ليست أخلاقًا منهارة بل مجتمعًا مُنهكًا: غزة في ميزان علم النفس الاجتماعي
بي دي ان |
26 ديسمبر 2025 الساعة
09:51م
الكاتب
خلال الحرب، لم تتغيّر غزة فقط في شكلها وبيوتها وشوارعها، بل تغيّرت في نسيجها الاجتماعي، في طريقة تواصل الناس مع بعضهم، في معنى العائلة، والجيرة، والتكافل، وحتى في نظرة الإنسان للآخر. ما جرى لم يكن مجرد “تداعيات طبيعية للحرب”، بل تحوّل اجتماعي نفسي عميق يمكن فهمه بوضوح من خلال علم النفس الاجتماعي، وهو العلم الذي يدرس كيف يؤثر الضغط، والخطر، والخوف، والحرمان على سلوك الجماعات، وعلى العلاقات بين الأفراد.
في الظروف الطبيعية، يقوم المجتمع الغزّي على روابط قوية: العائلة الممتدة، الجيرة، التكافل، الحسّ الجمعي، والشعور بأن “الناس لبعض”. لكن الحرب كسرت هذا التوازن. ليس لأن الناس تغيّروا أخلاقيًا، بل لأن البيئة نفسها أصبحت عدائية للعلاقات الإنسانية. حين يعيش الإنسان في تهديد دائم، يصبح تفكيره موجّهًا نحو النجاة الفردية قبل أي شيء آخر، وهذه حقيقة يؤكدها علم النفس الاجتماعي، لا حكمًا أخلاقيًا على الناس.
أول ما ضربته الحرب هو الثقة الاجتماعية. الخوف، والنزوح، وشحّ الموارد، جعل الناس أكثر شكًا، أكثر حذرًا، وأقل استعدادًا للمشاركة. في علم النفس الاجتماعي يُعرف هذا السلوك بأنه استجابة طبيعية لبيئات الندرة، حيث يتحول العقل الجمعي من “نحن” إلى “أنا وعائلتي فقط”. هنا تبدأ العلاقات بالتآكل، ليس بسبب أن الناس أنانيون، بل لأن الإحساس بالأمان الجماعي انهار، ولم يعد أحد يضمن أن التضحية اليوم لن تعني الهلاك غدًا.
مع النزوح المتكرر، ظهرت توترات غير مألوفة داخل العائلات نفسها. الضغط الشديد، فقدان الخصوصية، العيش في أماكن مزدحمة، كلها عوامل تؤدي إلى ارتفاع مستويات الغضب، والعصبية، والعنف اللفظي، وأحيانًا الجسدي. علم النفس الاجتماعي يفسّر ذلك بأن الإنسان عندما يُحرم من السيطرة على حياته، يبحث عن أي مساحة يشعر فيها بالقوة، وغالبًا تكون هذه المساحة داخل علاقاته القريبة، للأسف. وهكذا تتحول الأسرة، التي يفترض أن تكون ملاذًا، إلى ساحة تفريغ نفسي قاسٍ.
كذلك، طفت على السطح سلوكيات اجتماعية صادمة: قسوة في التعامل، لامبالاة تجاه ألم الآخرين، غياب التعاطف أحيانًا، أو حتى لوم الضحية. هذه الظواهر لا تعني أن المجتمع “فسد”، بل تعكس ما يُسمّى في علم النفس الاجتماعي بـ التبلّد الانفعالي الجمعي. حين يتعرض الإنسان لكمّ هائل من الألم يوميًا، يصبح غير قادر على التفاعل مع كل مأساة، فيغلق مشاعره كآلية دفاع. المشكلة أن هذا الإغلاق، مع الوقت، يُفهم خطأً على أنه قسوة.
ومن أخطر ما كشفته الحرب هو تفكك المعايير الاجتماعية. ما كان مرفوضًا أخلاقيًا في السابق، أصبح أحيانًا مبرَّرًا بحجة الظروف. الكذب، الاستغلال، التعدّي، أو حتى التخلي عن الآخر، بات يُغلف بجملة واحدة: “الوضع صعب”. علم النفس الاجتماعي لا يبرر هذه السلوكيات، لكنه يشرح كيف تؤدي الفوضى الطويلة وغياب المحاسبة إلى تآكل الضوابط الاجتماعية، حيث يفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية تدريجيًا.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن الحرب أظهرت أيضًا تضامنًا استثنائيًا. مبادرات فردية، مساعدة الغرباء، تقاسم الطعام، التعليم في الخيام، وكلها تعكس ما يسميه علماء النفس الاجتماعي الهوية الجمعية تحت التهديد. حين يشعر الناس بأنهم جميعًا مستهدفون، يتعزز الإحساس بالانتماء. لكن المشكلة أن هذا التضامن يعيش صراعًا دائمًا مع الإنهاك. فكلما طال أمد الحرب، تراجع التضامن أمام التعب، وبدأ الناس ينسحبون اجتماعيًا، لا كخيانة، بل كاستنزاف.
الحرب أيضًا غيّرت نظرة الناس لبعضهم. أصبح المجتمع أكثر انقسامًا، ليس سياسيًا فقط، بل نفسيًا: بين من يملك القليل ومن لا يملك شيئًا، بين من استطاع النجاة ومن خسر كل شيء، بين من هاجر ومن بقي. هذه الفجوات خلقت مشاعر مقارنة، غيرة، حقد صامت، وشعورًا بالظلم الاجتماعي. علم النفس الاجتماعي يوضح أن هذه المشاعر تظهر بقوة في المجتمعات المنكوبة حين يغيب الإحساس بالعدالة، وحين لا توجد رواية جامعة تُشعر الجميع بأنهم في المركب نفسه.
أخطر نتيجة اجتماعية للحرب هي الاعتياد. الاعتياد على مشاهد الموت، على النزوح، على الصراخ، وعلى الألم اليومي. هذا الاعتياد لا يعني أن المجتمع قوي، بل أنه يعيش في حالة استنزاف قصوى. ومع الاعتياد، تتشوّه صورة الإنسان الغزّي في نظر الخارج، فيُوصف بالقسوة أو التبلّد، بينما الحقيقة أن هذا الإنسان استُنزف نفسيًا واجتماعيًا إلى حدٍّ لم يعد يسمح له بالشعور كما كان.
الخلاصة أن ما نراه اليوم في المجتمع الغزّي من ظواهر مؤلمة ليس انحرافًا أخلاقيًا، بل نتيجة مباشرة لحرب طويلة كسرت البنية الاجتماعية، وأرهقت النفس الجماعية. فهم هذه الظواهر من منظور علم النفس الاجتماعي ليس تبريرًا لها، بل خطوة ضرورية لإعادة بناء المجتمع بعد الحرب. لأن المجتمع الذي لا يفهم جراحه، سيُعيد إنتاجها.
في المقال القادم، سننتقل إلى علم النفس الإكلينيكي، لنفهم ماذا فعلت الحرب بالنفس الفردية، بالاكتئاب، القلق، الصدمة، وبالإنسان الغزّي من الداخل.
بي دي ان |
26 ديسمبر 2025 الساعة 09:51م
في الظروف الطبيعية، يقوم المجتمع الغزّي على روابط قوية: العائلة الممتدة، الجيرة، التكافل، الحسّ الجمعي، والشعور بأن “الناس لبعض”. لكن الحرب كسرت هذا التوازن. ليس لأن الناس تغيّروا أخلاقيًا، بل لأن البيئة نفسها أصبحت عدائية للعلاقات الإنسانية. حين يعيش الإنسان في تهديد دائم، يصبح تفكيره موجّهًا نحو النجاة الفردية قبل أي شيء آخر، وهذه حقيقة يؤكدها علم النفس الاجتماعي، لا حكمًا أخلاقيًا على الناس.
أول ما ضربته الحرب هو الثقة الاجتماعية. الخوف، والنزوح، وشحّ الموارد، جعل الناس أكثر شكًا، أكثر حذرًا، وأقل استعدادًا للمشاركة. في علم النفس الاجتماعي يُعرف هذا السلوك بأنه استجابة طبيعية لبيئات الندرة، حيث يتحول العقل الجمعي من “نحن” إلى “أنا وعائلتي فقط”. هنا تبدأ العلاقات بالتآكل، ليس بسبب أن الناس أنانيون، بل لأن الإحساس بالأمان الجماعي انهار، ولم يعد أحد يضمن أن التضحية اليوم لن تعني الهلاك غدًا.
مع النزوح المتكرر، ظهرت توترات غير مألوفة داخل العائلات نفسها. الضغط الشديد، فقدان الخصوصية، العيش في أماكن مزدحمة، كلها عوامل تؤدي إلى ارتفاع مستويات الغضب، والعصبية، والعنف اللفظي، وأحيانًا الجسدي. علم النفس الاجتماعي يفسّر ذلك بأن الإنسان عندما يُحرم من السيطرة على حياته، يبحث عن أي مساحة يشعر فيها بالقوة، وغالبًا تكون هذه المساحة داخل علاقاته القريبة، للأسف. وهكذا تتحول الأسرة، التي يفترض أن تكون ملاذًا، إلى ساحة تفريغ نفسي قاسٍ.
كذلك، طفت على السطح سلوكيات اجتماعية صادمة: قسوة في التعامل، لامبالاة تجاه ألم الآخرين، غياب التعاطف أحيانًا، أو حتى لوم الضحية. هذه الظواهر لا تعني أن المجتمع “فسد”، بل تعكس ما يُسمّى في علم النفس الاجتماعي بـ التبلّد الانفعالي الجمعي. حين يتعرض الإنسان لكمّ هائل من الألم يوميًا، يصبح غير قادر على التفاعل مع كل مأساة، فيغلق مشاعره كآلية دفاع. المشكلة أن هذا الإغلاق، مع الوقت، يُفهم خطأً على أنه قسوة.
ومن أخطر ما كشفته الحرب هو تفكك المعايير الاجتماعية. ما كان مرفوضًا أخلاقيًا في السابق، أصبح أحيانًا مبرَّرًا بحجة الظروف. الكذب، الاستغلال، التعدّي، أو حتى التخلي عن الآخر، بات يُغلف بجملة واحدة: “الوضع صعب”. علم النفس الاجتماعي لا يبرر هذه السلوكيات، لكنه يشرح كيف تؤدي الفوضى الطويلة وغياب المحاسبة إلى تآكل الضوابط الاجتماعية، حيث يفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية تدريجيًا.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن الحرب أظهرت أيضًا تضامنًا استثنائيًا. مبادرات فردية، مساعدة الغرباء، تقاسم الطعام، التعليم في الخيام، وكلها تعكس ما يسميه علماء النفس الاجتماعي الهوية الجمعية تحت التهديد. حين يشعر الناس بأنهم جميعًا مستهدفون، يتعزز الإحساس بالانتماء. لكن المشكلة أن هذا التضامن يعيش صراعًا دائمًا مع الإنهاك. فكلما طال أمد الحرب، تراجع التضامن أمام التعب، وبدأ الناس ينسحبون اجتماعيًا، لا كخيانة، بل كاستنزاف.
الحرب أيضًا غيّرت نظرة الناس لبعضهم. أصبح المجتمع أكثر انقسامًا، ليس سياسيًا فقط، بل نفسيًا: بين من يملك القليل ومن لا يملك شيئًا، بين من استطاع النجاة ومن خسر كل شيء، بين من هاجر ومن بقي. هذه الفجوات خلقت مشاعر مقارنة، غيرة، حقد صامت، وشعورًا بالظلم الاجتماعي. علم النفس الاجتماعي يوضح أن هذه المشاعر تظهر بقوة في المجتمعات المنكوبة حين يغيب الإحساس بالعدالة، وحين لا توجد رواية جامعة تُشعر الجميع بأنهم في المركب نفسه.
أخطر نتيجة اجتماعية للحرب هي الاعتياد. الاعتياد على مشاهد الموت، على النزوح، على الصراخ، وعلى الألم اليومي. هذا الاعتياد لا يعني أن المجتمع قوي، بل أنه يعيش في حالة استنزاف قصوى. ومع الاعتياد، تتشوّه صورة الإنسان الغزّي في نظر الخارج، فيُوصف بالقسوة أو التبلّد، بينما الحقيقة أن هذا الإنسان استُنزف نفسيًا واجتماعيًا إلى حدٍّ لم يعد يسمح له بالشعور كما كان.
الخلاصة أن ما نراه اليوم في المجتمع الغزّي من ظواهر مؤلمة ليس انحرافًا أخلاقيًا، بل نتيجة مباشرة لحرب طويلة كسرت البنية الاجتماعية، وأرهقت النفس الجماعية. فهم هذه الظواهر من منظور علم النفس الاجتماعي ليس تبريرًا لها، بل خطوة ضرورية لإعادة بناء المجتمع بعد الحرب. لأن المجتمع الذي لا يفهم جراحه، سيُعيد إنتاجها.
في المقال القادم، سننتقل إلى علم النفس الإكلينيكي، لنفهم ماذا فعلت الحرب بالنفس الفردية، بالاكتئاب، القلق، الصدمة، وبالإنسان الغزّي من الداخل.