غزة والعدوان المفتوح: قراءة في الحاضر وإنذار للمستقبل
بي دي ان |
31 يناير 2026 الساعة
10:17م
الكاتب
لماذا يستمر القصف؟ ولماذا لا يبدو الأفق الأمني قريبًا؟
منذ فجر اليوم، يتواصل القصف الإسرائيلي المكثف على قطاع غزة، مخلفًا عشرات الشهداء ومئات الجرحى، في مشهد لم يعد يمكن تفسيره كاستجابة أمنية ظرفية، بل بوصفه تعبيرًا عن سياسة عدوانية ممنهجة تُدار عبر القوة العسكرية لفرض الوقائع وإدامة الصراع، لا لمعالجة أسبابه أو احتوائه.
القصف كأداة سياسية
تكشف طبيعة الاستهداف واتساعه وتكراره أن القصف بات وسيلة ضغط طويلة الأمد، تهدف إلى إنهاك المجتمع الغزي وكسر إرادة الصمود وتعطيل مقومات الحياة. وبهذا المعنى، تُدار غزة عسكريًا باعتبارها مساحة عقاب جماعي مفتوح، في تجاوز واضح لمبادئ القانون الدولي الإنساني.
2026: غياب أفق الأمان
تشير المؤشرات السياسية والميدانية إلى أن سنة 2026 لن تكون سنة أمن وأمان لأهل غزة، حتى في ظل الحديث عن ترتيبات إدارية جديدة أو فتح معابر إنسانية كمعبر رفح. فرغم الأهمية الإغاثية لهذه الإجراءات، إلا أنها لا تمسّ جوهر السياسة الإسرائيلية القائمة على الإخضاع ومنع الاستقرار. الإشكالية ليست إدارية، بل بنيوية، تتعلق برؤية الاحتلال لغزة باعتبارها تهديدًا ديمغرافيًا وأمنيًا دائمًا.
الاحتلال وإنكار الحقوق
يتجاهل الاحتلال، ومعه قطاع من المجتمع الدولي، حقيقة مركزية مفادها أن غزة وفلسطين أراضٍ محتلة، وأن ما يجري هو عدوان من قوة احتلال، لا نزاعًا متكافئًا. هذا الإنكار المتعمّد يفتح المجال لشرعنة العنف ويعكس رفضًا مستمرًا للاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، ما يشجع على التمادي في العدوان في ظل غياب المحاسبة.
الغطاء الدولي والفراغ العربي
يحظى السلوك الإسرائيلي بدعم سياسي وعسكري أمريكي واسع، تغذّيه تيارات أيديولوجية ذات خلفيات صهيونية، إلى جانب ازدواجية معايير لدى عدد من الدول الغربية. ويتزامن ذلك مع ضعف عربي وإسلامي عام وغياب موقف موحد وأدوات ضغط فاعلة، الأمر الذي يقلّل كلفة العدوان في الحسابات الإسرائيلية.
غزة والصراع الإقليمي: تداخل دون تبعية
لا يمكن فصل ما يجري في غزة كليًا عن المشهد الإقليمي الأوسع، بما فيه التوتر مع لبنان وإيران. إلا أن التحليل الأدق يشير إلى أن غزة ليست ساحة فرعية للصراع الإقليمي، بل قضية مركزية قائمة بذاتها. تستفيد إسرائيل من التوترات الإقليمية لتوسيع هامش المناورة وتوجيه رسائل ردع متعددة، لكنها لا تحتاج إلى حرب إقليمية شاملة لتبرير عدوانها على غزة، إذ إن هذا العدوان جزء ثابت من استراتيجيتها تجاه القضية الفلسطينية.
استشراف قريب
في المدى المنظور، يُرجَّح استمرار نمط العدوان المتقطع عالي الكلفة الإنسانية، دون الانزلاق إلى حرب شاملة، ما لم تطرأ تحولات إقليمية كبرى. وسيبقى الهدف الإسرائيلي هو إدارة الصراع لا حسمه، مع إبقاء غزة تحت ضغط دائم سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
خاتمة استشرافية: التاريخ يحاول أن يعيد إنتاج نفسه!!
يبيّن التأصيل التاريخي للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي أن ما تشهده غزة اليوم هو امتداد لنمط متكرر من السياسات الاستعمارية، منذ نكبة 1948، مرورًا باحتلال 1967، وصولًا إلى الحصار المفروض منذ عام 2007. في كل هذه المراحل، جرى الاعتماد على القوة العسكرية لفرض الوقائع، دون أن ينجح ذلك في تحقيق أمن دائم أو استقرار حقيقي.
وتؤكد التجربة التاريخية أن كل مرحلة ضعف عربي أو انشغال إقليمي كانت تُقابل بتصعيد إسرائيلي ومحاولات لإعادة هندسة الواقع السياسي والديمغرافي، غير أن التاريخ ذاته يثبت فشل القوة في كسر إرادة الشعب الفلسطيني، رغم الكلفة الإنسانية الباهظة. وعليه، فإن استمرار تجاهل الجذور التاريخية والقانونية للقضية الفلسطينية، وإنكار صفة الاحتلال، لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيدًا، بينما يظل الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال الشرط الوحيد القادر على كسر دائرة العنف وفتح أفق للاستقرار.
• رئيس مركز التاريخ الشفوي والتراث الفلسطيني بالجامعة
الإسلامية بغزة - فلسطين
بي دي ان |
31 يناير 2026 الساعة 10:17م
لماذا يستمر القصف؟ ولماذا لا يبدو الأفق الأمني قريبًا؟
منذ فجر اليوم، يتواصل القصف الإسرائيلي المكثف على قطاع غزة، مخلفًا عشرات الشهداء ومئات الجرحى، في مشهد لم يعد يمكن تفسيره كاستجابة أمنية ظرفية، بل بوصفه تعبيرًا عن سياسة عدوانية ممنهجة تُدار عبر القوة العسكرية لفرض الوقائع وإدامة الصراع، لا لمعالجة أسبابه أو احتوائه.
القصف كأداة سياسية
تكشف طبيعة الاستهداف واتساعه وتكراره أن القصف بات وسيلة ضغط طويلة الأمد، تهدف إلى إنهاك المجتمع الغزي وكسر إرادة الصمود وتعطيل مقومات الحياة. وبهذا المعنى، تُدار غزة عسكريًا باعتبارها مساحة عقاب جماعي مفتوح، في تجاوز واضح لمبادئ القانون الدولي الإنساني.
2026: غياب أفق الأمان
تشير المؤشرات السياسية والميدانية إلى أن سنة 2026 لن تكون سنة أمن وأمان لأهل غزة، حتى في ظل الحديث عن ترتيبات إدارية جديدة أو فتح معابر إنسانية كمعبر رفح. فرغم الأهمية الإغاثية لهذه الإجراءات، إلا أنها لا تمسّ جوهر السياسة الإسرائيلية القائمة على الإخضاع ومنع الاستقرار. الإشكالية ليست إدارية، بل بنيوية، تتعلق برؤية الاحتلال لغزة باعتبارها تهديدًا ديمغرافيًا وأمنيًا دائمًا.
الاحتلال وإنكار الحقوق
يتجاهل الاحتلال، ومعه قطاع من المجتمع الدولي، حقيقة مركزية مفادها أن غزة وفلسطين أراضٍ محتلة، وأن ما يجري هو عدوان من قوة احتلال، لا نزاعًا متكافئًا. هذا الإنكار المتعمّد يفتح المجال لشرعنة العنف ويعكس رفضًا مستمرًا للاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، ما يشجع على التمادي في العدوان في ظل غياب المحاسبة.
الغطاء الدولي والفراغ العربي
يحظى السلوك الإسرائيلي بدعم سياسي وعسكري أمريكي واسع، تغذّيه تيارات أيديولوجية ذات خلفيات صهيونية، إلى جانب ازدواجية معايير لدى عدد من الدول الغربية. ويتزامن ذلك مع ضعف عربي وإسلامي عام وغياب موقف موحد وأدوات ضغط فاعلة، الأمر الذي يقلّل كلفة العدوان في الحسابات الإسرائيلية.
غزة والصراع الإقليمي: تداخل دون تبعية
لا يمكن فصل ما يجري في غزة كليًا عن المشهد الإقليمي الأوسع، بما فيه التوتر مع لبنان وإيران. إلا أن التحليل الأدق يشير إلى أن غزة ليست ساحة فرعية للصراع الإقليمي، بل قضية مركزية قائمة بذاتها. تستفيد إسرائيل من التوترات الإقليمية لتوسيع هامش المناورة وتوجيه رسائل ردع متعددة، لكنها لا تحتاج إلى حرب إقليمية شاملة لتبرير عدوانها على غزة، إذ إن هذا العدوان جزء ثابت من استراتيجيتها تجاه القضية الفلسطينية.
استشراف قريب
في المدى المنظور، يُرجَّح استمرار نمط العدوان المتقطع عالي الكلفة الإنسانية، دون الانزلاق إلى حرب شاملة، ما لم تطرأ تحولات إقليمية كبرى. وسيبقى الهدف الإسرائيلي هو إدارة الصراع لا حسمه، مع إبقاء غزة تحت ضغط دائم سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
خاتمة استشرافية: التاريخ يحاول أن يعيد إنتاج نفسه!!
يبيّن التأصيل التاريخي للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي أن ما تشهده غزة اليوم هو امتداد لنمط متكرر من السياسات الاستعمارية، منذ نكبة 1948، مرورًا باحتلال 1967، وصولًا إلى الحصار المفروض منذ عام 2007. في كل هذه المراحل، جرى الاعتماد على القوة العسكرية لفرض الوقائع، دون أن ينجح ذلك في تحقيق أمن دائم أو استقرار حقيقي.
وتؤكد التجربة التاريخية أن كل مرحلة ضعف عربي أو انشغال إقليمي كانت تُقابل بتصعيد إسرائيلي ومحاولات لإعادة هندسة الواقع السياسي والديمغرافي، غير أن التاريخ ذاته يثبت فشل القوة في كسر إرادة الشعب الفلسطيني، رغم الكلفة الإنسانية الباهظة. وعليه، فإن استمرار تجاهل الجذور التاريخية والقانونية للقضية الفلسطينية، وإنكار صفة الاحتلال، لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيدًا، بينما يظل الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال الشرط الوحيد القادر على كسر دائرة العنف وفتح أفق للاستقرار.
• رئيس مركز التاريخ الشفوي والتراث الفلسطيني بالجامعة
الإسلامية بغزة - فلسطين