حين تصبح غزة ساحة تصفية حسابات: السياسة فوق الجثث..

بي دي ان |

09 يناير 2026 الساعة 05:39م

الكاتب
في غزة، لا تبدأ الحكاية بصاروخ، ولا تنتهي ببيان عسكري. الحكاية تبدأ حين ننام ونحن لا نعرف إن كنا سنستيقظ، وحين نستيقظ نكتشف أن الحرب لم تعد حدثًا طارئًا، بل حالة دائمة. في مكانٍ يُقاس فيه الزمن بعدد الغارات لا بعدد الأيام، تتحول الحياة إلى انتظار طويل للمجهول، ويصبح السؤال الأثقل: لماذا تستمر هذه الحرب؟ ومن قرر ألا تنتهي؟
غزة اليوم ليست مجرد ساحة قتال، بل مرآة فاضحة لكيف تُدار الحروب الحديثة حين تتقاطع المصالح السياسية والاقتصادية، وتغيب الأخلاق، ويُترك الإنسان وحده في المنتصف. ما يجري هنا ليس فوضى ولا انفلاتًا، بل إدارة باردة لحرب طويلة الأمد، تُقاس نتائجها بالاستنزاف لا بالحسم، وبالوقت لا بالنصر. كل شيء محسوب بدقة، إلا حياة الناس.
في هذا السياق، لا يمكن فصل الحرب عن الأطماع. غاز غزة، المحاصر منذ سنوات، ليس تفصيلًا جانبيًا في المشهد، بل جزء من الصراع غير المعلن. ثروة مؤجلة بالقوة، ومؤجلة بالدم. في العقل السياسي الأمريكي، وخصوصًا في عقلية ترامب التاجر قبل أن يكون رئيسًا، لا تُدار الحروب فقط بالسلاح، بل بالموارد. غزة في هذا المنطق ليست فقط “مشكلة أمنية”، بل فرصة اقتصادية، شرط إعادة تشكيل واقعها السياسي والديمغرافي.
وهنا يلتقي هذا الطمع مع الحلم الإسرائيلي القديم المتجدد: تفريغ غزة. التهجير لم يعد فكرة خيالية أو هامشية، بل مشروعًا يُختبر تدريجيًا. ليس عبر إعلان رسمي، بل عبر جعل الحياة نفسها مستحيلة: قصف بلا توقف، تجويع، تدمير ممنهج للبنية التحتية، وتحويل البقاء إلى معركة يومية. حين يصبح الموت احتمالًا دائمًا، والنجاة استثناءً، يُدفع الناس دفعًا نحو الرحيل، ثم يُسمّى ذلك زورًا “خيارًا إنسانيًا”.
تُدار الحرب بإيقاع محسوب بدقة: دمار واسع، ضحايا بالآلاف، لكن دون ضربة تُنهي المشهد. لا حسم، ولا نهاية واضحة. المطلوب إبقاء غزة في حالة وسطية قاتلة: نار مشتعلة بما يكفي لتغيير الواقع، دون انفجار إقليمي يخرج عن السيطرة. كل ادعاء بخرق، كل حادثة، كل تصريح، يتحول إلى مبرر جاهز لغارة جديدة، وتوسيع “بنك الأهداف”. الهدف الحقيقي ليس إنهاء الحرب، بل استمرارها.
وفي هذه المعادلة القاسية، لا يمكن تجاهل الحقيقة المؤلمة: هذه السياسات لم تُفرض فقط بقوة إسرائيل وأمريكا، بل أيضًا باستثمار واضح في أخطائنا نحن. الغباء السياسي الفلسطيني، الانقسام، العجز عن بناء مشروع وطني جامع، كلها وفّرت البيئة المثالية لهذه الكارثة. أما قرار حماس ببدء الحرب، مهما كانت دوافعه، فقد جاء في توقيت إقليمي ودولي شديد الحساسية، ومن دون حساب واقعي لموازين القوى ولا لحجم الرد، ما منح خصوم غزة الذريعة الذهبية لإطلاق أوسع عملية تدمير عرفها القطاع.
حماس لا تُعامَل كطرف سياسي في نزاع، بل كذريعة دائمة لاستمرار الحرب. كل شيء يُقصف “باسم الضغط عليها”، لكن الواقع أن المجتمع الغزّي بأكمله هو من يُعاقَب. البيوت، المستشفيات، المدارس، الماء، الخبز… كلها أهداف مشروعة في حرب لا تعترف بمدنيين. يُطلب من الناس أن يدفعوا ثمن قرارات لم يشاركوا في اتخاذها، وحروب لم يُستشاروا فيها.
الأخطر أن هذه الحرب تُدار بلا أفق سياسي متعمّد. لا حديث جدي عن اليوم التالي، ولا رؤية لإعادة الإعمار، ولا تصور لإدارة القطاع. هذا الفراغ ليس فشلًا في التخطيط، بل جزء من الخطة نفسها. لأن الاعتراف باليوم التالي يعني الاعتراف بأن كل هذا الدمار لم يحقق حسمًا، بل فتح بابًا لأسئلة أكبر: من يحكم؟ من يعيد البناء؟ ومن يملك الأرض والبحر والثروات؟
وهكذا تصبح غزة رهينة للوقت. تُقصف اليوم لأن الحرب “لم تنتهِ”، وتُقصف غدًا لأن أحدًا لا يريد أن ينهيها. بين قصفٍ وآخر، تُستنزف الأرواح، ويتآكل المجتمع، ويُعاد تشكيل الإنسان الغزّي نفسيًا: أقل أملًا، أكثر إنهاكًا، وأقرب إلى الانكسار.
ما يجري في غزة ليس حربًا تبحث عن نصر، بل سياسة تبحث عن وقت، وعن موارد، وعن تغيير وقائع. وقت لقيادات مأزومة تهرب من المحاسبة، ووقت لقوى دولية تعيد ترتيب مصالحها، ووقت يُسحب من عمر الفلسطيني بلا أي قيمة في ميزان القرار.
الحقيقة التي لا يحب الإعلام قولها أن الإنسان الفلسطيني خارج معادلة القرار تمامًا. والخطأ الأكبر في قراءة ما يجري في غزة هو الاعتقاد أن ما نراه هو كل ما يحدث. ما يُعرض على الشاشات هو القشرة فقط، أما جوهر الحرب، فيُدار في مساحة رمادية، حيث لا تُتخذ القرارات بهدف النصر أو الهزيمة، بل بهدف إدارة الوقت، واستثمار الأخطاء، وإعادة رسم الخرائط… على حساب غزة وحدها.