو الفراغ؛ فراغ القرار، وفراغ التنظيم، وفراغ الرؤية المشتركة. هذا الفراغ يهيئ البيئة المناسبة لفرض الوصاية، وتفكيك النسيج الاجتماعي، وخلق حالة من التنافس على الاحتياج بدل التكافل، وعلى المساعدات بدل الشراكة.
كما أن استمرار الضغوط المعيشية، وتأخر إعادة الإعمار، وغياب آليات وطنية عادلة لتوزيع الموارد، قد يؤدي إلى انفجارات اجتماعية داخلية، تُضعف المجتمع من الداخل وتُسهّل التحكم الخارجي به.
ثالثًا: المبادئ الحاكمة للموقف
انطلاقًا من المسؤولية الوطنية والمجتمعية، نؤكد على المبادئ التالية:
1. إن شعبنا في غزة ليس عبئًا إنسانيًا ولا مجرد متلقٍ للمساعدات، بل مجتمع حي يمتلك الوعي والقدرة على التنظيم والمشاركة في صنع القرار.
2. المساعدات الإنسانية حق مشروع، لكنها يجب ألا تكون أداة للابتزاز السياسي أو مدخلًا لفرض ترتيبات تمس السيادة والكرامة.
3. حماية النسيج المجتمعي ووحدة الصف الداخلي تمثل أولوية وطنية لا تقل أهمية عن توفير الغذاء والدواء.
4. أي ترتيبات للمرحلة القادمة يجب أن تقوم على الشراكة مع الفاعلين المجتمعيين، واحترام الخصوصية الوطنية، وضمان العدالة والشفافية.
رابعًا: متطلبات المرحلة القادمة
تتطلب المرحلة القادمة جملة من الإجراءات الجوهرية، من أبرزها:
. إعادة تنظيم العمل المجتمعي على أسس مهنية ووطنية، بعيدًا عن الفوضى والتنافس غير الصحي.
. تعزيز دور المؤسسات الأهلية المستقلة بوصفها شريكًا في التخطيط والتنفيذ والرقابة.
. إنشاء أطر تنسيقية مجتمعية قادرة على إدارة الأزمات، وحماية السلم الأهلي، والتواصل المسؤول مع الجهات الخارجية.
. إشراك الشباب والكفاءات في صياغة الحلول، لا حصر دورهم في الاستجابة الطارئة فقط.
. توحيد الخطاب المجتمعي حول أولويات الناس وحقوقهم، ومواجهة الشائعات وخطابات التحريض والانقسام.
إن غزة لن تُبنى بالمال وحده، ولا بالقرارات الخارجية وحدها، بل بإرادة أهلها، ووحدة مجتمعها، ونضج قياداتها المجتمعية. إن تنظيم الذات، وبناء الشراكات الوطنية، والاستعداد المسؤول لمختلف السيناريوهات، هو السبيل الوحيد لحماية المجتمع من التفكك، وصون حقه في مستقبل كريم وآمن.
إن هذه الورقة تمثل دعوة مفتوحة لتحمّل المسؤولية، وتغليب المصلحة العامة، والعمل المشترك في لحظة لا تحتمل التردد أو التأجيل.
• مستشار إداري ومحلل سياسات مجتمعية، المنسق العام للمنتدى الفلسطيني للنهضة السياسية والاجتماعي
بي دي ان |
31 ديسمبر 2025 الساعة 08:02ص
علاء الدين عبيد
إن المرحلة التي نمر بها اليوم لا يمكن اختزالها في بعدها الإنساني فقط، ولا التعامل معها بمنطق الاستجابة الطارئة وحده، بل هي مرحلة انتقالية حساسة، يُعاد فيها تشكيل الواقع السياسي والمجتمعي، وتُطرح فيها مقاربات قد تحمل في طياتها مخاطر حقيقية على وحدة المجتمع واستقلال قراره، إن لم يُقابلها تنظيم داخلي واعٍ ومسؤول.
أولًا: تشخيص الموقف العام
تشير المعطيات القائمة إلى أن المقاربة الدولية السائدة تميل إلى إدارة الأزمة بدلًا من معالجة جذورها، عبر ترتيبات مؤقتة، وآليات ضبط للمساعدات، وإشراف خارجي متزايد على تفاصيل الحياة اليومية في غزة. ويُخشى أن يؤدي هذا المسار إلى تحويل القطاع من قضية وطنية عادلة إلى ملف إنساني أمني، تُدار شؤونه بمعزل عن الإرادة الفلسطينية الجامعة.
كما أن ربط إعادة الإعمار والمساعدات بشروط سياسية أو أمنية يشكل خطرًا مباشرًا على كرامة الإنسان الفلسطيني، ويفتح الباب أمام تآكل الدور الوطني للمؤسسات المجتمعية، وإضعاف الثقة بين المجتمع والجهات الفاعلة.
ثانيًا: المخاطر المحتملة
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه المجتمع في هذه المرحلة هو الفراغ؛ فراغ القرار، وفراغ التنظيم، وفراغ الرؤية المشتركة. هذا الفراغ يهيئ البيئة المناسبة لفرض الوصاية، وتفكيك النسيج الاجتماعي، وخلق حالة من التنافس على الاحتياج بدل التكافل، وعلى المساعدات بدل الشراكة.
كما أن استمرار الضغوط المعيشية، وتأخر إعادة الإعمار، وغياب آليات وطنية عادلة لتوزيع الموارد، قد يؤدي إلى انفجارات اجتماعية داخلية، تُضعف المجتمع من الداخل وتُسهّل التحكم الخارجي به.
ثالثًا: المبادئ الحاكمة للموقف
انطلاقًا من المسؤولية الوطنية والمجتمعية، نؤكد على المبادئ التالية:
1. إن شعبنا في غزة ليس عبئًا إنسانيًا ولا مجرد متلقٍ للمساعدات، بل مجتمع حي يمتلك الوعي والقدرة على التنظيم والمشاركة في صنع القرار.
2. المساعدات الإنسانية حق مشروع، لكنها يجب ألا تكون أداة للابتزاز السياسي أو مدخلًا لفرض ترتيبات تمس السيادة والكرامة.
3. حماية النسيج المجتمعي ووحدة الصف الداخلي تمثل أولوية وطنية لا تقل أهمية عن توفير الغذاء والدواء.
4. أي ترتيبات للمرحلة القادمة يجب أن تقوم على الشراكة مع الفاعلين المجتمعيين، واحترام الخصوصية الوطنية، وضمان العدالة والشفافية.
رابعًا: متطلبات المرحلة القادمة
تتطلب المرحلة القادمة جملة من الإجراءات الجوهرية، من أبرزها:
. إعادة تنظيم العمل المجتمعي على أسس مهنية ووطنية، بعيدًا عن الفوضى والتنافس غير الصحي.
. تعزيز دور المؤسسات الأهلية المستقلة بوصفها شريكًا في التخطيط والتنفيذ والرقابة.
. إنشاء أطر تنسيقية مجتمعية قادرة على إدارة الأزمات، وحماية السلم الأهلي، والتواصل المسؤول مع الجهات الخارجية.
. إشراك الشباب والكفاءات في صياغة الحلول، لا حصر دورهم في الاستجابة الطارئة فقط.
. توحيد الخطاب المجتمعي حول أولويات الناس وحقوقهم، ومواجهة الشائعات وخطابات التحريض والانقسام.
إن غزة لن تُبنى بالمال وحده، ولا بالقرارات الخارجية وحدها، بل بإرادة أهلها، ووحدة مجتمعها، ونضج قياداتها المجتمعية. إن تنظيم الذات، وبناء الشراكات الوطنية، والاستعداد المسؤول لمختلف السيناريوهات، هو السبيل الوحيد لحماية المجتمع من التفكك، وصون حقه في مستقبل كريم وآمن.
إن هذه الورقة تمثل دعوة مفتوحة لتحمّل المسؤولية، وتغليب المصلحة العامة، والعمل المشترك في لحظة لا تحتمل التردد أو التأجيل.
• مستشار إداري ومحلل سياسات مجتمعية، المنسق العام للمنتدى الفلسطيني للنهضة السياسية والاجتماعي