الشعوب المهزومة لا تكتب تاريخها.. بل أسطورتها

بي دي ان |

12 مارس 2026 الساعة 01:07م

الكاتب
الشعوب التي تتعرض لهزيمة قاسية نادرًا ما تكتب ما حدث بلغة الهزيمة. فالهزيمة كلمة ثقيلة يصعب على المجتمعات تقبّلها، لأنها لا تعني خسارة معركة فقط، بل تعني جرحًا في الكرامة والهوية. ولهذا يظهر ما يمكن تسميته “الأسطورة”.

لكن المقصود بالأسطورة هنا ليس حكاية خيالية، بل شيء مختلف تمامًا. فالهزيمة التي كانت في الأصل حدثًا سلبيًا تُعاد صياغتها لاحقًا بلغة مختلفة: تتحول إلى صمود استثنائي، أو تضحية تاريخية، أو ملحمة بطولية. لا يتم إنكار الحدث بالكامل، بل يُعاد وصفه بطريقة تغيّر معناه في الذاكرة الجماعية، حتى يبدو وكأنه إنجاز رغم أنه في الأصل خسارة.

هذه الظاهرة ليست جديدة في التاريخ، بعد السبي البابلي قبل أكثر من ألفين وخمسمائة عام، سقطت مملكة اليهود ودُمّرت أورشليم وسُبي جزء كبير من اليهود إلى بابل. كان ذلك سقوطًا سياسيًا واضحًا أمام إمبراطورية قوية .

لكن الرواية التي تشكلت لاحقًا لم تقدّم الحدث بهذه اللغة، بل جرى تفسيره كاختبار إلهي ومرحلة في قصة تاريخية أكبر، وهكذا تحولت الكارثة كقصة بطولة من مجرد هزيمة سياسية إلى جزء من سردية دينية وتاريخية تمنح الحدث معنى مختلفًا.

هذه الآلية لا تخص شعبًا واحدًا. فمعظم المجتمعات تفعل الشيء نفسه بعد الكوارث الكبرى. فالهزيمة حين تكون قاسية تحتاج إلى معنى يساعد المجتمع على الاستمرار، لذلك تظهر الروايات البطولية التي تمنح الألم تفسيرًا أوسع من مجرد خسارة عسكرية.

لكن المشكلة ليست أن الشعوب المهزومة تكتب أساطيرها…
المشكلة أنها أحيانًا تبدأ بتصديقها.
حين يحدث ذلك، تتحول الأسطورة من وسيلة نفسية مؤقتة تساعد المجتمع على تجاوز الصدمة إلى رواية ثابتة عن التاريخ، عندها يصبح من الصعب طرح الأسئلة الصعبة: ماذا حدث فعلًا؟ ولماذا حدث؟ 

والأخطر أن الأسطورة لا تخدم المجتمع وحده، بل قد تخدم السلطة أيضًا. فحين تُقدَّم الهزيمة كقصة بطولة أو صمود، تختفي الأسئلة حول الأخطاء السياسية والعسكرية التي قادت إلى الكارثة. وهكذا تؤدي الأسطورة وظيفتين في آنٍ واحد: ترفع معنويات الناس، وفي الوقت نفسه تحمي القيادات من المساءلة.

وإذا نظرنا إلى ما يحدث اليوم في غزة، يمكن أن نرى هذه اللحظة تتشكل الآن. فالحرب التي بدأت في السابع من أكتوبر أصبحت واحدة من أكثر الحروب دمارًا في تاريخ الصراع. لكن الطريقة التي ستُروى بها هذه الحرب في المستقبل لن تكون مجرد سرد للوقائع العسكرية، بل ستتشكل عبر الروايات التي سيبنيها كل مجتمع حول ما حدث.

في إسرائيل ستُروى القصة غالبًا بوصفها صدمة أمنية كبيرة استدعت حربًا قاسية لإعادة الردع.
وفي غزة ستُروى بوصفها قصة صمود في مواجهة قوة عسكرية هائلة. 

كل مجتمع سيكتب روايته الخاصة، وكل رواية ستختار كلماتها بعناية: هل كان ما حدث هزيمة أم بطولة؟ خسارة أم تضحية؟ سقوطًا أم صمودًا؟ وهنا يظهر السؤال الأهم:
هل ستبقى هذه الروايات مجرد وسيلة لفهم الألم، أم ستتحول إلى أساطير تمنع فهم الحقيقة؟
فالشعوب تحتاج أحيانًا إلى القصص كي تحافظ على معنوياتها، لكن إذا تحولت القصة إلى بديل عن الحقيقة، قد يصبح التاريخ نفسه مشوشًا. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد أي هزيمة ليس الهزيمة نفسها… بل تحويلها إلى أسطورة لا يسمح لأحد بمراجعتها. فالهزيمة ليست أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع.
الأخطر أن يعيد كتابة هزيمته بطريقة تمنعه من فهمها.
لأن المجتمع الذي لا يفهم أسباب سقوطه…
قد يجد نفسه يكتب الأسطورة نفسها مرة أخرى.