نتنياهو في مارالاغو: جولة ابتزاز سياسي برعاية أميركية
بي دي ان |
29 ديسمبر 2025 الساعة
12:17م
المشرف العام
حلّقت أمس الأحد من مطار بن غوريون طائرة بنيامين نتنياهو، الرجل الطامح والطامع لتحقيق ما يسمى بـ"إسرائيل الكبرى" على حساب الأراضي والشعوب العربية، لتَهبط في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا الأميركية، استعدادا للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي بدا غير متحمس كثيرا لهذا اللقاء، لولا أن نتنياهو هو من طلبه، على حد تعبير ترامب.
حمل نتنياهو معه جملة من المخاوف والملفات السياسية المعقدة، أبرزها المرحلة الثانية من اتفاق غزة، والتي لا يرغب بالدخول فيها رغم ضغوط ترامب وتوصياته. فبعد يوم واحد فقط من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، بدأ الجيش الإسرائيلي بخرق الاتفاق، حيث استشهد أكثر من 410 فلسطينيين وأصيب نحو 1100 آخرين، كما لم تلتزم إسرائيل بإدخال المساعدات إلا بنسبة تقارب 41%، ما أدى إلى وفاة أكثر من 1100 مواطن نتيجة التجويع، وعدم إدخال المواد الطبية والعلاجية، ومنع المرضى من السفر للعلاج.
إلى جانب ذلك، استمر تفجير المباني، وعدم إدخال الكرفانات، ما تسبب بوفاة العديد من المواطنين بسبب البرد القارس، في مؤشر واضح على عدم جدية نتنياهو بالانسحاب من قطاع غزة أو تنفيذ الحد الأدنى من الاتفاق، وسط غياب شبه كامل لملاحظات وآراء الوسطاء.
وبالتالي، يستخدم نتنياهو حيله المعتادة وبعض الثغرات ليجعل منها ذرائع يتهرب بها من استحقاقات الاتفاق، كذريعة ضرورة استعادة الجثة الأخيرة، رفات الأسير ران جفيلي، والتي لم يعرف حتى اللحظة مكانها، رغم تسليم نتنياهو الوسطاء أسماء عدة لعناصر في حركة الجهاد الإسلامي قد يكونون على دراية بمكانها. ومع ذلك، يدرك الجميع، بما فيهم الأطراف الإسرائيلية والأميركية، أن نتنياهو يتلكأ عمدا.
أما الذريعة الثانية، فتتمثل في سلاح حركة حماس، حيث يصر نتنياهو على نزعه بالكامل، رغم أن الحركة أبدت استعدادها لتسليم السلاح إلى جهة فلسطينية أو عربية. ومع ذلك، يواصل نتنياهو رفضه بدء عملية الإعمار قبل نزع السلاح، ما يعني عمليا التمهيد لشن عملية عسكرية جديدة على قطاع غزة، إرضاء لحلفائه من اليمين المتطرف في حكومته المتطرفة أصلا.
كما يسعى نتنياهو لفرض بقاء ما يسمى بالخط الأصفر كحدود جديدة لقطاع غزة، أي السيطرة على ما يعادل 58% من مساحة القطاع وربما أكثر، إذ يقوم جيش الاحتلال يوميا بالتوغل لمسافة تقارب 100 متر، مبتلعا المزيد من الأراضي، مع نسف شامل للمباني ومسحها بالكامل.
ونظرا لاقتراب الانتخابات الداخلية الإسرائيلية المقرر إجراؤها خلال عام 2026، فإن نتنياهو سيستخدم كل ما لديه من حيل سياسية للبقاء في المرحلة الأولى من الاتفاق، في حالة لا سلم ولا حرب، ليبقى الفلسطينيون الخاسر الأكبر، عالقين بين برد الشتاء في الخيام المهترئة، وحر الصيف القاسي، دون أي حلول جذرية تلوح في الأفق القريب.
من جانب آخر، تبرز ملفات خلافية إضافية بين الحليفين، من بينها الرفض القاطع لنتنياهو لمشاركة تركيا ضمن قوات الاستقرار الدولية في غزة، إضافة إلى الملف الإيراني، حيث يظهر نتنياهو رغبة جامحة في توجيه ضربة عسكرية لإيران بحجة الحد من تطورها العسكري ووقف تصنيع الصواريخ الباليستية.
في المقابل، قد لا يرغب ترامب باندلاع حرب جديدة بعد اعتزازه سابقا بوقف ما عرف بـ"حرب الاثني عشر يوما"، إلا أن مصادر إسرائيلية تشير إلى أن نتنياهو سيعرض على ترامب عدة خيارات، من بينها اتفاق أميركي إيراني يعالج القضايا العالقة، أو توجيه ضربة إسرائيلية منفردة لطهران، أو ضربة مشتركة إسرائيلية أميركية، وفي جميع السيناريوهات يطمح نتنياهو إلى الحصول على ضوء أخضر لاستهداف إيران.
أما الملف اللبناني، فيعد من أبرز أسباب زيارة نتنياهو، حيث يسعى للحصول على موافقة أميركية لتوجيه ضربة قاضية لحزب الله، باعتباره أحد أبرز أذرع إيران في المنطقة، من وجهة نظره.
وفيما يتعلق بسوريا، لا يبدو أن هناك خلافا كبيرا بين الطرفين، إذ تحرك الجيش الإسرائيلي بحرية، وسيطر على مناطق عدة، وفجر مستودعات ذخيرة، واعتقل أشخاصا دون أي مساءلة، بل تباهى ترامب بتقديمه جبل الشيخ السوري كـ"هدية" لإسرائيل، فيما يبقى الخلاف محصورا في توزيع المصالح وهندسة الجغرافيا السورية بما يخدم المصالح الإسرائيلية والأميركية.
كما يغادر نتنياهو بعد أن أنجز خطوة خطيرة تمثلت في اعترافه الأحادي بأرض الصومالاند، في تطور بالغ الخطورة لا يمس الصومال وحدها، بل يمتد ليهدد أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، ويضرب الأمن القومي العربي، فاتحا الباب أمام عسكرة القرن الإفريقي، وإدخال قوى معادية تزيد من حالة عدم الاستقرار في المنطقة، وقد يشكل هذا الاعتراف سابقة خطيرة لتكرار سيناريوهات الانفصال داخل دول عربية أخرى.
وبالنظر إلى مجمل الملفات العربية التي يحملها نتنياهو، وسعيه للحصول على غطاء أميركي لتنفيذ مخططاته التي لا تحمل سوى الخراب والتقسيم، ومع وجود مصالح انتخابية لترامب تتعلق بدعم اللوبي الصهيوني مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، فإن السيناريو الأرجح يتمثل في تمييع بعض القضايا، وعلى رأسها غزة، وإبقائها عالقة، مع الإعلان عن هياكل حكم شكلية دون تنفيذ حقيقي للاتفاق.
وفي المقابل، قد يضطر ترامب لمجاراة نتنياهو في ملفات أخرى، كشن ضربة على إيران أو لبنان، مع إدراك أن ضرب لبنان يعني تلقائيا استهداف أحد أهم أذرع إيران.
وفي المحصلة، لا يزال نتنياهو بحاجة ماسة إلى الغطاء الأميركي لضمان الدعم العسكري واللوجستي، كما يحتاج ترامب إلى دعم اللوبي الصهيوني في هذه المرحلة الحساسة، ما يعني غياب أي ضغط أميركي حقيقي على نتنياهو، ليعود الأخير محملا بما هو أسوأ للعرب، فيما لا يتبقى أمام الأنظمة العربية سوى بيانات الشجب والاستنكار، بانتظار أن تنهض الشعوب من سباتها، وتستعيد وعيها، لمواجهة هذا الكيان السرطاني المزروع في خاصرة الوطن العربي الكبير.
بي دي ان |
29 ديسمبر 2025 الساعة 12:17م
حمل نتنياهو معه جملة من المخاوف والملفات السياسية المعقدة، أبرزها المرحلة الثانية من اتفاق غزة، والتي لا يرغب بالدخول فيها رغم ضغوط ترامب وتوصياته. فبعد يوم واحد فقط من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، بدأ الجيش الإسرائيلي بخرق الاتفاق، حيث استشهد أكثر من 410 فلسطينيين وأصيب نحو 1100 آخرين، كما لم تلتزم إسرائيل بإدخال المساعدات إلا بنسبة تقارب 41%، ما أدى إلى وفاة أكثر من 1100 مواطن نتيجة التجويع، وعدم إدخال المواد الطبية والعلاجية، ومنع المرضى من السفر للعلاج.
إلى جانب ذلك، استمر تفجير المباني، وعدم إدخال الكرفانات، ما تسبب بوفاة العديد من المواطنين بسبب البرد القارس، في مؤشر واضح على عدم جدية نتنياهو بالانسحاب من قطاع غزة أو تنفيذ الحد الأدنى من الاتفاق، وسط غياب شبه كامل لملاحظات وآراء الوسطاء.
وبالتالي، يستخدم نتنياهو حيله المعتادة وبعض الثغرات ليجعل منها ذرائع يتهرب بها من استحقاقات الاتفاق، كذريعة ضرورة استعادة الجثة الأخيرة، رفات الأسير ران جفيلي، والتي لم يعرف حتى اللحظة مكانها، رغم تسليم نتنياهو الوسطاء أسماء عدة لعناصر في حركة الجهاد الإسلامي قد يكونون على دراية بمكانها. ومع ذلك، يدرك الجميع، بما فيهم الأطراف الإسرائيلية والأميركية، أن نتنياهو يتلكأ عمدا.
أما الذريعة الثانية، فتتمثل في سلاح حركة حماس، حيث يصر نتنياهو على نزعه بالكامل، رغم أن الحركة أبدت استعدادها لتسليم السلاح إلى جهة فلسطينية أو عربية. ومع ذلك، يواصل نتنياهو رفضه بدء عملية الإعمار قبل نزع السلاح، ما يعني عمليا التمهيد لشن عملية عسكرية جديدة على قطاع غزة، إرضاء لحلفائه من اليمين المتطرف في حكومته المتطرفة أصلا.
كما يسعى نتنياهو لفرض بقاء ما يسمى بالخط الأصفر كحدود جديدة لقطاع غزة، أي السيطرة على ما يعادل 58% من مساحة القطاع وربما أكثر، إذ يقوم جيش الاحتلال يوميا بالتوغل لمسافة تقارب 100 متر، مبتلعا المزيد من الأراضي، مع نسف شامل للمباني ومسحها بالكامل.
ونظرا لاقتراب الانتخابات الداخلية الإسرائيلية المقرر إجراؤها خلال عام 2026، فإن نتنياهو سيستخدم كل ما لديه من حيل سياسية للبقاء في المرحلة الأولى من الاتفاق، في حالة لا سلم ولا حرب، ليبقى الفلسطينيون الخاسر الأكبر، عالقين بين برد الشتاء في الخيام المهترئة، وحر الصيف القاسي، دون أي حلول جذرية تلوح في الأفق القريب.
من جانب آخر، تبرز ملفات خلافية إضافية بين الحليفين، من بينها الرفض القاطع لنتنياهو لمشاركة تركيا ضمن قوات الاستقرار الدولية في غزة، إضافة إلى الملف الإيراني، حيث يظهر نتنياهو رغبة جامحة في توجيه ضربة عسكرية لإيران بحجة الحد من تطورها العسكري ووقف تصنيع الصواريخ الباليستية.
في المقابل، قد لا يرغب ترامب باندلاع حرب جديدة بعد اعتزازه سابقا بوقف ما عرف بـ"حرب الاثني عشر يوما"، إلا أن مصادر إسرائيلية تشير إلى أن نتنياهو سيعرض على ترامب عدة خيارات، من بينها اتفاق أميركي إيراني يعالج القضايا العالقة، أو توجيه ضربة إسرائيلية منفردة لطهران، أو ضربة مشتركة إسرائيلية أميركية، وفي جميع السيناريوهات يطمح نتنياهو إلى الحصول على ضوء أخضر لاستهداف إيران.
أما الملف اللبناني، فيعد من أبرز أسباب زيارة نتنياهو، حيث يسعى للحصول على موافقة أميركية لتوجيه ضربة قاضية لحزب الله، باعتباره أحد أبرز أذرع إيران في المنطقة، من وجهة نظره.
وفيما يتعلق بسوريا، لا يبدو أن هناك خلافا كبيرا بين الطرفين، إذ تحرك الجيش الإسرائيلي بحرية، وسيطر على مناطق عدة، وفجر مستودعات ذخيرة، واعتقل أشخاصا دون أي مساءلة، بل تباهى ترامب بتقديمه جبل الشيخ السوري كـ"هدية" لإسرائيل، فيما يبقى الخلاف محصورا في توزيع المصالح وهندسة الجغرافيا السورية بما يخدم المصالح الإسرائيلية والأميركية.
كما يغادر نتنياهو بعد أن أنجز خطوة خطيرة تمثلت في اعترافه الأحادي بأرض الصومالاند، في تطور بالغ الخطورة لا يمس الصومال وحدها، بل يمتد ليهدد أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، ويضرب الأمن القومي العربي، فاتحا الباب أمام عسكرة القرن الإفريقي، وإدخال قوى معادية تزيد من حالة عدم الاستقرار في المنطقة، وقد يشكل هذا الاعتراف سابقة خطيرة لتكرار سيناريوهات الانفصال داخل دول عربية أخرى.
وبالنظر إلى مجمل الملفات العربية التي يحملها نتنياهو، وسعيه للحصول على غطاء أميركي لتنفيذ مخططاته التي لا تحمل سوى الخراب والتقسيم، ومع وجود مصالح انتخابية لترامب تتعلق بدعم اللوبي الصهيوني مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، فإن السيناريو الأرجح يتمثل في تمييع بعض القضايا، وعلى رأسها غزة، وإبقائها عالقة، مع الإعلان عن هياكل حكم شكلية دون تنفيذ حقيقي للاتفاق.
وفي المقابل، قد يضطر ترامب لمجاراة نتنياهو في ملفات أخرى، كشن ضربة على إيران أو لبنان، مع إدراك أن ضرب لبنان يعني تلقائيا استهداف أحد أهم أذرع إيران.
وفي المحصلة، لا يزال نتنياهو بحاجة ماسة إلى الغطاء الأميركي لضمان الدعم العسكري واللوجستي، كما يحتاج ترامب إلى دعم اللوبي الصهيوني في هذه المرحلة الحساسة، ما يعني غياب أي ضغط أميركي حقيقي على نتنياهو، ليعود الأخير محملا بما هو أسوأ للعرب، فيما لا يتبقى أمام الأنظمة العربية سوى بيانات الشجب والاستنكار، بانتظار أن تنهض الشعوب من سباتها، وتستعيد وعيها، لمواجهة هذا الكيان السرطاني المزروع في خاصرة الوطن العربي الكبير.