صفقة القرن لم تفشل وبالأدلة

بي دي ان | 29 يوليو 2021 الساعة 06:24م

  • مشاركة

د. مونتجمري حور

  • رابط مختصر تم النسخ

                     Dr. Montgomery Howwar    
عكفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ 2017 على إعداد خطة للسلام في الشرق الأوسط لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، على أن يتم تقديمها رسمياً مطلع 2018، وتم تأجيل ذلك عدة مرات. تبنى ترامب هذه الصفقة بالكامل لصالح دولة إسرائيل، وعرفت آنذاك بأنها "سلام من أجل الازدهار"، معلنا نكسة جديدة بحق الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ركزت الصفقة في أساسها على دمج إسرائيل بالكامل في المنطقة واعتبارها شريكاً وحليفاً استراتيجياً في مواجهة تحديات ومخاطر عديدة أبرزها الخطر الإيراني وتناولت عدم تقسيم القدس وضم الأغوار لصالح الإحتلال الإسرائيلي وقضية الأسرى الفلسطينيين وبنود كثيرة تعتبر ظالمة للفلسطينيين، وهذا يعني أنها قدمت استراتيجية شاملة لكل القضايا في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وهنا تكمن أهمية هذه الصفقة وخطورتها.
جاءت هذه الخطة في وقت كان فيه الفلسطينيون غير مستعدين لعدة أسباب يأتي في مقدمتها انقلاب حركة حماس الذي أدى إلى إحداث شرخ كبير داخل المجتمع الفلسطيني وتمزيق أواصر العلاقات داخل بين أبناء الشعب الواحد وانتشار لغة التخوين والتكفير، تلاه خلافات داخل البيت الفتحاوي الواحد التي قسمت هي الأخرى الموقف الفلسطيني بطريقة أو بأخرى، ناهيك عن المتغيرات غير المستقرة في المنطقة العربية برمتها وافتعال الأزمات، أما إسرائيل فهي في أفضل حالاتها.
رفضت القيادة الفلسطينية في رام الله هذه الصفقة رفضاً قاطعاً وحاربتها جدياً ووصل الحد إلى إعلان واضح من الرئيس محمود عباس إلى تحدي الولايات المتحدة وقطع الاتصالات معها واعتبارها جهة منحازة بالكامل لإسرائيل، وبات واضحا للجميع بما فيهم الإسرائيليين ومن خلال جولات التفاوض مع السلطة الوطنية الفلسطينية منذ التوقيع على اتفاق إعلان المبادئ عام 1993 والذي يعرف تداولاً باتفاق أوسلو، أن القيادة الفلسطينية لن تقبل بأقل من دولة ذات سيادة على حدود الرابع من حزيران/ يونيو وعاصمتها القدس الشرقية مع عدم الانتقاص من الحقوق الفلسطينية وهو ما ساهم في توقع الغالبية بفشل صفقة القرن التي لم يتم الاعلان عنها، رغم الإشارات الإيجابية وقتها لنجاحها وأقوى الداعمين لمواقف السلطة الفلسطينية الراسخة هما الأردن ومصر.
 لعبت المملكة الأردنية الهاشمية دوراً بارزاً في رفض هذه الخطة وسعت إلى عدم نجاحها، كما اتخذت مواقفاً شجاعة وقوية على الأرض، وتحركت في كافة الاتجاهات وعلى كافة الصعد لعدم انجاح الصفقة، ولا يزال الموقف الأردني ثابتاً في دعمه لحل الدولتين بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران عام 1967.
من جهتها، رفضت جمهورية مصرالعربية الصفقة رفضاً مطلقاً وأكدت أنها تنتقص من حقوق الشعب الفلسطيني وثوابته الوطنية، ولا تزال هي الأخرى تدعم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود حزيران 1967. وأنوه هنا على عجالة أن حجم التحديات والمخاطر المعلنة منها وغير المعلنة التي تحدق بمصر الكنانة كبيرة جداً وأن المهام التي تناضل من أجلها الدبلوماسية المصرية هي مهام ثقيلة ومتشعبة، والأمر يتعدى قضية سد النهضة الذي تحاول أثيوبيا إلى فرضه كأمر واقع على الأشقاء المصريين.
أمامي النص الأصلي باللغة الانجليزية لهذه الصفقة وقوامها مئة وواحد وثمانون صفحة (181 صفحة) بتفصيلاتها لكافة قضايا الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. لن أتطرق لكل القضايا المطروحة لضيق المساحة المتاحة أمامي في كتابة هذا المقال وسأذهب لهدفي الرئيس مباشرة.
بعد دراسة مفصلة أجريتها لصفقة القرن، أقول بكل ثقة ومسئولية أنها لم تفشل وأن رفضنا المطلق لها لا يعني بالضرورة فشلها المطلق، ودليلي على ذلك ما ورد في الفصل التاسع عشر (القسم التاسع عشر) من الصفقة وتحديداً في الصفحة 36 و 37. أشار الفصل التاسع عشر بأكمله إلى المشاريع الٌإقتصادية المنوي عقدها في المنطقة ونوهت إلى ضرورة دمج إسرائيل دمجاً كلياً وحثت دول المنطقة على التعاون الكامل مع دولة إسرائيل بما "يعود بالفائدة على جميع دول المنطقة" فعلى سبيل المثال، طالبت الصفقة "أن تكون هناك رحلات طيران بين دول عربية وإسرائيل لتعزيز السياحة ولتمكين العرب من زيارة الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية داخل إسرائيل. (صفقة القرن، ص 36) 

  وتناولت الصفقة ( صفقة القرن، الفقرة الرابعة، صفحة 37) حديثاً عن المخاطر التي تشكلها إيران في المنطقة وتذكَر الجميع في المنطقة بالهجوم الإيراني على منشآت أرامكو السعودية في عام 2019، وفي الفقرة الخامسة من نفس الصفحة تناولت الخطة "إدراك إسرائيل والدول العربية للمصالح المشتركة في حربهم ضد الجماعات والمنظمات الإرهابية والخطر الذي تفرضه إيران" كما أكدت أنهم " يواجهون تحديات أمنية متشابهة في البحر المتوسط والبحر الأحمر" وأن عليهم " العمل سوياً من خلال الولايات المتحدة الامريكية لحماية حرية الملاحة عبر الممرات الدولية"، وأكدت الخطة على ضرورة ملحة بأن تقوم " دولة فلسطين وجمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية ودولة إسرائيل (ولمن ترغب من دول المنطقة في الانضمام) بتشكيل منظمة للتعاون الأمني في الشرق الأوسط على غرار المنظمة الأوروبية". (صفقة القرن، آخر فقرة من صفحة 37).
أقول للقيادة الشرعية في رام الله، يمكننا أن نستخلص من الفصل التاسع عشر من صفقة القرن بأن الصفقة التي رفضناها، يتم تطبيقها حالياً على الأرض: شهدنا رحلات طيران بين دول عربية وإسرائيل، وشهدنا زيارات من العرب للأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية داخل إسرائيل وشهدنا تطبيعاً من بعض الدول العربية،  وبالبحث والتنقيب، أقول بكل ثقة ومسئولية أن الولايات المتحدة الأمريكية نجحت بالفعل في دمج إسرائيل في المنطقة دمجاً كلياً وبطريقة غير مسبوقة وهذا ما ستشهده المنطقة لاحقا (سأتناول ذلك في مقال لاحق أيضاً وبالأدلة). بالإضافة إلى ذلك، بدأت المشاريع الاقتصادية التي أشارت لها صفقة القرن، منها مشاريع البنى التحتية التي هي في قيد التنفيذ الآن في إسرائيل والتي تدعمها دولاً عربية خليجية واستثمارات عربية. كل هذه الإجراءات هي جزء من بنود من صفقة القرن، ناهيك عن تشكل تحالفات جديدة في المنطقة والسعي وراء إبرام اتفاقيات تجارية فيها.
 كل الحلول التي تعرض علينا بل والتي ستعرض علينا هي حلول اقتصادية ستنخرط فيها دول المنطقة ودول العالم، والجميع يتحرك الآن وفق مصالحه. يأتي ذلك في وقت تواجه فيه الدول العربية تحديات جسام. إن الجلوس في الزاوية والاستسلام لحالة الجمود التي وصلنا لها كفلسطينيين وكقيادة فلسطينية ليس أمراً صحياً وعلينا الهروب للأمام بدراسة كل ما هو مطروح وعند الحاجة له، علينا أن نكون جاهزين لوضعه على الطاولة، وأقترح على السلطة الوطنية الفلسطينية عدة خطوات مهنية والتي أصبحت من ضروريات المواجهة للمضي قدماً في العملية السلمية بأن تقوم بالتجهيز بالتالي:
• قراءة التوجه العالمي الجديد تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وتقييم المتغيرات الجديدة على الأرض.
• إعادة دور منظمة التحرير والاحتماء بها وهذه أكبر الخطوات وأهمها.
• رأب الصدع داخل حركة فتح.
• رصد وتحليل مواقف اللاعبين الأساسيين على المستوى الإقليمي وهم إسرائيل وتركيا وإيران.
• رصد وتحليل وتقييم، على المستوى الدولي، التقدم الذي تحرزانه الصين وروسيا.
• إعادة المحاولة لتحقيق المصالحة مع حركة حماس للخروج ببرنامج سياسي واضح وهذا برأيي يصعب حدوثه على الأقل حالياً لرفع حركة حماس من سقف مطالبها والتعامل بروح المنتصر.
• مناقشة دمج الحركات الفلسطينية الإسلامية، حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي في منظمة التحرير وفق برنامج سياسي واقعي يتوافق مع البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية. 
• الاستعانة بلجان فلسطينية من خبراء فلسطينيين في مجال الاقتصاد لدراسة كافة المشاريع التي سيتم طرحها في المنطقة، خصوصاً وأن بعضاً منها قد بدأ بالفعل، وإمكانية الاستفادة منها من عدمه.
• إعادة النظر في تحالفاتنا الحالية وبحث إمكانية إضافة أطراف أخرى. 
• عدم الدخول في انتفاضة فلسطينية ثالثة فنحن منهكون ومغيبون عن الواقع. لقد أوصلنا الانقسام اللعين الذي انتهجته حركة حماس إلى اللهث وراء كابونة مساعدات لا تسمن ولا تغني من جوع.
• علينا إعلان انتهاء، بل موت حل الدولتين جراء كل الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل على الأرض وأظنها نجحت في قتل هذا الحل. 

استكمالاً لاثبات وجهة نظري، سأقدم سلسلة من مقالات لاحقة تلقي الضوء على مدى تطبيق صفقة القرن على الأرض عبر عرض وتقديم المشاريع التي بدأت بالفعل وٍسأتناول ماهية دمج إسرائيل في المنطقة وسيتركز الجهد على إسرائيل والدور التركي على المستويين الإقليمي والدولي، والمساعي الصينية والأخرى الروسية. إن فهمنا لحقيقة ما يدور حولنا سيرفع الغمام عن أعيننا وسيساهم حتماً في تبنينا لخيارات جديدة تصب في المصلحة العليا للشعب الفلسطيني.
يتبع،،،

التقارير

المزيد

الأعلانات

المزيد