بين مجانين يناير 1965 ومجانين أكتوبر 2023: أي جنون يخدم المشروع الوطني الفلسطيني؟
بي دي ان |
02 يناير 2026 الساعة
08:39م
الكاتب
ليست كل لحظة صادمة في التاريخ ثورية، ولا كل اندفاع غير محسوب فعل تحرر. بين مجانين يناير 1965 ومجانين أكتوبر 2023، تتكشف فجوة عميقة، ليست في النوايا، بل في النتائج السياسية، والأثمان الوطنية الباهظة، والمعنى التاريخي لما جرى وما يزال يحدث.
جنون يناير 1965 مثّل لحظة تأسيسية للثورة الفلسطينية المعاصرة، فعلاً نابعاً من الداخل، لا بالوكالة، وبمشروع تحرر وطني متكامل، لا رد فعل عابر. استطاع أصحابه رسم طريقهم من رماد النكبة، فحوّلوا القضية الفلسطينية من مجرد قضية لاجئين إلى قضية شعب له حقوق وطنية وسياسية، وحق تقرير المصير، وطموح مشروع الدولة. ومع توقيع اتفاق إعلان المبادئ (أوسلو) عام 1994، فُتح الطريق أمام القيادة الفلسطينية، والكوادر، والمناضلين للعودة إلى الوطن، تكريساً عملياً لحق العودة باعتباره حقاً تاريخياً غير قابل للتصرف وفق القانون الدولي وقرارات المنتظم الدولي.
شكّل هذا الإنجاز كسراً لجدار التهجير القسري، وإعادة الوصل بين الأرض والشعب، وبين الهوية والفعل الثوري، وخلق وعياً وطنياً تراكمت معه شرعية دولية، تُوِّجت بالقرار الأممي 67/19 في 29 نوفمبر 2012، الذي رسّخ اسم فلسطين في المحافل الدولية، وأعاد تثبيت القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني ذات جذور تاريخية وحقوق غير قابلة للتصرف.
في المقابل، تمارس سلطات الاحتلال سياسة أمر واقع في الضفة الغربية، بما فيها القدس، تشمل مصادرة الأراضي، التمدد الاستيطاني، شق الطرق الالتفافية، وتهجير قسري لسكان مخيمات شمال الضفة الغربية، وهدم أجزاء كبيرة منها، إضافة إلى التهجير القسري لسكان المناطق الرعوية المجاورة لجدار الفصل العنصري. تترافق هذه السياسات مع اعتداءات المستوطنين المدعومة من الاحتلال، وخنق المدن والمخيمات اقتصادياً واجتماعياً. الواقع في الضفة اليوم بعيد عن أي صورة وردية للحياة، إذ يشوب المجتمع الفلسطيني تراجع في فرص التنمية واستنزاف في الموارد، ما يصعب على أي مواطن تجاهله.
أما جنون أكتوبر 2023، فيقف عند الضفة الأخرى من المعادلة. فقد قاد إلى تحويل غزة إلى مساحة مدمرة أُخرجت عملياً من الحسابات السياسية المستقبلية. ووفق المصالح الدولية وخطط ما بعد الحرب، تُعامَل غزة اليوم كأنها سجادة محروقة، بلا منازل، ولا بنية تحتية، ولا منظومة تعليمية. الأخطر من الدمار المادي هو التحول الاستراتيجي في النظر إلى غزة؛ إذ يُنظر إليها في بعض التصورات الدولية كعبء إنساني، لا كجزء حي من المشروع الوطني الفلسطيني. هذا التحول لم يأت من فراغ، بل نتيجة فعل غير محسوب لم يقدّر ميزان القوى، ولا موقع السردية الفلسطينية في الوعي العالمي.
أهلنا في غزة باتوا نازحين فعلياً منذ السابع من أكتوبر 2023، بين من يعيشون في خيام تفتقر لأدنى مقومات الحياة، وبين من غادروا القطاع ضمن مسارات تهجير إلى الخارج، ويُقدّر عددهم بنحو ربع مليون فلسطيني، بينهم أطفال أيتام. تندرج هذه الوقائع ضمن خطط تُدار على نار هادئة، تقودها واشنطن بعد تحويل القطاع إلى بيئة طاردة للحياة، بما يخدم مشاريع تهجير واسعة النطاق. وهو ما يفتح الباب أمام أخطر ما يواجه الشعب الفلسطيني: تفريغ الأرض من أهلها تحت ضغط الواقع، في انتهاك جسيم لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، ولا سيما المادة 49 لصالح مشاريع استثمارية استراتيجية صِّهيو-أمريكية.
المآل السياسي لهذا المسار أخطر من الدمار المادي؛ فبدل تعزيز المشروع الوطني الفلسطيني، تظهر في الأفق صيغة هزيلة لما يمكن تسميته كياناً إبراهيمياً بلا سيادة حقيقية، بعلم وحكومة شكلية، مع احتمال إبرام اتفاقية كوفا(COFA)، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ضمن ترتيبات دولية، وتسويقها وفق تفاهمات أمنية واقتصادية لا تمت بصلة إلى جوهر التحرر، ولا إلى الحقوق التاريخية غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني.
ورغم كل ذلك، يتضح الفرق بين الجنونين: الأول كان مؤسِّساً، أعاد الشعب إلى قلب الفعل السياسي وربط الثورة بهدف وطني جامع؛ أما الثاني، فكان مدمراً، أضعف الموقف الفلسطيني وفتح الباب أمام مشاريع تصفية ناعمة تُنفَّذ باسم إعادة الإعمار أو الحلول الواقعية. حين نستعيد تجربة مجانين يناير 1965، لا بوصفها ذاكرة مُقدسة، بل كخبرة تاريخية قابلة للمساءلة، يصبح من المستحيل تجاهل اختلالات الثورة الفلسطينية اليوم، بما في ذلك الاستقطاب الداخلي الحاد، والحَرد السياسي، والمواقف الملتبسة لبعض القيادات، والتي انعكست سلباً على وحدة القرار وفعالية الأداء الوطني. استشراف مستقبل الثورة الفلسطينية المعاصرة لا يمكن أن يتم بعقل عاطفي مشدود إلى أمجاد الأمس، ولا بخطاب يبرر الأخطاء باسم التاريخ، بل بعقل نقدي مسؤول يعيد طرح الأسئلة الكبرى حول القيادة، والبرنامج، وأدوات الفعل، ومعنى النضال وصلته بهدف وطني جامع يحمي الحقوق التاريخية غير القابلة للتصرف، ويمنع تحويل الثورة من مشروع تحرر إلى عبء على شعبها.
إن المشروع الوطني الفلسطيني لا يُهزم بالقوة العسكرية وحدها، بل يُستنزف حين يُفقد العقل السياسي، وتُدار اللحظات المصيرية بلا حساب للتاريخ أو النتائج. التاريخ لا يسأل عن النوايا، بل عن الحصيلة، والمراجعة الوطنية الشاملة واجبة على الجميع دون استثناء، ولنتذكر جميعاً أن الفاقد الوطني العام هائل ويجب حسابه بميزان الذهب.
الدرس الأوضح بين مجانين الأمس ومجانين اليوم يقول: ليس كل جنون ثوري، ولا كل فعل دموي طريقاً إلى التحرر. الجنون الذي يستحق التقديس هو الذي يوسّع البصيرة، ويعيد ربط الفعل الوطني بهدف جامع، ويحمي الحقوق التاريخية غير القابلة للتصرف، لا الذي يبدّدها تحت سجادة من الركام، خدمة لأجندات خارجية. وأختم هذا المقال بما يردده دوماً أخونا الكبير وزميلنا في الأمسية الثقافية الأسبوعية بالرياض، أبو الهيثم (حسني المشهور): "طوبى لمن زادوا البصيرة لأبصارنا… وسامح الله العميان".
سامحونا؛؛؛
جمال أبوغليون
[email protected]
1/1/2026
بي دي ان |
02 يناير 2026 الساعة 08:39م
جنون يناير 1965 مثّل لحظة تأسيسية للثورة الفلسطينية المعاصرة، فعلاً نابعاً من الداخل، لا بالوكالة، وبمشروع تحرر وطني متكامل، لا رد فعل عابر. استطاع أصحابه رسم طريقهم من رماد النكبة، فحوّلوا القضية الفلسطينية من مجرد قضية لاجئين إلى قضية شعب له حقوق وطنية وسياسية، وحق تقرير المصير، وطموح مشروع الدولة. ومع توقيع اتفاق إعلان المبادئ (أوسلو) عام 1994، فُتح الطريق أمام القيادة الفلسطينية، والكوادر، والمناضلين للعودة إلى الوطن، تكريساً عملياً لحق العودة باعتباره حقاً تاريخياً غير قابل للتصرف وفق القانون الدولي وقرارات المنتظم الدولي.
شكّل هذا الإنجاز كسراً لجدار التهجير القسري، وإعادة الوصل بين الأرض والشعب، وبين الهوية والفعل الثوري، وخلق وعياً وطنياً تراكمت معه شرعية دولية، تُوِّجت بالقرار الأممي 67/19 في 29 نوفمبر 2012، الذي رسّخ اسم فلسطين في المحافل الدولية، وأعاد تثبيت القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني ذات جذور تاريخية وحقوق غير قابلة للتصرف.
في المقابل، تمارس سلطات الاحتلال سياسة أمر واقع في الضفة الغربية، بما فيها القدس، تشمل مصادرة الأراضي، التمدد الاستيطاني، شق الطرق الالتفافية، وتهجير قسري لسكان مخيمات شمال الضفة الغربية، وهدم أجزاء كبيرة منها، إضافة إلى التهجير القسري لسكان المناطق الرعوية المجاورة لجدار الفصل العنصري. تترافق هذه السياسات مع اعتداءات المستوطنين المدعومة من الاحتلال، وخنق المدن والمخيمات اقتصادياً واجتماعياً. الواقع في الضفة اليوم بعيد عن أي صورة وردية للحياة، إذ يشوب المجتمع الفلسطيني تراجع في فرص التنمية واستنزاف في الموارد، ما يصعب على أي مواطن تجاهله.
أما جنون أكتوبر 2023، فيقف عند الضفة الأخرى من المعادلة. فقد قاد إلى تحويل غزة إلى مساحة مدمرة أُخرجت عملياً من الحسابات السياسية المستقبلية. ووفق المصالح الدولية وخطط ما بعد الحرب، تُعامَل غزة اليوم كأنها سجادة محروقة، بلا منازل، ولا بنية تحتية، ولا منظومة تعليمية. الأخطر من الدمار المادي هو التحول الاستراتيجي في النظر إلى غزة؛ إذ يُنظر إليها في بعض التصورات الدولية كعبء إنساني، لا كجزء حي من المشروع الوطني الفلسطيني. هذا التحول لم يأت من فراغ، بل نتيجة فعل غير محسوب لم يقدّر ميزان القوى، ولا موقع السردية الفلسطينية في الوعي العالمي.
أهلنا في غزة باتوا نازحين فعلياً منذ السابع من أكتوبر 2023، بين من يعيشون في خيام تفتقر لأدنى مقومات الحياة، وبين من غادروا القطاع ضمن مسارات تهجير إلى الخارج، ويُقدّر عددهم بنحو ربع مليون فلسطيني، بينهم أطفال أيتام. تندرج هذه الوقائع ضمن خطط تُدار على نار هادئة، تقودها واشنطن بعد تحويل القطاع إلى بيئة طاردة للحياة، بما يخدم مشاريع تهجير واسعة النطاق. وهو ما يفتح الباب أمام أخطر ما يواجه الشعب الفلسطيني: تفريغ الأرض من أهلها تحت ضغط الواقع، في انتهاك جسيم لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، ولا سيما المادة 49 لصالح مشاريع استثمارية استراتيجية صِّهيو-أمريكية.
المآل السياسي لهذا المسار أخطر من الدمار المادي؛ فبدل تعزيز المشروع الوطني الفلسطيني، تظهر في الأفق صيغة هزيلة لما يمكن تسميته كياناً إبراهيمياً بلا سيادة حقيقية، بعلم وحكومة شكلية، مع احتمال إبرام اتفاقية كوفا(COFA)، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ضمن ترتيبات دولية، وتسويقها وفق تفاهمات أمنية واقتصادية لا تمت بصلة إلى جوهر التحرر، ولا إلى الحقوق التاريخية غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني.
ورغم كل ذلك، يتضح الفرق بين الجنونين: الأول كان مؤسِّساً، أعاد الشعب إلى قلب الفعل السياسي وربط الثورة بهدف وطني جامع؛ أما الثاني، فكان مدمراً، أضعف الموقف الفلسطيني وفتح الباب أمام مشاريع تصفية ناعمة تُنفَّذ باسم إعادة الإعمار أو الحلول الواقعية. حين نستعيد تجربة مجانين يناير 1965، لا بوصفها ذاكرة مُقدسة، بل كخبرة تاريخية قابلة للمساءلة، يصبح من المستحيل تجاهل اختلالات الثورة الفلسطينية اليوم، بما في ذلك الاستقطاب الداخلي الحاد، والحَرد السياسي، والمواقف الملتبسة لبعض القيادات، والتي انعكست سلباً على وحدة القرار وفعالية الأداء الوطني. استشراف مستقبل الثورة الفلسطينية المعاصرة لا يمكن أن يتم بعقل عاطفي مشدود إلى أمجاد الأمس، ولا بخطاب يبرر الأخطاء باسم التاريخ، بل بعقل نقدي مسؤول يعيد طرح الأسئلة الكبرى حول القيادة، والبرنامج، وأدوات الفعل، ومعنى النضال وصلته بهدف وطني جامع يحمي الحقوق التاريخية غير القابلة للتصرف، ويمنع تحويل الثورة من مشروع تحرر إلى عبء على شعبها.
إن المشروع الوطني الفلسطيني لا يُهزم بالقوة العسكرية وحدها، بل يُستنزف حين يُفقد العقل السياسي، وتُدار اللحظات المصيرية بلا حساب للتاريخ أو النتائج. التاريخ لا يسأل عن النوايا، بل عن الحصيلة، والمراجعة الوطنية الشاملة واجبة على الجميع دون استثناء، ولنتذكر جميعاً أن الفاقد الوطني العام هائل ويجب حسابه بميزان الذهب.
الدرس الأوضح بين مجانين الأمس ومجانين اليوم يقول: ليس كل جنون ثوري، ولا كل فعل دموي طريقاً إلى التحرر. الجنون الذي يستحق التقديس هو الذي يوسّع البصيرة، ويعيد ربط الفعل الوطني بهدف جامع، ويحمي الحقوق التاريخية غير القابلة للتصرف، لا الذي يبدّدها تحت سجادة من الركام، خدمة لأجندات خارجية. وأختم هذا المقال بما يردده دوماً أخونا الكبير وزميلنا في الأمسية الثقافية الأسبوعية بالرياض، أبو الهيثم (حسني المشهور): "طوبى لمن زادوا البصيرة لأبصارنا… وسامح الله العميان".
سامحونا؛؛؛
جمال أبوغليون
[email protected]
1/1/2026