صرخة حياة في وجه الموت: حكاية بيسان من غزة
بي دي ان |
11 ديسمبر 2025 الساعة
12:03ص
طفل بيسان
غزة - خاص بي دي ان - شروق العبادلة
يركض الفلسطينيون في قطاع غزة وينزحون في رحلة مطاردة مع الموت، الذي يلاحقهم حاملًا معه أذيال القنابل والصواريخ والرصاص الذي لا يعرف الرحمة، من جيشٍ إسرائيلي اغتصب أرضهم واحتلّها.
وكانت بيسان دياب، إحدى هذه القصص التي كادت أن تُختَم بالكفن الأبيض.
بيسان دياب، البالغة من العمر ثمانيةً وعشرين عامًا، تعيش في وسط مخيم النصيرات، متخرجة من قسم الإرشاد النفسي، وأمٌّ لطفلٍ يبلغ من العمر ثمانية أعوام رزقت به بعد سنوات طويلة من الزواج.
في يوم السبت، الموافق 22 نوفمبر 2024، وبينما كانت جالسة مع وحيدها وقرة عينها في زاوية الغرفة، تعلّمه الكتابة على طاولة كانت تستخدمها للعجين، انهار عليهما فجأة سقف الغرفة المصنوع من ألواح الإسبست.
بدأ طفلها يصرخ من تحت الركام مستنجدًا:
“ماما، قصفونا! ماما، إنتِ منيحة؟”
فما كان منها إلا أن حاولت النهوض بسرعة لتلبي صرخاته البريئة، فرفعت الألواح الثقيلة عن جسدها أولًا، ثم عن جسده الصغير، وهي تردد: “أنا بخير” كي تطمئنه رغم خوفها.
وصلت إليه، وأخذته بين أحضانها تحتضن خوفه وصوته المرتجف، فيما كانت تُربّت عليه ببعض الطمأنينة، رغم أنها هي نفسها كانت ترتجف من هول ما حدث. لكنها لم تفكر في تلك اللحظة إلا بطفلها الذي يحتاجها.
حملته وخرجت به وسط الغبار والركام. فاجأتها أم زوجها وهي تركض باتجاههما وتقول: “هل أنتم بخير؟”
سلّمَت بيسان طفلها لها لتتفحص وجهه وجسده وتتأكد من عدم وجود كسور أو إصابات. ولحسن الحظ كان بخير ولا يشكو من أي ألم.
في تلك اللحظة، شعرت بيسان أن الموت مرّ بقربهما، ولكن قدر الله كان نافذًا، فقد نجوا بإعجوبة لا يعلمها إلا الله. فقد كان الصاروخ الغادر من طائرة F16 قد استهدف بيت جيرانهم، وبسبب تلاصق البيوت تأثر بيتها بشكل كبير.
لم تمضِ لحظات حتى امتلأ المكان بسيارات الإسعاف والدفاع المدني، وبدأ الجيران يركضون نحو بيت جيرانها. وحينها أدركت أن البيت قد دُمّر بالكامل. سألت: “هل نجوا؟”
لكن الإجابة جاءت صادمة وثقيلة: لقد استُشهدوا جميعًا.
وفي تلك اللحظة، تذكّرت بيسان أخاها الذي استُشهد في الحرب نفسها وكيف ودّعته. احتضنت طفلها من جديد وبدأت تبكي، تدعو بالرحمة لأخيها، وتحمد الله أن ابنها بخير ولم يُصب بمكروه. كانت ترتجف خوفًا من فكرة فقدانه كما فقدت أخاها
تبقى قصة بيسان واحدة من مئات القصص التي تعكس حجم المأساة الإنسانية في قطاع غزة، حيث يعيش المدنيون يوميًّا تحت تهديد القصف وفقدان الأحبة. نجاتها ونجاة طفلها ليست نهاية الحكاية، بل محطة جديدة في معركة البقاء التي يخوضها سكان المخيمات في ظروف لا تكاد تُحتمل. وبين ركام منزلها وصوت ابنها الذي نجا، تدرك بيسان أن الحياة ما زالت تمنحهم فرصًا متقطعة، وأن الحرب تترك خلفها جراحًا لا تُرى بالعين، لكنها تظل شاهدة على ثمن النجاة وقوة من يتمسكون بها
بي دي ان |
11 ديسمبر 2025 الساعة 12:03ص
غزة - خاص بي دي ان - شروق العبادلة
يركض الفلسطينيون في قطاع غزة وينزحون في رحلة مطاردة مع الموت، الذي يلاحقهم حاملًا معه أذيال القنابل والصواريخ والرصاص الذي لا يعرف الرحمة، من جيشٍ إسرائيلي اغتصب أرضهم واحتلّها.
وكانت بيسان دياب، إحدى هذه القصص التي كادت أن تُختَم بالكفن الأبيض.
بيسان دياب، البالغة من العمر ثمانيةً وعشرين عامًا، تعيش في وسط مخيم النصيرات، متخرجة من قسم الإرشاد النفسي، وأمٌّ لطفلٍ يبلغ من العمر ثمانية أعوام رزقت به بعد سنوات طويلة من الزواج.
في يوم السبت، الموافق 22 نوفمبر 2024، وبينما كانت جالسة مع وحيدها وقرة عينها في زاوية الغرفة، تعلّمه الكتابة على طاولة كانت تستخدمها للعجين، انهار عليهما فجأة سقف الغرفة المصنوع من ألواح الإسبست.
بدأ طفلها يصرخ من تحت الركام مستنجدًا:
“ماما، قصفونا! ماما، إنتِ منيحة؟”
فما كان منها إلا أن حاولت النهوض بسرعة لتلبي صرخاته البريئة، فرفعت الألواح الثقيلة عن جسدها أولًا، ثم عن جسده الصغير، وهي تردد: “أنا بخير” كي تطمئنه رغم خوفها.
وصلت إليه، وأخذته بين أحضانها تحتضن خوفه وصوته المرتجف، فيما كانت تُربّت عليه ببعض الطمأنينة، رغم أنها هي نفسها كانت ترتجف من هول ما حدث. لكنها لم تفكر في تلك اللحظة إلا بطفلها الذي يحتاجها.
حملته وخرجت به وسط الغبار والركام. فاجأتها أم زوجها وهي تركض باتجاههما وتقول: “هل أنتم بخير؟”
سلّمَت بيسان طفلها لها لتتفحص وجهه وجسده وتتأكد من عدم وجود كسور أو إصابات. ولحسن الحظ كان بخير ولا يشكو من أي ألم.
في تلك اللحظة، شعرت بيسان أن الموت مرّ بقربهما، ولكن قدر الله كان نافذًا، فقد نجوا بإعجوبة لا يعلمها إلا الله. فقد كان الصاروخ الغادر من طائرة F16 قد استهدف بيت جيرانهم، وبسبب تلاصق البيوت تأثر بيتها بشكل كبير.
لم تمضِ لحظات حتى امتلأ المكان بسيارات الإسعاف والدفاع المدني، وبدأ الجيران يركضون نحو بيت جيرانها. وحينها أدركت أن البيت قد دُمّر بالكامل. سألت: “هل نجوا؟”
لكن الإجابة جاءت صادمة وثقيلة: لقد استُشهدوا جميعًا.
وفي تلك اللحظة، تذكّرت بيسان أخاها الذي استُشهد في الحرب نفسها وكيف ودّعته. احتضنت طفلها من جديد وبدأت تبكي، تدعو بالرحمة لأخيها، وتحمد الله أن ابنها بخير ولم يُصب بمكروه. كانت ترتجف خوفًا من فكرة فقدانه كما فقدت أخاها
تبقى قصة بيسان واحدة من مئات القصص التي تعكس حجم المأساة الإنسانية في قطاع غزة، حيث يعيش المدنيون يوميًّا تحت تهديد القصف وفقدان الأحبة. نجاتها ونجاة طفلها ليست نهاية الحكاية، بل محطة جديدة في معركة البقاء التي يخوضها سكان المخيمات في ظروف لا تكاد تُحتمل. وبين ركام منزلها وصوت ابنها الذي نجا، تدرك بيسان أن الحياة ما زالت تمنحهم فرصًا متقطعة، وأن الحرب تترك خلفها جراحًا لا تُرى بالعين، لكنها تظل شاهدة على ثمن النجاة وقوة من يتمسكون بها