تقسيم الشرق الأوسط وسيلة لتحقيق الحلم الصهيوني

بي دي ان |

10 فبراير 2026 الساعة 03:49م

د. محمد عودة

يبدو اليوم أن الشرق الأوسط يقف على مفترق طرق، المشاريع القديمة تتجدد وإن بصيغ وأدوات مختلفة تتناسب مع الرؤية الاستعمارية الحديثة، حيث تسعى المخططات الجديدة لفرض واقع يلبي مصالح الاستعمار التفردي الذي لا يؤمن بالتعددية بل يحاربها، من أبرز هذه المشاريع ما يُعرف بـ"مشروع التقسيم"، الذي يسعى لإعادة رسم الحدود وتقسيم المنطقة إلى دويلات أو مناطق نفوذ محددة، مما سيمكن الحركة الصهيونية من إنجاز مشروع إسرائيل الكبرى على طريق الهيمنة على العالم كله، الحديث هنا لا يقتصر على فلسطين، لبنان، سوريا، الاردن، مصر بل يتعداها وصولا الى السعودية والعراق وربما تركيا وإيران، يحاول أصحاب الفكرة إظهارها على أنها ضرورة، وأنها تهدف إلى حماية الأقليات.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه، من هو الذي منح الدولة العميقة، وفي المقدمة الماسونية والحركة الصهيونية، الوصاية على الأقليات والادعاء بأن التقسيم لحمايتها، في الوقت الذي تعاني فيه الأقلية الفلسطينية داخل الكيان أبشع أنواع التمييز والاضطهاد والفصل العنصري؟ سؤال برسم الإجابة، رغم أن حقيقة التقسيم تحمل تبعات هائلة تؤثر على حياة الناس، على تماسك المجتمعات، وعلى كل التوازنات في العالم.

تُشكل فلسطين المثال الأكثر وضوحًا، فمشروع التقسيم يهدف إلى تقليص مساحة الأراضي التي يفترض إنها ملك للكيان الفلسطيني المستقبلي مهما كان اسمه ونمطه، بما يضمن لإسرائيل سيطرتها الكاملة على الأمن والموارد، إضافة الى تحويل غزة والضفة الغربية إلى إمارات مفصولة ومعزولة، والقدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل، مما يعني إعادة توزيع الفلسطينيين المقيمين في المساحات التي تنوي إسرائيل ضمها على بقع جغرافية تسمى إمبراطوريات كخطوة ستسهل التهجير الكلي عندما تسمح الظروف، عندها ستجد العائلات نفسها أمام خيار صعب ، البقاء تحت قيود الاحتلال، أو الرحيل نحو المجهول.

اما سوريا، التي مزقتها الحرب الأهلية والصراعات بين المكونات الإثنية والطائفية مضاف اليها التدخلات الإقليمية والدولية، قد تُقسم على أسس طائفية وإثنية لتسهيل السيطرة الخارجية، الشمال الكردي، الساحل العلوي، دمشق وحلب السنيتان، كل منطقة قد تتحول إلى دويلة أو منطقة نفوذ، ودولة الدروز في الجنوب؛ هذا سينتج نزاعات على أسس عرقية، طائفية، مذهبية، وأخيرًا حدودية، الشعب السوري، الذي تحمل أعباء الحرب الأهلية المفتعلة بين النظام البائد والمعارضة المدعومة من دول محورية كتركيا والولايات المتحدة إضافة كل عصابات المرتزقة سيجد نفسه أمام واقع جديد، خمس دويلات إضافة الى ما ستقتطعه إسرائيل في الجنوب والجولان، حيث يصبح القرار الوطني أداة للتوازنات الدولية لا أكثر.

أما العراق يواجه تحديًا مشابهًا، إذ يُنظر إلى تقسيمه على أساس طائفي أو عرقي كوسيلة لإضعاف الدولة المركزية، الأكراد في الشمال، الشيعة في الجنوب، السنة في الغرب، كلها مناطق قد تحولت إلى كيانات شبه مستقلة، مع مخاطر صراع مستمر على الموارد والمياه والحدود، ما سيؤدي إلى ضرب وحدة الدولة واستقرارها.

لبنان، ذو المساحة الصغيرة والتركيبة الطائفية المعقدة والمتشابكة، قد يشهد تقسيمًا غير رسمي على أساس طائفي ومذهبي، كل طائفة ستزداد قوتها على حساب الدولة المركزية، والفساد السياسي سيزداد، فيما يظل المواطن اللبناني يدفع الثمن الأكبر من خلال الفقر والبطالة ونقص الخدمات الأساسية.

أما اليمن، الذي أنهكته الحرب التي فُرضت عليه من التحالف بقيادة السعودية في العقد الماضي والتي تركت شعبًا فقيرًا محاصرًا، فقد ازداد حصاره بعد دخول الحوثيون على خط المواجهة مع إسرائيل، ورغم كل ذلك، فإنه يواجه إعادة رسم جغرافية النزاع بين الشمال والجنوب ،مناطق النفوذ المختلفة المدعومة من الخارج قد تزيد الانقسام، وتطيل أمد الحرب، وتجعل الوصول إلى أي استقرار أكثر صعوبة و تعقيداً.

اما ليبيا، التي مزقتها النزاعات بين الشرق والغرب، قد تشهد استمرار تقسيم غير رسمي بين الميليشيات والقبائل، ما يجعل العودة إلى دولة مركزية قوية أمرًا صعبًا للغاية يهدف المخطط إلى إبقاء الشعب الليبي أسير الصراعات المحلية المدعومة من الخارج، وكل ذلك سيحول دون السيطرة الحقيقية على مستقبله.

ورغم كل هذه المخططات، يبقى الإنسان هو الأكثر تأثرًا، فكل تقسيم يترك أثره على حياة الناس اليومية، من سيبقى على أرضه ومن سيُجبر على الهجرة، من سيملك الموارد ومن سيحرم منها، ومن سيعيش في استقرار ومن سيعيش في خوف دائم، هذه الدويلات المقترحة لن تكون مجرد حدود، بل تتعدى ذلك لتصبح قصصًا إنسانية متشابكة، لها جذور عميقة وذكريات مرتبطة بالأرض والهوية.

التقسيم، مهما صُوِّر على أنه حل استراتيجي وجُمِّلت صورته، فإنه لن يخلق استقرارًا دائمًا، كل خط أو حرف على الخريطة سيفتح الباب أمام ردود الفعل، ويعيد تشكيل التحالفات القديمة، ويولد تحالفات أخرى جديدة، بعض القوى ترى في هذا المشروع فرصة لتحقيق مصالحها، بينما تعتبره قوى أخرى تهديدًا مباشرًا لأمنها واستقرارها، وفي خضم كل هذه الحسابات، يظل الإنسان الحلقة الأضعف، والذي يدفع الثمن الأكبر.

في الختام، يمكن أن نخلص إلى نتيجة ملموسة وهي أن هذا المشروع ليس مجرد خريطة جديدة، بل انعكاسات عميقة على حياة الشعوب والمجتمعات، فكل تقسيم سيواجه مقاومة طبيعية من الشعوب، وستظل الروابط التاريخية والإجتماعية والثقافية عاملاً لا يمكن تجاوزه، وفي قلب هذا كله يبقى السؤال الأهم من سيعيش؟ ومن سيُجبر على الهجرة؟ ومن سيقرر مصير شعوب هذه الدويلات؟

المشهد الذي يُرسم اليوم على خريطة الشرق الأوسط ليس مجرد حدود، بل صراع مستمر على الهوية، على الأرض، وعلى الحق في البقاء، ومن يظن أن الخريطة الجديدة ستخلق استقرارًا دائمًا، عليه أن يتذكر أن كل خطة تقسيم تترك وراءها قصصًا إنسانية لا تُمحى، وأن القوة وحدها لا تصنع السلام.

من أجل مواجهة كل هذه الخطط، لا بد من إعادة تشكيل العالم على أساس تعدد الأقطاب ليصبح أكثر عدلاً وإنصافًا، وفوق كل ما سلف أكثر إنسانية، لتتحد كل الشعوب في مواجهة أصحاب نظرية التفرد من اجل بناء عالمًا يترك الخيار للأمم لتقرر مصيرها بنفسها، دون تدخل من أحد، ليس هناك الكثير من الوقت، على شعوب المنطقة إن تصحوا من سباتها لتشكل راس حربة الكون في مواجهة القسمة والتقسيم.