غزة تحت حكم ما بعد الهزيمة
بي دي ان |
22 يناير 2026 الساعة
04:35م
الكاتب
ما سوف يحدث لغزة ليس إعادة إعمار، بل إعادة ترتيب للهزيمة. ليس سلامًا، بل تأجيل للانفجار. وليس حلًا، بل شراء وقت على حساب أعمار الناس. خصوصًا بعد تسريب معلومات عن تفاهمات غير معلنة بين حماس والإدارة الأمريكية، تتعلق بترتيبات مستقبلية في قطاع غزة، تشمل احتمالية تسليم جزء من الأسلحة مقابل قبول حماس كتنظيم سياسي رسمي، دون أي إعلان أو شفافية، ودون إشراك الشعب الفلسطيني. هذه الصفقة، إن صحت، تكشف أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحوّلت إلى استثمار في غياب القرار الوطني، واستغلال للأزمة لإعادة رسم قواعد اللعبة على الأرض.
في غزة، لم تتوقف الحرب، هي فقط غيّرت أدواتها. بعد أن أنهكتها الصواريخ، جاء دور اللجان. وبعد أن فشل القتل في كسر الناس، بدأت مرحلة أكثر خبثًا: إدارة البقاء على الحدّ الأدنى، لا لإنقاذ الحياة، بل لمنع الانفجار. الإعلان عن لجنة لإدارة غزة لا يمكن قراءته كخطوة إنقاذ، بل كإقرار غير معلن بأن أحدًا لا يريد حلًا حقيقيًا. هذه ليست مرحلة “ما بعد الحرب”، بل مرحلة ما بعد الفشل والهزيمة، حيث يُستبدل السلاح بالبيروقراطية، والدم بالملفات، والمجزرة بالهدوء الكاذب. ما يُعرض على غزة اليوم هو معادلة قاسية: نمنحكم البقاء… مقابل أن تتخلّوا عن أي أفق.
اللجنة المطروحة لا تحمل مشروعًا سياسيًا، ولا سيادة، ولا ضمانات، ولا حتى تعريفًا واضحًا لصلاحياتها. هي كيان هشّ، صُمّم ليعمل تحت السقف الإسرائيلي، وبالتمويل المشروط، وبالموافقة الدولية. أي أنها ليست إدارة لغزة، بل إدارة للكارثة؛ مهمتها الأساسية ضبط السكان لا تمكينهم. هكذا تُختزل غزة من قضية تحرر إلى مشكلة تشغيل، من شعب تحت الاحتلال إلى عبء إنساني، ومن مأساة سياسية إلى ملف إغاثي.
والأخطر أن هذا النموذج لا يأتي صدفة، بل هو نتيجة مباشرة لحرب لم يكن هدفها فقط تدمير حماس كما كان يُروَّج علنًا، بل كسر فكرة غزة نفسها ككيان حيّ. المطلوب لم يكن نصرًا عسكريًا، بل تفكيك القدرة على النهوض، وتجفيف أي إمكانية لمستقبل مستقل. في هذا السياق، تُفهم الحرب الطويلة بلا أفق. لم يكن المقصود إنهاء كل شيء بضربة واحدة، بل إنهاك كل شيء: الإنسان، المجتمع، الاقتصاد، الذاكرة. وحين يصل الناس إلى مرحلة القبول بأي شيء يوقف النزيف، يُطرح “الحل”: لجنة، إدارة، تهدئة، مساعدات… بلا كرامة سياسية.
غزة اليوم تُدار كمنطقة فائضة عن الحاجة. لا يُراد لها أن تنهار بالكامل، ولا أن تُشفى. فقط أن تبقى معلّقة: حيّة بما يكفي لتُحاسَب، ومكسورة بما يكفي لتُطيع. في هذا النموذج، لا مكان لإرادة الناس. لا استفتاء، لا تمثيل، لا نقاش. يُفترض أن الفلسطيني في غزة لا يريد مستقبلًا، بل فقط رغيفًا وأمانًا مؤقتًا. وهذه أخطر جريمة سياسية تُرتكب اليوم: اختزال الإنسان في حاجاته الدنيا، وتجريده من حقه في السؤال.
والحقيقة المؤلمة التي لا يريد أحد الاعتراف بها: هذا السيناريو لم يُفرض بالقوة وحدها، بل وُلد أيضًا من داخل عجزنا. الانقسام، غياب المشروع الوطني، والقرارات الكارثية غير المحسوبة، كلها فتحت الباب لهذا النموذج. حين تفشل السياسة، تتقدم الإدارة. وحين يغيب القرار الوطني، تُفرض اللجان. غزة لا تُدار لأنها بحاجة إلى إدارة، بل لأنها ممنوعة من أن تُحكم بإرادتها. وكل من يروّج لهذه المرحلة كإنجاز، يتجاهل السؤال الأخطر: من يملك حق إنهاء الحرب؟ ومن يقرر شكل الحياة بعدها؟
حتى ذلك الحين، ستبقى غزة مساحة اختبار: لا تُقصف بما يكفي لإنهائها، ولا تُترك بما يكفي لتعيش. وهذه، تحديدًا، أخطر مرحلة تمرّ على الشعب الفلسطيني في تاريخه الحديث.
بي دي ان |
22 يناير 2026 الساعة 04:35م
في غزة، لم تتوقف الحرب، هي فقط غيّرت أدواتها. بعد أن أنهكتها الصواريخ، جاء دور اللجان. وبعد أن فشل القتل في كسر الناس، بدأت مرحلة أكثر خبثًا: إدارة البقاء على الحدّ الأدنى، لا لإنقاذ الحياة، بل لمنع الانفجار. الإعلان عن لجنة لإدارة غزة لا يمكن قراءته كخطوة إنقاذ، بل كإقرار غير معلن بأن أحدًا لا يريد حلًا حقيقيًا. هذه ليست مرحلة “ما بعد الحرب”، بل مرحلة ما بعد الفشل والهزيمة، حيث يُستبدل السلاح بالبيروقراطية، والدم بالملفات، والمجزرة بالهدوء الكاذب. ما يُعرض على غزة اليوم هو معادلة قاسية: نمنحكم البقاء… مقابل أن تتخلّوا عن أي أفق.
اللجنة المطروحة لا تحمل مشروعًا سياسيًا، ولا سيادة، ولا ضمانات، ولا حتى تعريفًا واضحًا لصلاحياتها. هي كيان هشّ، صُمّم ليعمل تحت السقف الإسرائيلي، وبالتمويل المشروط، وبالموافقة الدولية. أي أنها ليست إدارة لغزة، بل إدارة للكارثة؛ مهمتها الأساسية ضبط السكان لا تمكينهم. هكذا تُختزل غزة من قضية تحرر إلى مشكلة تشغيل، من شعب تحت الاحتلال إلى عبء إنساني، ومن مأساة سياسية إلى ملف إغاثي.
والأخطر أن هذا النموذج لا يأتي صدفة، بل هو نتيجة مباشرة لحرب لم يكن هدفها فقط تدمير حماس كما كان يُروَّج علنًا، بل كسر فكرة غزة نفسها ككيان حيّ. المطلوب لم يكن نصرًا عسكريًا، بل تفكيك القدرة على النهوض، وتجفيف أي إمكانية لمستقبل مستقل. في هذا السياق، تُفهم الحرب الطويلة بلا أفق. لم يكن المقصود إنهاء كل شيء بضربة واحدة، بل إنهاك كل شيء: الإنسان، المجتمع، الاقتصاد، الذاكرة. وحين يصل الناس إلى مرحلة القبول بأي شيء يوقف النزيف، يُطرح “الحل”: لجنة، إدارة، تهدئة، مساعدات… بلا كرامة سياسية.
غزة اليوم تُدار كمنطقة فائضة عن الحاجة. لا يُراد لها أن تنهار بالكامل، ولا أن تُشفى. فقط أن تبقى معلّقة: حيّة بما يكفي لتُحاسَب، ومكسورة بما يكفي لتُطيع. في هذا النموذج، لا مكان لإرادة الناس. لا استفتاء، لا تمثيل، لا نقاش. يُفترض أن الفلسطيني في غزة لا يريد مستقبلًا، بل فقط رغيفًا وأمانًا مؤقتًا. وهذه أخطر جريمة سياسية تُرتكب اليوم: اختزال الإنسان في حاجاته الدنيا، وتجريده من حقه في السؤال.
والحقيقة المؤلمة التي لا يريد أحد الاعتراف بها: هذا السيناريو لم يُفرض بالقوة وحدها، بل وُلد أيضًا من داخل عجزنا. الانقسام، غياب المشروع الوطني، والقرارات الكارثية غير المحسوبة، كلها فتحت الباب لهذا النموذج. حين تفشل السياسة، تتقدم الإدارة. وحين يغيب القرار الوطني، تُفرض اللجان. غزة لا تُدار لأنها بحاجة إلى إدارة، بل لأنها ممنوعة من أن تُحكم بإرادتها. وكل من يروّج لهذه المرحلة كإنجاز، يتجاهل السؤال الأخطر: من يملك حق إنهاء الحرب؟ ومن يقرر شكل الحياة بعدها؟
حتى ذلك الحين، ستبقى غزة مساحة اختبار: لا تُقصف بما يكفي لإنهائها، ولا تُترك بما يكفي لتعيش. وهذه، تحديدًا، أخطر مرحلة تمرّ على الشعب الفلسطيني في تاريخه الحديث.