غزة تحت الركام المعرفي: تدمير الجامعات واغتيال العقول ومحو الذاكرة الفلسطينية

بي دي ان |

20 ديسمبر 2025 الساعة 03:20م

الكاتب
لم تكن الحرب على قطاع غزة مواجهة عسكرية عابرة أو صراعًا محدود الأهداف، بل جاءت بوصفها حربًا شاملة استهدفت الإنسان الفلسطيني في جوهره: حياته، وذاكرته، ومستقبله. وفي قلب هذا الاستهداف، برز نمط بالغ الخطورة يمكن توصيفه بـ إبادة البنية التحتية للمعرفة، حيث تحولت الجامعات والمدارس والمراكز البحثية، بل والعقول المنتجة للعلم، إلى أهداف مباشرة ومقصودة.
إن استهداف المعرفة في غزة لا يعني تعطيل التعليم مؤقتًا أو تدمير منشآت أكاديمية فحسب، بل يعني ضرب القدرة على إعادة إنتاج المجتمع ذاته، وتجفيف منابع الوعي، وحرمان الأجيال القادمة من أدوات الفهم والبناء والنهوض.

*تدمير الجامعات: الاستهداف بلا تمييز*
من أبرز سمات العدوان على غزة أن التدمير طال جميع الجامعات دون استثناء، بغضّ النظر عن تبعيتها أو مرجعيتها الفكرية أو السياسية. الجامعات الحكومية والأهلية، الدينية والمدنية، تلك التي تُحسب على هذا الاتجاه أو ذاك، جميعها تعرضت للقصف أو التدمير الكلي أو الجزئي.
الجامعة الإسلامية في غزة، جامعة الأزهر، جامعة الأقصى، وغيرها من الصروح الأكاديمية، شهدت دمارًا واسعًا شمل القاعات الدراسية، المختبرات، المكتبات، المراكز البحثية، والبنية التكنولوجية. هذا الاستهداف الشامل يدحض أي ادعاء بأن العدوان كان موجّهًا ضد فصيل بعينه، ويؤكد أن الجامعة بوصفها مؤسسة لإنتاج الوعي والمعرفة كانت هدفًا بحد ذاتها.
فالجامعة في السياق الغزّي ليست مجرد مكان للتدريس، بل فضاء لصناعة النخب، وحاضنة للتفكير النقدي، وركيزة من ركائز الصمود المجتمعي. وتدميرها يعني تعطيل مشروع اجتماعي وثقافي طويل الأمد.

*المدارس وحق التعليم تحت النار*
لم يتوقف الاستهداف عند التعليم العالي، بل امتد ليشمل المدارس الحكومية ومدارس وكالة الأونروا التي تشكل العمود الفقري للتعليم الأساسي في قطاع غزة. مئات المدارس دُمرت كليًا أو جزئيًا، أو خرجت عن الخدمة نتيجة القصف أو تحويلها إلى مراكز إيواء.
هذا الواقع حرم مئات الآلاف من الأطفال من حقهم في التعليم الآمن، وألقى بجيل كامل في فراغ تعليمي ونفسي خطير. إن استهداف التعليم الأساسي هنا ليس تفصيلًا هامشيًا، بل جزء من هندسة مستقبل هش قائم على الانقطاع المعرفي والتشوه النفسي.
*اغتيال العقول: حين يصبح العالِم هدفًا*
يتخذ استهداف المعرفة بعدًا أكثر فجاجة حين لا يقتصر على المؤسسات، بل يطال حملة المعرفة أنفسهم. فقد شهد قطاع غزة اغتيال واعتقال عدد من أبرز الأكاديميين والعلماء، في رسالة واضحة بأن العقل الفلسطيني بات هدفًا مباشرًا.
من بين هؤلاء البروفيسور سفيان تايه، رئيس الجامعة الإسلامية في غزة، وأحد أبرز علماء الفيزياء عالميًا، وصاحب إسهامات بحثية متقدمة رغم الحصار. اغتياله لم يكن فقدانًا لشخصية أكاديمية فحسب، بل خسارة لتجربة علمية فلسطينية كانت تخترق العزلة وتنافس عالميًا.
كما استُهدف الدكتور رفعت العرعير، الأكاديمي في قسم اللغة الإنجليزية، والمثقف الذي حمل الرواية الفلسطينية إلى الفضاء الثقافي والأدبي العالمي، جامعًا بين الأكاديمية والإبداع والموقف الأخلاقي. اغتياله شكّل إسكاتًا لصوت معرفي كان يُجيد مخاطبة العالم بلغته.
ويبرز كذلك الدكتور عدنان البرش، المحاضر في كليات الطب في الجامعات الفلسطينية، الذي اعتُقل ثم استُشهد لاحقًا تحت التعذيب. هذه الجريمة تكشف بعدًا آخر للاستهداف، يتمثل في تحييد الكفاءات الطبية والعلمية التي تشكل عنصرًا حيويًا في صمود المجتمع خلال الحرب.
*الهجرة القسرية: تفريغ غزة من نخبها*
يتكامل مشهد الإبادة المعرفية عبر سياسة أقل صخبًا وأكثر خطورة: الهجرة القسرية للعقول. ففي الوقت الذي تفرض فيه سلطات الاحتلال حصارًا مشددًا يمنع الغالبية الساحقة من سكان غزة من حرية السفر، فُتحت مسارات استثنائية أمام بعض الأكاديميين وأصحاب الكفاءات، أتاحت لهم مغادرة القطاع عبر مطار ريمون الإسرائيلي، ضمن ترتيبات شملت التعاقد مع جامعات ومؤسسات خارج فلسطين، ولا سيما في أوروبا.
تكشف هذه السياسة عن هدف مزدوج: حرمان المجتمع من نخبه، ودفع هؤلاء الأفراد إلى الخروج النهائي في ظل بيئة تعليمية وبحثية مدمَّرة. وتشير شهادات إلى أن بعض المغادرين أُجبروا على التوقيع على تعهدات بعدم العودة إلى قطاع غزة، ما يجعل الهجرة هنا أداة تفريغ معرفي لا خيارًا حرًا.

*ما وراء المبنى: تدمير الأرشيف والذاكرة الوطنية*
لا يكتمل فهم استهداف المعرفة في غزة دون التوقف عند تدمير الأرشيفات والمكتبات والوثائق النادرة. فالقصف لم يهدم المباني فقط، بل أتلف عشرات الآلاف من الكتب والمجلات العلمية والمراجع النادرة التي تراكمت عبر عقود.
ومن أخطر ما فُقد في هذا السياق آلاف الوثائق والمقابلات الشفوية التي أنجزها مركز التاريخ الشفوي والتراث الفلسطيني، وهو مركز بحثي تخصص في توثيق مختلف مراحل القضية الفلسطينية عبر شهادات حية وروايات موثقة. هذه المواد، التي أُنجزت وفق مناهج علمية دقيقة، اختلطت بالركام تحت القصف، وضاعت معها ذاكرة وطنية كاملة يصعب تعويضها.
إن تدمير الأرشيف ليس خسارة معرفية فحسب، بل هو محو متعمد للشهادة التاريخية، وقطع للصّلة بين الأجيال، وإضعاف للقدرة على كتابة التاريخ الفلسطيني بأدواته الأصلية.

*إفشال الفخ: الوعي المجتمعي وإعادة بناء المعرفة*
في مقابل هذا الاستهداف المركّب للبنية التحتية للمعرفة، تبرز ضرورة تنبه المجتمع الفلسطيني في غزة إلى خطورة الفخ الإسرائيلي الذي يسعى إلى تفريغ القطاع من مؤسساته العلمية وعقوله المنتجة، سواء عبر التدمير المباشر أو عبر الهجرة القسرية أو تعطيل مسارات التعليم.
إن إفشال هذا الفخ يمرّ، بالدرجة الأولى، عبر الإسراع في إعادة إعمار الجامعات والمؤسسات التعليمية والعلمية، ولو بالحد الأدنى من الإمكانات، وإعادة تشغيل العملية التعليمية باعتبارها أولوية وطنية لا تقل أهمية عن الإغاثة المادية. فاستعادة التعليم هي استعادة للزمن الطبيعي للمجتمع، وإعلان واضح بأن الحرب على المعرفة لن تحقق أهدافها.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل استهداف الاحتلال لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عن هذا المشروع. فالهجمة السياسية والإعلامية المتصاعدة ضد الوكالة تهدف، في أحد أبعادها المركزية، إلى شلّ مسيرة التعليم والمعرفة في قطاع غزة، باعتبار الأونروا المزود الرئيسي للتعليم الأساسي لمئات الآلاف من الطلبة. إن إضعاف الوكالة أو تعطيل دورها يعني دفع التعليم نحو الانهيار، وتعميق الفجوة المعرفية، وخلق جيل محروم من حقه في التعلم المنظم.
ومع ذلك، فإن المشهد الغزّي يكشف عن وعي شعبي ومؤسسي لافت بخطورة هذا المسار. فما نشهده من محاولات حثيثة لإعادة فتح الجامعات، واستئناف الدراسة رغم الدمار، يؤكد أن المجتمع الفلسطيني لا يتعامل مع التعليم بوصفه ترفًا مؤجلًا. فقد لجأت بعض الجامعات، وفي مقدمتها الجامعة الإسلامية وغيرها، إلى إقامة الخيام بوصفها قاعات دراسية مؤقتة، في ظل الحصار ومنع إدخال مواد البناء، في رسالة واضحة مفادها أن المعرفة يمكن أن تُدرَّس تحت القصف، ولكن لا يمكن اقتلاعها.
*خاتمة*
ما جرى في غزة ليس مجرد حرب على الجغرافيا أو البنية العمرانية، بل حرب على المعرفة والذاكرة والمستقبل. تدمير الجامعات، اغتيال الأكاديميين، تهجير العقول، إتلاف الأرشيفات، ومحاصرة التعليم عبر استهداف الأونروا، كلها حلقات في مشروع متكامل يهدف إلى إفراغ المجتمع من أدوات وعيه وقدرته على النهوض.
غير أن التجربة الغزّية، بما تحمله من قسوة، تكشف في المقابل عن قدرة استثنائية على المقاومة المعرفية. فإعادة فتح الجامعات، والتدريس في الخيام، والإصرار على استمرار التعليم رغم الركام، كلها شواهد على أن المعرفة، وإن كانت هدفًا للحرب، فإنها في الوقت ذاته أداة للصمود وإعادة البناء.
إن الدفاع عن التعليم، وإعادة إعمار المؤسسات الأكاديمية، وحماية الأرشيف الوطني، ليست قضايا نخبوية، بل معركة وجودية تتعلق بحق الشعب الفلسطيني في امتلاك مستقبله. وغزة، وهي تقف اليوم تحت الركام، تُقدّم للعالم درسًا مفاده أن المعرفة قد تُستهدف، لكنها لا تُهزم.

• رئيس مركز التاريخ الشفوي والتراث الفلسطيني بالجامعة الاسلامية بغزة – فلسطين