عندما يصبح المؤرخ شاهداً على إبادة مجتمعه..
شهادة أكاديمي من غزة عن الحرب على الإنسان والذاكرة (2023–2025)
بي دي ان |
17 مارس 2026 الساعة
09:08م
الكاتب
في الحروب لا يُقتل الناس فقط، بل تُصاب الذاكرة أيضاً، ويصبح الناجون هم أمناء التاريخ.
نبذة عن صاحب الشهادة
أستاذ شرف في التاريخ، وباحث متخصص في التاريخ الاجتماعي والتاريخ الشفوي، مع اهتمام خاص بدراسة أثر الحروب على البنية المعرفية والتعليمية للمجتمعات.
عمل لسنوات في توثيق الذاكرة الفلسطينية ومشاريع التاريخ الشفوي، وتركز اهتماماته البحثية على استهداف رأس المال الفكري وتدمير المؤسسات الأكاديمية في مناطق الصراع. تكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها تجمع بين تجربة المؤرخ الأكاديمية وتجربة الشاهد المباشر الذي عاش الحرب بكل تفاصيلها وفقد خلالها أصدقاء وأقارب، وعاش تجربة النزوح والمرض وانهيار المنظومة الصحية والتعليمية.
مقدمة: عندما يتحول التاريخ من مادة للدراسة إلى تجربة للنجاة
هناك لحظات نادرة في حياة المؤرخ يتوقف فيها عن قراءة التاريخ لأنه يجد نفسه يعيش داخله.
في السابع من أكتوبر 2023 لم تعد الحرب موضوعاً للتحليل الأكاديمي فقط بل أصبحت واقعاً يومياً أعيشه مع أسرتي ومجتمعي. لم أعد أقرأ عن المجاعات في كتب التاريخ بل أصبحت أبحث عن الطعام ولم أعد أدرس آثار الحروب على المجتمعات بل أصبحت أعيشها بكل تفاصيلها.
في تلك اللحظة ادركت أن أخطر ما في الحروب ليس فقط ما تدمره من مبان ، بل ما تتركه من ندوب في حياة الناس وذاكرتهم.
هذه الشهادة محاولة واعية لتسجيل تجربة إنسانية لأن ما لا يُكتب في زمنه قد يضيع من التاريخ.
الليلة التي لم نكن نعلم أنها وداع
في مساء السادس من أكتوبر 2023 كنت أجلس مع مجموعة من أصدقائي على شاطئ بحر غزة. كان من بينهم صديقي العزيز المؤرخ الدكتور رياض حشيش الذي جمعني به رابط العلم والصداقة ولم أكن أعلم أن تلك الجلسة ستكون آخر لقاء بيننا وأنني سأفقده لاحقاً مع اثنين من أبنائه. كما فقدت أيضاً صديقي زياد شاهين الذي استشهد مع زوجته وأطفاله الثلاث، وأيضا فقدت ذلك النسيب الاديب صاحب الخلق الرفيع زوج ابنة أخي صلاح الفيومي هو ووالده المربي الفاضل واخيه واخته في مشهد يلخص قسوة هذه الحرب، حيث لم تعد الخسارة فردية، بل أصبحت خسارة عائلات كاملة.
وخلال هذه الحرب أيضاً فقدت العشرات من أقاربي وكان من بينهم ابن أخي الطفل آدم نمر شاهين الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، والذي يمثل بالنسبة لي صورة الطفولة التي لم تمنح فرصة أن تكبر، هذه ليست مجرد أسماء بل أجزاء من حياتي تحولت إلى ذاكرة موجعة.
صباح الحرب: حين يتغير معنى الحياة
في صباح السابع من أكتوبر وبينما كنا نستعد ليوم دراسي عادي بدأت أصوات الصواريخ بشكل غير مسبوق لتتحول الحياة خلال دقائق إلى حالة من الغموض والقلق. بوصفي مؤرخاً لم يكن خوفي من بداية الحرب بل من نتائجها لأن التاريخ يعلمنا أن المجتمعات المحاصرة تدفع الثمن الأكبر في الحروب غير المتكافئة.
المجتمع في لحظة الصدمة الاولى:
ما لفت انتباهي منذ البداية التباين في ردود فعل الناس ، منهم من فرح ومنهم من خاف ومنهم من صدم ، وهي ظاهرة معروفة في علم اجتماع الصدمات الجماعية حيث تتصارع الامال مع التجارب التاريخية.
النزوح: عندما يصبح الرحيل وسيلة للبقاء
مع اشتداد القصف وصدور أوامر النزوح وجدت نفسي أمام القرار ذاته الذي واجه آلاف العائلات ، هل نبقي أم نرحل ؟ في البداية حاولت طمأنة أسرتي وجيراني ، لكن كثافة القصف جعلت القرار واضحا : النزوح لم يعد خيارا بل ضرورة.
من أصعب الليالي تلك التي كنا ننتظر فيها الصباح دون يقين أننا سنراه . أذكر أنني وضعت ماء وأدوات اسعاف بدائية قرب مكان نومي تحسبا لانهيار المبنى ، وهي تفاصيل صغيرة لكنها تعكس كيف تتحول الحياة الى ادارة يومية لاحتمال الموت.. اضطررت مع عائلتي للانتقال من غزة إلى خان يونس ثم إلى دير البلح حيث عشنا نحو خمسة عشر فرداً في ظروف صعبة. في الحروب لا يفقد الإنسان بيته فقط بل يفقد إحساسه بالأمان.
*الحياة اليومية في زمن الحرب*
تحولت الحياة إلى صراع يومي من أجل الماء والغذاء والدواء. اختفت المواد الأساسية واعتمدنا على المساعدات كما توقفت الرواتب مما خلق ضغطاً اقتصادياً هائلاً على الأسر.
المرض في زمن الحرب
تدهورت حالتي الصحية نتيجة انقطاع علاج السكري مما أدى إلى مضاعفات قلبية خطيرة. لم تكن الجراحات الكبرى متاحة وتم اللجوء إلى القسطرة والدعامات كحلول إنقاذية. علمتني هذه التجربة أن الحرب لا تقتل بالقصف فقط بل تقتل أيضاً عندما تمنع العلاج.
استهداف الإنسان: الحرب على رأس المال المعرفي
من خلال فقداني لأصدقاء أكاديميين وأقارب وأطفال أدركت أن أخطر ما في هذه الحرب لم يكن تدمير المباني بل استهداف الإنسان نفسه. لقد فقدت غزة أكاديميين وأطباء ومعلمين وطلبة وأطفالاً وهو استنزاف خطير لرأس المال المعرفي والبشري، وهو أخطر من تدمير الحجر لأن إعادة بناء الإنسان تحتاج سنوات طويلة.
الفقد الشخصي كجزء من الفقد التاريخي
حين أفكر بصديقي الدكتور رياض حشيش أتذكر نقاشاتتا العلمية والشخصية التي لم تكتمل . وحين افكر في زياد شاهين وصلاح الفيومي اتذكر اشخاصا طيبين فقدناهم مع عوائلهم بالكامل. وحين افكر في ادم أتذكر طفلا لم تتح له فرصة أن يكبر. وهنا ادرك أن الحرب لا تدمر المدن فقط ، بل تمزق الذاكرة الانسانية نفسها.
لماذا يجب توثيق هذه الشهادات؟
لأن التاريخ إن لم يُكتب من خلال شهود العيان سيبقى ناقصاً. هذه الشهادة ليست مجرد ذكرى بل وثيقة من وثائق التاريخ الشفوي حيث يصبح الإنسان نفسه أرشيفاً عندما تُدمر الأرشيفات.
الخاتمة: ما الذي يبقى بعد كل هذا؟
لقد فقدنا أصدقاء وأقارب وأطفالاً والصحة والاستقرار لكن ما بقي هو الذاكرة. وسيكتب التاريخ أن غزة لم تكن فقط قصة دمار بل قصة صمود إنساني.، بشر تمسكوا بالحياة رغم كل الظروف ، وسيكتب أيضا أن ما جرى هنا لم يكن مجرد حرب، بل محاولة لكسر الانسان، وأن ما افشل ذلك هو قدرة الانسان الفلسطيني على البقاء انسانا. أما أنا كمؤرخ فأدرك أن ما أكتبه هنا ليس فقط ذكرياتي.. بل جزء من تاريخ يجب أن يحفظ. هذه ليست مجرد شهادة شخصية بل أمانة للتاريخ وشهادة للأجيال القادمة.
كُتبت هذه الشهادة ضمن مشروع توثيق الذاكرة الحية لحرب غزة بوصفها جزءاً من التاريخ الشفوي للكارثة الإنسانية التي تعرض لها المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة.
• رئيس مركز التاريخ الشفوي والتراث الفلسطيني، الجامعة الإسلامية بغزة – فلسطين
بي دي ان |
17 مارس 2026 الساعة 09:08م
نبذة عن صاحب الشهادة
أستاذ شرف في التاريخ، وباحث متخصص في التاريخ الاجتماعي والتاريخ الشفوي، مع اهتمام خاص بدراسة أثر الحروب على البنية المعرفية والتعليمية للمجتمعات.
عمل لسنوات في توثيق الذاكرة الفلسطينية ومشاريع التاريخ الشفوي، وتركز اهتماماته البحثية على استهداف رأس المال الفكري وتدمير المؤسسات الأكاديمية في مناطق الصراع. تكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها تجمع بين تجربة المؤرخ الأكاديمية وتجربة الشاهد المباشر الذي عاش الحرب بكل تفاصيلها وفقد خلالها أصدقاء وأقارب، وعاش تجربة النزوح والمرض وانهيار المنظومة الصحية والتعليمية.
مقدمة: عندما يتحول التاريخ من مادة للدراسة إلى تجربة للنجاة
هناك لحظات نادرة في حياة المؤرخ يتوقف فيها عن قراءة التاريخ لأنه يجد نفسه يعيش داخله.
في السابع من أكتوبر 2023 لم تعد الحرب موضوعاً للتحليل الأكاديمي فقط بل أصبحت واقعاً يومياً أعيشه مع أسرتي ومجتمعي. لم أعد أقرأ عن المجاعات في كتب التاريخ بل أصبحت أبحث عن الطعام ولم أعد أدرس آثار الحروب على المجتمعات بل أصبحت أعيشها بكل تفاصيلها.
في تلك اللحظة ادركت أن أخطر ما في الحروب ليس فقط ما تدمره من مبان ، بل ما تتركه من ندوب في حياة الناس وذاكرتهم.
هذه الشهادة محاولة واعية لتسجيل تجربة إنسانية لأن ما لا يُكتب في زمنه قد يضيع من التاريخ.
الليلة التي لم نكن نعلم أنها وداع
في مساء السادس من أكتوبر 2023 كنت أجلس مع مجموعة من أصدقائي على شاطئ بحر غزة. كان من بينهم صديقي العزيز المؤرخ الدكتور رياض حشيش الذي جمعني به رابط العلم والصداقة ولم أكن أعلم أن تلك الجلسة ستكون آخر لقاء بيننا وأنني سأفقده لاحقاً مع اثنين من أبنائه. كما فقدت أيضاً صديقي زياد شاهين الذي استشهد مع زوجته وأطفاله الثلاث، وأيضا فقدت ذلك النسيب الاديب صاحب الخلق الرفيع زوج ابنة أخي صلاح الفيومي هو ووالده المربي الفاضل واخيه واخته في مشهد يلخص قسوة هذه الحرب، حيث لم تعد الخسارة فردية، بل أصبحت خسارة عائلات كاملة.
وخلال هذه الحرب أيضاً فقدت العشرات من أقاربي وكان من بينهم ابن أخي الطفل آدم نمر شاهين الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، والذي يمثل بالنسبة لي صورة الطفولة التي لم تمنح فرصة أن تكبر، هذه ليست مجرد أسماء بل أجزاء من حياتي تحولت إلى ذاكرة موجعة.
صباح الحرب: حين يتغير معنى الحياة
في صباح السابع من أكتوبر وبينما كنا نستعد ليوم دراسي عادي بدأت أصوات الصواريخ بشكل غير مسبوق لتتحول الحياة خلال دقائق إلى حالة من الغموض والقلق. بوصفي مؤرخاً لم يكن خوفي من بداية الحرب بل من نتائجها لأن التاريخ يعلمنا أن المجتمعات المحاصرة تدفع الثمن الأكبر في الحروب غير المتكافئة.
المجتمع في لحظة الصدمة الاولى:
ما لفت انتباهي منذ البداية التباين في ردود فعل الناس ، منهم من فرح ومنهم من خاف ومنهم من صدم ، وهي ظاهرة معروفة في علم اجتماع الصدمات الجماعية حيث تتصارع الامال مع التجارب التاريخية.
النزوح: عندما يصبح الرحيل وسيلة للبقاء
مع اشتداد القصف وصدور أوامر النزوح وجدت نفسي أمام القرار ذاته الذي واجه آلاف العائلات ، هل نبقي أم نرحل ؟ في البداية حاولت طمأنة أسرتي وجيراني ، لكن كثافة القصف جعلت القرار واضحا : النزوح لم يعد خيارا بل ضرورة.
من أصعب الليالي تلك التي كنا ننتظر فيها الصباح دون يقين أننا سنراه . أذكر أنني وضعت ماء وأدوات اسعاف بدائية قرب مكان نومي تحسبا لانهيار المبنى ، وهي تفاصيل صغيرة لكنها تعكس كيف تتحول الحياة الى ادارة يومية لاحتمال الموت.. اضطررت مع عائلتي للانتقال من غزة إلى خان يونس ثم إلى دير البلح حيث عشنا نحو خمسة عشر فرداً في ظروف صعبة. في الحروب لا يفقد الإنسان بيته فقط بل يفقد إحساسه بالأمان.
*الحياة اليومية في زمن الحرب*
تحولت الحياة إلى صراع يومي من أجل الماء والغذاء والدواء. اختفت المواد الأساسية واعتمدنا على المساعدات كما توقفت الرواتب مما خلق ضغطاً اقتصادياً هائلاً على الأسر.
المرض في زمن الحرب
تدهورت حالتي الصحية نتيجة انقطاع علاج السكري مما أدى إلى مضاعفات قلبية خطيرة. لم تكن الجراحات الكبرى متاحة وتم اللجوء إلى القسطرة والدعامات كحلول إنقاذية. علمتني هذه التجربة أن الحرب لا تقتل بالقصف فقط بل تقتل أيضاً عندما تمنع العلاج.
استهداف الإنسان: الحرب على رأس المال المعرفي
من خلال فقداني لأصدقاء أكاديميين وأقارب وأطفال أدركت أن أخطر ما في هذه الحرب لم يكن تدمير المباني بل استهداف الإنسان نفسه. لقد فقدت غزة أكاديميين وأطباء ومعلمين وطلبة وأطفالاً وهو استنزاف خطير لرأس المال المعرفي والبشري، وهو أخطر من تدمير الحجر لأن إعادة بناء الإنسان تحتاج سنوات طويلة.
الفقد الشخصي كجزء من الفقد التاريخي
حين أفكر بصديقي الدكتور رياض حشيش أتذكر نقاشاتتا العلمية والشخصية التي لم تكتمل . وحين افكر في زياد شاهين وصلاح الفيومي اتذكر اشخاصا طيبين فقدناهم مع عوائلهم بالكامل. وحين افكر في ادم أتذكر طفلا لم تتح له فرصة أن يكبر. وهنا ادرك أن الحرب لا تدمر المدن فقط ، بل تمزق الذاكرة الانسانية نفسها.
لماذا يجب توثيق هذه الشهادات؟
لأن التاريخ إن لم يُكتب من خلال شهود العيان سيبقى ناقصاً. هذه الشهادة ليست مجرد ذكرى بل وثيقة من وثائق التاريخ الشفوي حيث يصبح الإنسان نفسه أرشيفاً عندما تُدمر الأرشيفات.
الخاتمة: ما الذي يبقى بعد كل هذا؟
لقد فقدنا أصدقاء وأقارب وأطفالاً والصحة والاستقرار لكن ما بقي هو الذاكرة. وسيكتب التاريخ أن غزة لم تكن فقط قصة دمار بل قصة صمود إنساني.، بشر تمسكوا بالحياة رغم كل الظروف ، وسيكتب أيضا أن ما جرى هنا لم يكن مجرد حرب، بل محاولة لكسر الانسان، وأن ما افشل ذلك هو قدرة الانسان الفلسطيني على البقاء انسانا. أما أنا كمؤرخ فأدرك أن ما أكتبه هنا ليس فقط ذكرياتي.. بل جزء من تاريخ يجب أن يحفظ. هذه ليست مجرد شهادة شخصية بل أمانة للتاريخ وشهادة للأجيال القادمة.
كُتبت هذه الشهادة ضمن مشروع توثيق الذاكرة الحية لحرب غزة بوصفها جزءاً من التاريخ الشفوي للكارثة الإنسانية التي تعرض لها المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة.
• رئيس مركز التاريخ الشفوي والتراث الفلسطيني، الجامعة الإسلامية بغزة – فلسطين