اغتيال الحداد والتصعيد الأخير… ماذا يُطبخ لغزة؟

بي دي ان |

20 مايو 2026 الساعة 07:04ص

الكاتب
التصعيد الإسرائيلي الأخير في غزة لا يبدو عشوائيًا أو منفصلًا عن المشهد الإقليمي الأوسع ،الاغتيالات تتصاعد، الاستهدافات لا تتوقف، والتحذيرات المسبقة لبعض المنازل عادت مجددًا، في وقت يزداد فيه الحديث عن نزع سلاح حماس وربط مستقبل غزة كله بهذه المسألة.
لكن اغتيال عز الدين الحداد تحديدًا حمل أبعادًا مختلفة، ليس فقط بسبب موقعه فقط داخل كتائب القسام، بل بسبب توقيته أيضًا. فالعملية جاءت في لحظة شديدة الحساسية، مفاوضات متعثرة، ضغوط متزايدة على حماس بشأن السلاح، حديث أمريكي وإسرائيلي متكرر عن اليوم التالي في غزة، ومحاولات لدفع حماس نحو خيارات تعتبرها تهديدًا مباشرًا لبقائها. لهذا لا يبدو الاغتيال مجرد عملية أمنية تقليدية، بل رسالة متعددة الاتجاهات.
عسكريًا، تحاول إسرائيل القول إنها ما زالت قادرة على الوصول إلى قيادات مؤثرة داخل غزة رغم طول الحرب، وأن البنية العسكرية لحماس ما تزال مكشوفة وقابلة للاستنزاف. هذا النوع من العمليات لا يهدف فقط إلى إضعاف الخصم ميدانيًا، بل أيضًا إلى ضرب الشعور بالأمان داخل البيئة التنظيمية نفسها.
أما سياسيًا، فالرسالة تبدو أوسع: الضغط على حماس للقبول بمعادلات جديدة، وإظهار أن الوقت لا يعمل لصالحها، وأن استمرار المماطلة في ملف السلاح أو التهدئة سيعني مزيدًا من الاستنزاف والاغتيالات.
لكن اللافت أكثر، أن حماس حتى الآن لا تتعامل مع هذا التصعيد بمنطق الرد التقليدي الذي اعتادته غزة في السنوات السابقة. اغتيال قيادات ميدانية بارزة، واستمرار الضربات، لم يؤديا حتى اللحظة إلى أي رد من حماس حتى لو كان محدوداً. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل ما يجري مجرد تصعيد أمني؟ أم أن غزة تتحول مرة أخرى إلى المخرج السياسي الأخير لنتنياهو وحماس معا ؟
في إسرائيل، يبدو المشهد الداخلي أكثر تعقيدًا مما يظهر في الإعلام. الحرب مع إيران استنزفت كثيرًا من الجهد والمال والغطاء الدولي، والولايات المتحدة نفسها لم تعد تبدو متحمسة لتوسيع المواجهة إلى ما لا نهاية، خصوصًا مع تصاعد الانتقادات داخل واشنطن بشأن كلفة الصراعات المفتوحة. في المقابل، يدرك نتنياهو أن انتهاء حالة الحرب يعني عودة ملفاته المؤجلة إلى الواجهة ، المحاكم، المعارضة، والأزمة الداخلية التي لم تختفِ أصلًا، بل جرى تأجيلها تحت ضجيج الحرب. لهذا لا يستبعد أن تعود غزة لتصبح الساحة الأكثر قابلية للاستخدام السياسي والعسكري في هذه المرحلة. فهي الجبهة التي تستطيع إسرائيل التحرك فيها بسهولة أكبر مقارنة بإيران أو لبنان، كما أنها الساحة التي يمكن من خلالها إعادة تبرير استمرار العمليات العسكرية تحت عنوان لقضاء على تهديد حماس أو منع إعادة بناء قوتها .
ومن هنا يمكن فهم التصعيد الأخير بطريقة مختلفة،
اغتيالات متزايدة، ضغط مستمر، ومحاولة دفع المشهد نحو نقطة توتر قد تُنتج ردًا من حماس، يسمح بإعادة توسيع العمليات العسكرية تحت غطاء سياسي وأمني جديد.
لكن في المقابل، تبدو حماس واعية لهذه المعادلة إلى حد بعيد. ولهذا ربما تفضّل حتى الآن سياسة امتصاص الضربات وعدم التسرع في الرد، هذا في حال تبقى ما لديها بما ترد به ،لأنها تدرك أن أي مواجهة واسعة الآن قد تُستخدم ذريعة لفتح الباب أمام سيناريوهات أخطر، ليس فقط على مستوى الحرب، بل على مستوى شكل غزة نفسها. هنا تحديدًا يظهر القلق المصري بوضوح ، القاهرة لا تنظر إلى أي تصعيد واسع في غزة باعتباره ملفًا فلسطينيًا فقط، بل باعتباره قضية أمن قومي مباشر، خصوصًا مع عودة الحديث مجددًا عن النزوح والتهجير والضغط باتجاه الحدود المصرية.
ولهذا جاءت المناورات العسكرية المصرية الأخيرة برسائل تتجاوز بعدها العسكري التقليدي. الرسالة الأساسية تبدو واضحة: مصر تريد القول إنها تراقب المشهد جيدًا، وإن أي محاولة لدفع غزة نحو سيناريو تهجير واسع لن تكون مسألة عابرة بالنسبة لها ، المشهد الآن شديد الحساسية.
إسرائيل تصعّد دون الذهاب إلى حرب شاملة حتى اللحظة، وحماس تتجنب أي رد رغم الضربات، ومصر تتحرك بحذر، بينما يبقى سكان غزة في المنتصف، يعيشون مرة أخرى تحت شعور أن أي خطأ صغير قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة من كل ما سبق.
وربما لهذا لا يبدو الصمت الحالي هدوءًا حقيقيًا، بل مجرد تأجيل لانفجار أكبر… لم يقرر أحد بعد متى يبدأ.