أوروبا ليست قطبا
بي دي ان |
12 يناير 2026 الساعة
01:07ص
الكاتب
نتاج تداعيات الحرب العالمية الثانية 1939/1945 خرجت أوروبا بطرفيها المتصارعين مع حلفائهم الدوليين، دول المحور (ألمانيا، إيطاليا، اليابان) وقوات الحلفاء (بريطانيا، فرنسا، اميركا، الاتحاد السوفييتي) كسيحة ومدمرة، المهزوم والمنتصر، خرج كلاهما تابعا للولايات المتحدة، ودول أوروبا الشرقية تابعة للسوفييت، ومازالت أوروبا التي شكلت اتحادها الأوروبي رسميا في عام 1993، تدور في دائرة المحوطة للولايات المتحدة، ولم تتمكن حتى اللحظة الراهنة من تشكيل قطب دولي مستقل. ولهذا أسباب ذاتية وموضوعية.
وفي ولاية الرئيس دونالد ترمب الثانية، التي بدأت بداية العام الماضي (2025)، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه امام خيارين: إما المواجهة الجماعية مع الإدارة الأميركية أو استمرار الوضع ذاته، الممتد من نهاية الحرب العالمية الثانية، التي أعلن الرئيس الأميركي في لقائه مع صحيفة "نيويورك تايمز" المنشور في يوم الخميس الماضي 9 كانون ثاني / يناير الحالي (2026)، بأن النظام العالمي بشكله السابق انتهى الى غير رجعة، والان يجري التحول لبناء منظومة عالمية جديدة. وهذا ما أكده مقال منشور في مجلة "فورين أفيريز" 27 كانون اول / ديسمبر الماضي (2025) بعنوان "كيف خسرت أوروبا" للخبيران ماثيس ماتياس، وناتالي توشي، ولخصا المشهد الأوروبي بأنه "فخ هزيمة ذاتية".
ورغم التحول السلبي في موقف واشنطن تجاه أوروبا، لم تحاول دول الاتحاد التفاوض معها كشريك متساوٍ، أو تأكيد مكانتها واستقلاليتها الاستراتيجية التامة والكاملة، مما ابقاها تراوح في موقع التابع لها. أضف الى أن مشكلة أوروبا لا تقتصر على وصول ترمب لسدة الحكم مجددا، انما هو سابق عليه، ويعود السبب لعدم تطوير دول الاتحاد منظومتها السياسية والاقتصادية والعسكرية خلال العقود الماضية، وبلوغ مرحلة الاستقلالية الكاملة عن المركز الأميركي.
ومن بين الأسباب التي حالت دون ارتقاء الاتحاد لمكانة القطب: أولا خروج بريطانيا من الاتحاد بعد ازمة البريكست، الذي شكل ضربة مؤلمة له، وأضعف قدرته على ممارسة النفوذ الجيوسياسي، وفقدت اوروبا ثاني أكبر اقتصاد، والقوة العسكرية الأولى أوروبيا؛ ثانيا عدم تمكن فرنسا من سد العجز بعد غياب بريطانيا، رغم ان الرئيس مانويل ماكرون تحدث كثيرا عن "الاستقلالية الاستراتيجية" لأوروبا، وراهن أن بإمكان فرنسا قيادة أوروبا تحت المظلة النووية الفرنسية؛ ثالثا عدم قناعة دول أوروبا الوسطى والشرقية بالرؤية الفرنسية والاستقلالية الاستراتيجية، نتاج عدم الثقة بقدرة الاتحاد على تطوير ادواته المختلفة وخاصة العسكرية لحماية دوله؛ رابعا رغم مركزية وثقل المانيا الاقتصادية والمالية، التي لعبت دورا مهما في تغطية عجز دول أوروبا الوسطى والشرقية، الا انها لم تتمكن من تطوير منظومتها العسكرية، رغم خطاب المستشار الألماني السابق اولاف شولتس في شباط /فبراير 2022 عن "نقطة التحول"، وهذا زاد من فقدان الثقة لدى الدول المتحفظة، لقناعتها بعدم القدرة على منافسة الولايات المتحدة او روسيا او الصين؛ خامسا من بين ال 27 دولة في الاتحاد، 12 دولة لا تملك أي دبابات قتال مؤهلة للمنافسة مع نظيراتها لدى الأقطاب الدولية الاخرى، و14 دولة ليس لديها أي طائرات مقاتلة، أضف الى أن انتاج أوروبا من قذائف المدفعية متخلف جدا، ومع ان الاتحاد الأوروبي سعى لرفع انتاجه السنوي الى مليوني قذيفة في العام الماضي (2025)، فإن كل من روسيا وكوريا الشمالية تفوقت على أوروبا في هذا المجال، حسب ما رصدته نشرة "ناشيونال انترست" في اذار / مارس 2025، وهذا يحد من قدرة أوروبا على خوض حرب مواجهة مع أي من الأقطاب الدولية؛ سادسا استمرار اعتمادها على واشنطن في الحقل العسكري؛ سابعا وجود أوروبا بين فكي كماشة من الشرق روسيا الاتحادية ومن الغرب الولايات المتحدة؛ ثامنا رفض البرلمان الهولندي، في مارس 2025 اقتراح "إعادة تسليح أوروبا" الأكبر بمبلغ 800 مليار يورو الممول بالديون، مما فاقم من التباينات والاختلافات بين الدول، وفق الدكتور عمران خالد، المحلل الاستراتيجي، الذي نشر معطياته في "Eurasia Review" تاسعا المشكلة الاعمق هي الانقسام الداخلي حسب تقرير "China-CEE institute" الذي أشار لوجود 3 انقسامات رئيسية بين الكتلة الأوروبية والكتلة الأطلسية حول بناء الدفاع العسكري، بين الحماية والانفتاح في السياسة التجارية، وبين مقاربات مختلفة تجاه الصين. هذه الاختلافات قللت من كفاءة المساعدات العسكرية للاتحاد لأوكرانيا، واعاقت تقدم اتفاقيات التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وأطراف ثالثة، وزادت من صعوبة إدخال أدوات اقتصادية وتجارية جديدة.
بالنتيجة الماثلة للعيان، لم تتمكن أوروبا من التحول الى قطب مركزي، ولا يعود السبب للضغوط الخارجية والعامل الموضوعي فقط، بل يعود في الجوهر لغياب إرادة وقيادة موحدة قادرة على نهوض أوروبا وخروجها من كبوتها التاريخية، ولا يبدو في الأفق المنظور أن الاتحاد سيتمكن من الارتقاء لمكانة القطب، رغم انه يملك الإمكانيات السياسية والاقتصادية والمالية، التي تؤهله للنهوض، لكنه بحاجة ماسة لقيادة مختلفة ورؤية برنامجية مغايرة وملزمة لدوله، هذا إذا بقي الاتحاد اتحادا.
[email protected]
[email protected]
بي دي ان |
12 يناير 2026 الساعة 01:07ص
وفي ولاية الرئيس دونالد ترمب الثانية، التي بدأت بداية العام الماضي (2025)، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه امام خيارين: إما المواجهة الجماعية مع الإدارة الأميركية أو استمرار الوضع ذاته، الممتد من نهاية الحرب العالمية الثانية، التي أعلن الرئيس الأميركي في لقائه مع صحيفة "نيويورك تايمز" المنشور في يوم الخميس الماضي 9 كانون ثاني / يناير الحالي (2026)، بأن النظام العالمي بشكله السابق انتهى الى غير رجعة، والان يجري التحول لبناء منظومة عالمية جديدة. وهذا ما أكده مقال منشور في مجلة "فورين أفيريز" 27 كانون اول / ديسمبر الماضي (2025) بعنوان "كيف خسرت أوروبا" للخبيران ماثيس ماتياس، وناتالي توشي، ولخصا المشهد الأوروبي بأنه "فخ هزيمة ذاتية".
ورغم التحول السلبي في موقف واشنطن تجاه أوروبا، لم تحاول دول الاتحاد التفاوض معها كشريك متساوٍ، أو تأكيد مكانتها واستقلاليتها الاستراتيجية التامة والكاملة، مما ابقاها تراوح في موقع التابع لها. أضف الى أن مشكلة أوروبا لا تقتصر على وصول ترمب لسدة الحكم مجددا، انما هو سابق عليه، ويعود السبب لعدم تطوير دول الاتحاد منظومتها السياسية والاقتصادية والعسكرية خلال العقود الماضية، وبلوغ مرحلة الاستقلالية الكاملة عن المركز الأميركي.
ومن بين الأسباب التي حالت دون ارتقاء الاتحاد لمكانة القطب: أولا خروج بريطانيا من الاتحاد بعد ازمة البريكست، الذي شكل ضربة مؤلمة له، وأضعف قدرته على ممارسة النفوذ الجيوسياسي، وفقدت اوروبا ثاني أكبر اقتصاد، والقوة العسكرية الأولى أوروبيا؛ ثانيا عدم تمكن فرنسا من سد العجز بعد غياب بريطانيا، رغم ان الرئيس مانويل ماكرون تحدث كثيرا عن "الاستقلالية الاستراتيجية" لأوروبا، وراهن أن بإمكان فرنسا قيادة أوروبا تحت المظلة النووية الفرنسية؛ ثالثا عدم قناعة دول أوروبا الوسطى والشرقية بالرؤية الفرنسية والاستقلالية الاستراتيجية، نتاج عدم الثقة بقدرة الاتحاد على تطوير ادواته المختلفة وخاصة العسكرية لحماية دوله؛ رابعا رغم مركزية وثقل المانيا الاقتصادية والمالية، التي لعبت دورا مهما في تغطية عجز دول أوروبا الوسطى والشرقية، الا انها لم تتمكن من تطوير منظومتها العسكرية، رغم خطاب المستشار الألماني السابق اولاف شولتس في شباط /فبراير 2022 عن "نقطة التحول"، وهذا زاد من فقدان الثقة لدى الدول المتحفظة، لقناعتها بعدم القدرة على منافسة الولايات المتحدة او روسيا او الصين؛ خامسا من بين ال 27 دولة في الاتحاد، 12 دولة لا تملك أي دبابات قتال مؤهلة للمنافسة مع نظيراتها لدى الأقطاب الدولية الاخرى، و14 دولة ليس لديها أي طائرات مقاتلة، أضف الى أن انتاج أوروبا من قذائف المدفعية متخلف جدا، ومع ان الاتحاد الأوروبي سعى لرفع انتاجه السنوي الى مليوني قذيفة في العام الماضي (2025)، فإن كل من روسيا وكوريا الشمالية تفوقت على أوروبا في هذا المجال، حسب ما رصدته نشرة "ناشيونال انترست" في اذار / مارس 2025، وهذا يحد من قدرة أوروبا على خوض حرب مواجهة مع أي من الأقطاب الدولية؛ سادسا استمرار اعتمادها على واشنطن في الحقل العسكري؛ سابعا وجود أوروبا بين فكي كماشة من الشرق روسيا الاتحادية ومن الغرب الولايات المتحدة؛ ثامنا رفض البرلمان الهولندي، في مارس 2025 اقتراح "إعادة تسليح أوروبا" الأكبر بمبلغ 800 مليار يورو الممول بالديون، مما فاقم من التباينات والاختلافات بين الدول، وفق الدكتور عمران خالد، المحلل الاستراتيجي، الذي نشر معطياته في "Eurasia Review" تاسعا المشكلة الاعمق هي الانقسام الداخلي حسب تقرير "China-CEE institute" الذي أشار لوجود 3 انقسامات رئيسية بين الكتلة الأوروبية والكتلة الأطلسية حول بناء الدفاع العسكري، بين الحماية والانفتاح في السياسة التجارية، وبين مقاربات مختلفة تجاه الصين. هذه الاختلافات قللت من كفاءة المساعدات العسكرية للاتحاد لأوكرانيا، واعاقت تقدم اتفاقيات التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وأطراف ثالثة، وزادت من صعوبة إدخال أدوات اقتصادية وتجارية جديدة.
بالنتيجة الماثلة للعيان، لم تتمكن أوروبا من التحول الى قطب مركزي، ولا يعود السبب للضغوط الخارجية والعامل الموضوعي فقط، بل يعود في الجوهر لغياب إرادة وقيادة موحدة قادرة على نهوض أوروبا وخروجها من كبوتها التاريخية، ولا يبدو في الأفق المنظور أن الاتحاد سيتمكن من الارتقاء لمكانة القطب، رغم انه يملك الإمكانيات السياسية والاقتصادية والمالية، التي تؤهله للنهوض، لكنه بحاجة ماسة لقيادة مختلفة ورؤية برنامجية مغايرة وملزمة لدوله، هذا إذا بقي الاتحاد اتحادا.
[email protected]
[email protected]