من زنزانة بن غفير إلى قاعات سياتل فلسطين كبوصلة للضمير العالمي

بي دي ان |

01 مايو 2026 الساعة 09:50م

الكاتب
لم يكن اللقاء الذي جمعني عبر فضاء زوم بمجموعة من أبناء جالية شعبنا والمتضامنين في مدينة سياتل الأمريكية مجرد فعالية تضامنية عابرة، بل كان تجلياً للمواجهة الكبرى بين "رواية الحق" وأيديولوجيا الوحشية الغفيره. بالنسبة لي كفلسطيني خاض تجربة الأسر بكل تفاصيلها الوحشية كان هذا اللقاء هو اللحظة التي ادركت فيها أن جدران السجن مهما علت لا يمكنها حجب صرخة وشاهدت  الضحية إذا ما وجدت طريقها إلى الضمير الإنساني 
السجن كمرآة للفاشية والنارية الجديدة. 
تحدثتُ في ذلك اليوم عن التحول الجذري  الذي  حدث في السجون الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر ذلك التحول الذي لم يكن مجرد رد فعل انتقامي عشوائي بل سياسة ممنهجة يقودها إيتمار بن غفير وريث فيلهلم فاغنر النازي لقد استحضرتُ في شهادتي كيف استُعيدت ممارسات معسكرات الاعتقال النازية، من "أوشفيتز" إلى فظائع  محاكم التفتيش لتمزج بعقلية انتقامية تهدف إلى سحق الروح البشرية. إن ما يحدث اليوم في غياهب السجون هو وصمة عار ستسجلها ذاكرة الإنسانية، حيث يتفوق السجان على التاريخ في ابتكار أساليب تعذيب مشبعة بالأيدولوجية والكراهيه والتطرف.
الصدمة الأخلاقية حين تعتذر الضحية التاريخية. 
جاءت المفاجأة الكبرى خلال باب النقاش، حين تحدثت مرشحة ديمقراطية للكونغرس من أصول يهودية ميليسا شودري. لم تكن مداخلتها سياسية فحسب، بل كانت هزة أخلاقيةإذ بدأت باعتذار صريح عن الجرائم التي تُرتكب باسم دينها السابق لانه أسلمت  مؤكدة أن شهادتي عن السجون أعادت لذهنها ما نقله لها جدها  الذي كان سجن فئ اوشفيتس عن أهوال النازية.
حين سألتني: كيف يمكنني مساعدتكم؟لم أجد رداً أبلغ من قولي: "كوني إنسانة، وستكون بوصلتك فلسطين". إن هذه العبارة تختزل رؤية القائد مروان البرغوثي الذي علمنا أن "الهولوكوست" كجريمة ضد الإنسانية تعنينا نحن كضحايا للظلم أكثر من صانعيها، فالمبدأ واحد: قتل الإنسان بسبب عرقه أو دينه هو الخطيئة الكبرى. والجريمة التي تُرتكب بحق الفلسطيني اليوم لا تقل إيلاماً، بل هي أشد وطأة لكونها مأساة مستمرة منذ قرن من الزمان تحت سمع وبصر العالم.
الشتات الجبهة الموازية للنضال
إن المشهد في سياتل حيث غصت القاعة بشباب لم يسبق للكثير منهم رؤية فلسطين أو إتقان لغتها، يحمل دلالة سياسية عميقةلقد شعرتُ حينها أن سنوات الأسى لم تذهب سدى، وأن "الوعي العابر للحدود" هو السلاح الذي يخشاه الاحتلال.
إننا أمام استحقاق وطني يفرض علينا إعادة قراءة دور الجاليات في الخارج فالتأثير الذي يصنعه هؤلاء في مراكز صناعة القرار الأمريكي ليس ترفا، بل هو  نضال موازيي لا يقل أهمية عن الصمود في الداخل. إن الدعم الذي تحظى به إسرائيل بُني عبر عقود من العمل المؤسسي المنظم، وعلينا اليوم أن نتعلم الدرس:
1. الاستثمار في الإنسان: يجب أن نولي اهتماماً فائقاً بأبناء الشتات والمناصرين الدوليين.
2  الانقسام  فلسطين أكبر من الفصائل والأيدلوجيات؛ لذا يجب أن تظل الجاليات محصنة ضد الصراعات الداخلية.
1. الهوية الموحدة: أن يكون التعريف الوحيد "فلسطيني"، والانتماء الوحيد "فلسطين"، والبوصلة هي "العدالة".
واخيرا 
لقد أثبت لقاء سياتل أن القضية الفلسطينية ليست "إرثاً للذاكرة" فحسب، بل هي "قضية للمستقبل" يقودها جيل شاب عابر للثقافات واللغات. إن نجاحنا في تحويل فلسطين إلى "معيار للأخلاق العالمية" هو الطريق الأقصر لكسر القيود، سواء كانت قيود الزنازين أو قيود الانحياز السياسي الدولي.