غزة بين الحرب التي لا تنتهي… والهدوء الذي لا يُطمئن...
بي دي ان |
06 مايو 2026 الساعة
03:25م
الكاتب
في غزة، لا يحتاج الناس إلى حرب جديدة ليخافوا…
لأنهم لم يخرجوا من الحرب أصلًا...لم يعد السؤال هناك: هل ستعود الحرب؟ بل: متى… وكيف… وبأي شكل هذه المرة؟
في الحروب ، لا تُقاس القوة فقط بما تُحدثه من دمار، بل بما تخلقه من أثر نفسي مستمر. يكفي التلويح بالحرب لإنتاج حالة ردع، لكن في غزة، تحوّل هذا الردع إلى عبء يومي: قلق دائم، ترقّب، واستعداد نفسي لانفجار قد يحدث في أي لحظة. هنا، لا تُقرأ الأخبار كتحليلات سياسية، بل كإشارات خطر شخصية. كل تصريح عن عملية قريبة ، كل تسريب عن خطط جاهزة، كل حديث عن الوقت المناسب للحسم… يُترجم مباشرة إلى خوف حقيقي. الطفل الذي عاش جولات سابقة لم يعد ينتظر سقوط الصاروخ ليخاف، والأم التي فقدت بيتها مرة لا تحتاج دليلًا جديدًا لتصدق أن القادم قد يكون أسوأ.
إذن في غزة، لم يعد الردع عسكريًا فقط… بل نفسيًا بامتياز.
في المقابل، تُظهر القراءة العسكرية الإسرائيلية أن المشهد لا يُدار بمنطق الحسم السريع، بل بمنطق إدارة الصراع. سيطرة جزئية على الأرض، دفع تدريجي للخطوط، وضغط مستمر دون إنهاء كامل. الهدف ليس إنهاء المواجهة، بل إبقاؤها ضمن مستوى يمكن التحكم به، حيث يستمر الاستنزاف دون تكلفة حرب شاملة. ضمن هذه المعادلة، يتحول ملف نزع السلاح.. إلى أكثر من مطلب أمني؛ يصبح أداة لإعادة تشكيل الواقع. حماس ترفض هذا المسار، مستحضرة تجارب تاريخية قاسية رُبط فيها نزع السلاح بفقدان الحماية وحدوث المجازر. بالنسبة لها، السلاح ليس مجرد أداة… بل ضمانة وجود.
لكن هذه المعادلة تضع غزة في مأزق استراتيجي حقيقي:
إسرائيل تدير الصراع دون استعجال الحسم، وحماس ترفض تغيير قواعده، والنتيجة واقع عالق بين حرب لا تنتهي وسلام لا يبدأ. هذا ما يمكن تسميته بـتوازن الاستنزاف: لا طرف قادر على الحسم، ولا أحد مستعد للتراجع. والأخطر من ذلك، أن هذا التوازن لا يُنتج استقرارًا، بل يخلق حالة إنهاك طويلة الأمد: إعمار مؤجل، أرض تتآكل تدريجيًا، وسكان يعيشون في حالة انتظار دائم. ويعزز هذا الفهم ما تكشف مؤخرًا من معطيات حول إدارة الملف في غزة، حيث بات واضحًا أن الالتزامات المرتبطة بوقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية لم تعد ثابتة بحد ذاتها، بل أصبحت مشروطة بملف نزع السلاح. هذا التحول يكشف طبيعة المعادلة بشكل أوضح: ليس الهدف تثبيت التهدئة بقدر ما هو ربطها بشروط سياسية وأمنية، تجعل استمرار الهدوء نفسه أداة ضغط.
كما أن التسريبات الأخيرة حول احتمال منح إدارة ترامب ضوءًا أخضر لإسرائيل لاستئناف العمليات العسكرية، تُظهر أن ملف نزع السلاح بات يُستخدم باعتباره معيارًا للحكم على استمرار الاتفاق أو انهياره. وفي المقابل، تحاول حماس تقديم موقف يربط أي نقاش حول السلاح بإنهاء الحرب وضمان حياة مستقرة للفلسطينيين، بينما تعتبر التهديدات الحالية جزءًا من الضغط التفاوضي أكثر من كونها قرارًا نهائيًا بالحرب. وهنا، لا يعود وقف إطلاق النار حالة مستقرة، بل يتحول إلى هدوء مشروط… قابل للانهيار في أي لحظة، ليس فقط بفعل الميدان، بل بفعل القرار.
وهنا يظهر البعد النفسي الأخطر. في غزة، لم تعد الحرب حدثًا طارئًا، بل أصبحت احتمالًا دائمًا. هذا ما يسمى بالقلق المزمن المرتبط بالصدمة ، حيث يعيش الإنسان في حالة استعداد مستمر للخطر حتى في غيابه. المجتمعات لا تنهار فقط تحت القصف، بل تحت وطأة هذا الاستنزاف النفسي الطويل. في هذا السياق، لا يمكن فصل المشهد العسكري عن الحسابات السياسية. مع اقتراب استحقاقات داخلية لدى بنيامين نتنياهو، يبقى احتمال استخدام التصعيد في غزة كأداة سياسية قائمًا، لكن ضمن حدود: وقت محدود، ضغوط دولية، وجبهات أخرى مفتوحة.
لذلك، قد لا يكون السيناريو الأقرب حربًا شاملة، بل تصعيدًا محسوبًا: اغتيالات نوعية، عمليات محدودة، أو ضغط عسكري متدرج يحقق أثرًا سياسيًا دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة.
لكن بالنسبة لغزة… لا فرق كبير. لأن السؤال هنا ليس عن حجم الحرب، بل عن استمرارها. في النهاية، لا تكمن المأساة في احتمال عودة الحرب… بل في أن الناس تعلّموا كيف يعيشون وهم ينتظرونها. وفي غزة…الحرب لا تبدأ حين تُطلق الصواريخ، بل حين ينتظرها الناس.
بي دي ان |
06 مايو 2026 الساعة 03:25م
لأنهم لم يخرجوا من الحرب أصلًا...لم يعد السؤال هناك: هل ستعود الحرب؟ بل: متى… وكيف… وبأي شكل هذه المرة؟
في الحروب ، لا تُقاس القوة فقط بما تُحدثه من دمار، بل بما تخلقه من أثر نفسي مستمر. يكفي التلويح بالحرب لإنتاج حالة ردع، لكن في غزة، تحوّل هذا الردع إلى عبء يومي: قلق دائم، ترقّب، واستعداد نفسي لانفجار قد يحدث في أي لحظة. هنا، لا تُقرأ الأخبار كتحليلات سياسية، بل كإشارات خطر شخصية. كل تصريح عن عملية قريبة ، كل تسريب عن خطط جاهزة، كل حديث عن الوقت المناسب للحسم… يُترجم مباشرة إلى خوف حقيقي. الطفل الذي عاش جولات سابقة لم يعد ينتظر سقوط الصاروخ ليخاف، والأم التي فقدت بيتها مرة لا تحتاج دليلًا جديدًا لتصدق أن القادم قد يكون أسوأ.
إذن في غزة، لم يعد الردع عسكريًا فقط… بل نفسيًا بامتياز.
في المقابل، تُظهر القراءة العسكرية الإسرائيلية أن المشهد لا يُدار بمنطق الحسم السريع، بل بمنطق إدارة الصراع. سيطرة جزئية على الأرض، دفع تدريجي للخطوط، وضغط مستمر دون إنهاء كامل. الهدف ليس إنهاء المواجهة، بل إبقاؤها ضمن مستوى يمكن التحكم به، حيث يستمر الاستنزاف دون تكلفة حرب شاملة. ضمن هذه المعادلة، يتحول ملف نزع السلاح.. إلى أكثر من مطلب أمني؛ يصبح أداة لإعادة تشكيل الواقع. حماس ترفض هذا المسار، مستحضرة تجارب تاريخية قاسية رُبط فيها نزع السلاح بفقدان الحماية وحدوث المجازر. بالنسبة لها، السلاح ليس مجرد أداة… بل ضمانة وجود.
لكن هذه المعادلة تضع غزة في مأزق استراتيجي حقيقي:
إسرائيل تدير الصراع دون استعجال الحسم، وحماس ترفض تغيير قواعده، والنتيجة واقع عالق بين حرب لا تنتهي وسلام لا يبدأ. هذا ما يمكن تسميته بـتوازن الاستنزاف: لا طرف قادر على الحسم، ولا أحد مستعد للتراجع. والأخطر من ذلك، أن هذا التوازن لا يُنتج استقرارًا، بل يخلق حالة إنهاك طويلة الأمد: إعمار مؤجل، أرض تتآكل تدريجيًا، وسكان يعيشون في حالة انتظار دائم. ويعزز هذا الفهم ما تكشف مؤخرًا من معطيات حول إدارة الملف في غزة، حيث بات واضحًا أن الالتزامات المرتبطة بوقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية لم تعد ثابتة بحد ذاتها، بل أصبحت مشروطة بملف نزع السلاح. هذا التحول يكشف طبيعة المعادلة بشكل أوضح: ليس الهدف تثبيت التهدئة بقدر ما هو ربطها بشروط سياسية وأمنية، تجعل استمرار الهدوء نفسه أداة ضغط.
كما أن التسريبات الأخيرة حول احتمال منح إدارة ترامب ضوءًا أخضر لإسرائيل لاستئناف العمليات العسكرية، تُظهر أن ملف نزع السلاح بات يُستخدم باعتباره معيارًا للحكم على استمرار الاتفاق أو انهياره. وفي المقابل، تحاول حماس تقديم موقف يربط أي نقاش حول السلاح بإنهاء الحرب وضمان حياة مستقرة للفلسطينيين، بينما تعتبر التهديدات الحالية جزءًا من الضغط التفاوضي أكثر من كونها قرارًا نهائيًا بالحرب. وهنا، لا يعود وقف إطلاق النار حالة مستقرة، بل يتحول إلى هدوء مشروط… قابل للانهيار في أي لحظة، ليس فقط بفعل الميدان، بل بفعل القرار.
وهنا يظهر البعد النفسي الأخطر. في غزة، لم تعد الحرب حدثًا طارئًا، بل أصبحت احتمالًا دائمًا. هذا ما يسمى بالقلق المزمن المرتبط بالصدمة ، حيث يعيش الإنسان في حالة استعداد مستمر للخطر حتى في غيابه. المجتمعات لا تنهار فقط تحت القصف، بل تحت وطأة هذا الاستنزاف النفسي الطويل. في هذا السياق، لا يمكن فصل المشهد العسكري عن الحسابات السياسية. مع اقتراب استحقاقات داخلية لدى بنيامين نتنياهو، يبقى احتمال استخدام التصعيد في غزة كأداة سياسية قائمًا، لكن ضمن حدود: وقت محدود، ضغوط دولية، وجبهات أخرى مفتوحة.
لذلك، قد لا يكون السيناريو الأقرب حربًا شاملة، بل تصعيدًا محسوبًا: اغتيالات نوعية، عمليات محدودة، أو ضغط عسكري متدرج يحقق أثرًا سياسيًا دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة.
لكن بالنسبة لغزة… لا فرق كبير. لأن السؤال هنا ليس عن حجم الحرب، بل عن استمرارها. في النهاية، لا تكمن المأساة في احتمال عودة الحرب… بل في أن الناس تعلّموا كيف يعيشون وهم ينتظرونها. وفي غزة…الحرب لا تبدأ حين تُطلق الصواريخ، بل حين ينتظرها الناس.