هل نحن أمام تحول تاريخي أم مجرد وهم سياسي؟ قراءة في المشهد الحالي..
بي دي ان |
26 مارس 2026 الساعة
12:30م
الكاتب
في خضم التصعيد المتسارع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، يتصاعد خطاب واسع في الفضاء العام يتساءل عمّا إذا كانت المنطقة تقف على أعتاب لحظة تاريخية فاصلة، لحظة تنقلب فيها موازين القوى دفعة واحدة، فتتراجع الهيمنة الأمريكية وتنكفئ إسرائيل إلى الخلف، وتصطف المنطقة بأكملها في مواجهة المحور الأمريكي الإسرائيلي ، غير أن هذا التصور، رغم جاذبيته العاطفية، يصطدم بواقع سياسي أكثر تعقيدًا بكثير مما توحي به الشعارات؛ فالشرق الأوسط ليس كتلة متشابهة يمكن أن تتحرك بإرادة واحدة، بل هو شبكة متداخلة من الدول ذات المصالح المتباينة، منها ما يرتبط بتحالفات استراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة، ومنها ما يسعى إلى التوازن بين القوى، ومنها ما هو غارق في صراعاته الداخلية أو الإقليمية، وهو ما يجعل فكرة الاصطفاف في مواجهة المحور الأمريكي الإسرائيلي أقرب إلى الطموح النظري منها إلى الإمكانية العملية في المدى القريب ، وفي السياق ذاته، يختزل البعض من المحللين الخطاب السياسي المشهد في شخصية ترامب، باعتبارها مركز القرار الأمريكي، وكأن أي ارتباك أو تناقض في تصريحاته يعني تراجعًا بنيويًا في قوة أمريكا، بينما الحقيقة أن السياسة الأمريكية تُدار عبر منظومة مؤسساتية عميقة الجذور تشمل البنتاغون والكونغرس وأجهزة الاستخبارات، وهي منظومة قادرة على امتصاص تقلبات الأفراد وإعادة إنتاج الاستراتيجية ضمن إطار مصالح أمريكا العليا، ولذلك فإن الحديث عن سقوط النفوذ الأمريكي بناءً على أداء إدارة أو رئيس يفتقر إلى الدقة التحليلية، وبالمقابل، فإن إسرائيل، بقيادة شخصيات مثل نتنياهو، تبدو اليوم في وضع مركب يجمع بين القوة والتآكل في آن واحد؛ فهي لا تزال تحتفظ بتفوق عسكري وتقني ودعم غربي متين، وعلاقات إقليمية آخذة في التوسع، لكنها في الوقت نفسه تواجه تآكلًا متزايدًا في صورتها الدولية، وضغطًا شعبيًا عالميًا متصاعدًا، وتحديات أمنية لا يمكن إنكارها، وهو ما يجعل الحديث عن انكفائ إسرائيل الفوري مبالغًا فيه، لكنه لا ينفي وجود مسار تراكمي قد يفرض عليها إعادة حسابات في المستقبل، ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل التحول الملحوظ في المزاج الشعبي، سواء داخل المنطقة أو عالميًا، حيث يتزايد التعاطف مع قضايا مثل فلسطين ولبنان وحتى إيران ، وتتوسع دائرة الانتقاد للسياسات الإسرائيلية والأمريكية، غير أن هذا التحول، على أهميته، لا يترجم بالضرورة إلى قرارات سياسية مباشرة، لأن الدول لا تتحرك وفق العواطف بل وفق حسابات الأمن والاستقرار والمصالح الاقتصادية وتوازنات الطاقة، وهو ما يفسر الفجوة المستمرة بين الشارع وصانع القرار، وفي هذا الإطار، يبرز أيضًا خطاب يتحدث عن نهاية الأطماع الإمبريالية في المنطقة، وهو خطاب يتكرر تاريخيًا مع كل أزمة كبرى، لكنه يتجاهل حقيقة أن التنافس على النفوذ لا يختفي بل يتغير شكله، فبدل التدخل العسكري المباشر نشهد اليوم أدوات أكثر تعقيدًا تشمل النفوذ الاقتصادي، والتحكم في مسارات الطاقة، والتأثير السياسي والتكنولوجي، ما يعني أن الصراع مستمر لكنه يعيد تشكيل نفسه بأدوات جديدة، وإذا انتقلنا إلى قراءة الواقع الميداني بعيدًا عن الخطاب، نجد أن الأسئلة الحاسمة لا تزال بلا إجابات حاسمة: لم يتم تغيير النظام في إيران، ولم يتم القضاء على برنامجها النووي أو الصاروخي، ولم تحقق إسرائيل حالة أمان مطلقة، كما أن القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة ليست بمنأى عن التهديد، ولا توجد حتى اللحظة نهاية واضحة للحرب، وهو ما يشير إلى أننا أمام حالة استنزاف متبادل لا نصر فيها حاسم لأي طرف، بل إدارة للصراع أكثر من حسم له، أما فيما يتعلق بدول الخليج وبعض الدول العربية، فقد نجحت الولايات المتحدة إلى حد كبير في ترسيخ تصور استراتيجي يعتبر إيران التهديد الأكبر، وهو تصور يتقاطع مع مخاوف أمنية حقيقية، لكنه في الوقت ذاته يربط هذه الدول بمنظومة تحالفات تجعل الانفكاك الكامل عنها قرارًا بالغ التعقيد سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، وهو ما يفسر استمرار هذا التوازن الحذر بين الاعتماد والقلق، وفي ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن المنطقة لا تتجه نحو لحظة انهيار مفاجئ لمنظومة قائمة بقدر ما تتجه نحو إعادة تشكيل بطيئة ومعقدة لموازين القوى، حيث لا يسقط اللاعبون الكبار دفعة واحدة، ولا تنتصر الأطراف دفعة واحدة، بل تتغير المواقع تدريجيًا تحت ضغط الزمن والاستنزاف والتحولات الدولية، وبينما يبقى الأمل مشروعًا في تحولات أكثر عدلًا، فإن القراءة الواقعية تفرض نفسها لتؤكد أن ما نعيشه ليس نهاية مرحلة بقدر ما هو مخاض طويل لإعادة ترتيبها، مخاض قد يحمل مفاجآت، لكنه لا يخضع لمنطق التمنّي الشعبوي بقدر ما تحكمه معادلات القوة والمصلحة.
بي دي ان |
26 مارس 2026 الساعة 12:30م