تقرير: الصوت الذي أشعل النيران.. رحلة أحمد قعبور بين الفن والمقاومة

بي دي ان |

29 مارس 2026 الساعة 02:10م

الراحل الشاعر أحمد قعبور
في مدينة بيروت، حيث تختلط الحكايات بصوت البحر وضجيج الحياة، وُلد أحمد قعبور عام 1955، ليكبر في بيئة مشبعة بالثقافة والتحديات، منذ صغره، كان يشعر أن لديه رسالة تتجاوز حدود الكلمات العادية، فاختار أن يعبّر عنها بالموسيقى والكلمة، ليبدأ رحلته بين الفن والصحافة، حاملاً هموم الناس وآمالهم.

مع مرور السنوات، لم يكن أحمد قعبور مجرد فنان يغني، بل أصبح صوتًا للناس في زمنٍ مليء بالأحداث والصراعات، وفي سبعينيات القرن الماضي، برز اسمه كأحد أهم رواد الأغنية الملتزمة، حيث كانت أغانيه تُروى كحكايات حقيقية تعكس الواقع، وتصل إلى قلوب المستمعين ببساطتها وصدقها.

ومن بين تلك الحكايات، برزت أغنية أناديكم التي تحولت إلى نشيد يردده الناس في لحظات الأمل والألم، إلى جانب يا نبض الضفة ويا فلسطينية، حيث كانت كلماته تحمل وجع الشعوب، وخاصة القضية الفلسطينية، وتعكس روح الصمود والانتماء.

ولم تتوقف رحلة أحمد قعبور عند حدود الغناء، بل امتدت إلى عالم الصحافة والإعلام، حيث استخدم قلمه كما استخدم صوته، ليعبّر عن أفكاره ويناقش قضايا المجتمع بوعي وجرأة، مما جعله حاضرًا في المشهد الثقافي من أكثر من زاوية.

ورغم رحيله، بقي أحمد قعبور حيًا في ذاكرة الناس، كقصة لا تنتهي، وصوت لا يخفت، فقد رحل عن عالمنا في 26 مارس 2026 في بيروت، بعد صراع مع المرض، تاركًا إرثًا فنيًا وإنسانيًا كبيرًا، يذكّر الأجيال بأن الفن يمكن أن يكون موقفًا، وأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تعيش طويلًا في قلوب البشر.

صوت قعبور.. نداءٌ مفتوحٌ عبر الزمن

في حديثٍ لصحيفة "بي دي ان"، يرسم الشاعر المتوكل طه صورةً حيّة للراحل أحمد قعبور، كصوتٍ مقاوم لم يكن عاديًا، بل كان عاصفًا، متدفقًا، يحمل في نبراته قوةً توقظ الروح وتُشعل في الإنسان جذوة الانتماء.

يصفه طه بأنه أحد الأصوات التي شكّلت وعي جيلٍ كامل، حيث كبر الناس على أغانيه، فكانت ترافقهم في الساحات وعلى الحواجز وحتى خلف القضبان، تتحول من مجرد ألحان إلى طاقة تُحرّك الداخل وتمنح الأمل في أحلك الظروف.

ويستحضر تجربة شخصية قاسية، حين كان في المعتقل، حيث تعرّض للتعذيب، لكن صوت أحمد قعبور ظل حاضرًا، يمنحه القدرة على الصمود. كانت الأغاني بالنسبة له أكثر من فن، كانت وسيلة بقاء، ونداءً داخليًا يمنعه من الانكسار.

كما يشير إلى أن قعبور لم يكن وحده في هذا المسار، بل جاء ضمن جيلٍ من الفنانين الملتزمين، إلى جانب مارسيل خليفة والشيخ إمام، الذين شكّلوا معًا مرحلة فنية مقاومة، حيث تحوّلت الأغنية إلى أداة نضال حقيقية.

ويتحدث طه بلغة شاعرية عن أثر أغانيه، التي كانت كأنها طيور تعبر الحدود، تحمل وجع الجنوب اللبناني إلى فلسطين، وتصل إلى كل مكانٍ فيه ألم أو مقاومة، لتُشعل فيه الحياة من جديد.

كما يؤكد أن صوت أحمد قعبور سيبقى حيًا، خاصة في أغنيته أناديكم، التي ستظل نداءً مفتوحًا عبر الزمن، يرافق الأجيال ويذكّرهم بأن الأغنية الصادقة لا تموت.

الفن المقاومة يبقى حيًا

في حين، يقول رئيس الاتحاد العام للكتاب والأدباء، مراد السوداني، إنه برحيل الفنان الملتزم والمبدع أحمد قعبور، تفقد الأغنية العربية وفي المقدمة منها فلسطين، واحدًا من الأصوات العالية والوازنة، التي طالما صدحت بوجع الأمة، ظلّت دقات قلبه حتى اللحظات الأخيرة تنبض لأجل هذه البلاد الشهيدة، يؤكد على مظلوميتها وينتصر لحقها وحقيقتها.

ويكمل في حديثه مع بي دي ان (PDN): التقيته العام 2011 في بيروت، فنان طيب وقريب للقلب والروح، صادق وحقيقي، يجهر بالأغاني التي تشحب الوجدان الجماعي العربي والفلسطيني، وعيونه معلقة دائمًا في سماء فلسطين ومخيماتها ومعاناتها ووجعها.

وفي مشاعر حزن، يضيف السوداني: "أحمد قعبور، بخسارته، يسقط عن شجرة الفن والإبداع غصن رطيب ومتين في أدب الالتزام والفن المقاوم، الذي يعبّي الجماهير ويشدد الهمم، ويعطي دافعية للأجيال أن تمضي نحو حريتها المشتهاة، على امتداد سطر نارها وعنادها المقدس وحبرها الساخن الذي يمثله المثقفون".

ويتابع: هو من جوهرة الكتاب والفنانين العرب الذين جعلوا من فلسطين قضية الأمة، وأن الحرية ستبقى ناقصة دون حرية البلاد، صوت صادق ومناضل وثوري، يذكّرنا بأن الفن المقاوم يبقى حيًا في كل زمن، وأن الأغنية ليست مجرد لحن، بل موقف ووجدان.

ويشير إلى أنه قبل بضعة أعوام، تم تسميته مع أحمد قعبور والروائي مروان عبد العال لحصولهم على جائزة "الإبداع المقاوم"، فكانت أكثر من جائزة، اقترنت بصوت مفتوح كالنخلة السامقة، يلهم القلوب ويشعل العزائم.

ويختم السوداني كلماته بالقول: مع رحيله، ستبقى فلسطين وكل شرفاء الأمة يرددون “أناديكم”، يتذكرون هذا الصوت الباقي، الذي لم يبرح الذاكرة، وصوتًا خالدًا في وجدان الجماهير، صدىً يتجاوز الزمن ويواصل إيقاعه في قلب المقاومة والحرية.