غزة من الداخل: قراءة إكلينيكية في النفس التي أنهكتها الحرب...

بي دي ان |

01 يناير 2026 الساعة 09:43م

الكاتب
في غزة، لم تعد المعاناة النفسية حالة فردية يمكن تشخيصها في عيادة، بل أصبحت حالة عامة، تكاد تكون “الهواء النفسي” الذي يتنفسه الناس يوميًا. الحرب لم تترك أثرها فقط على البيوت والشوارع، بل دخلت إلى أعمق مكان في الإنسان: إلى الشعور بالأمان، إلى معنى الحياة، إلى القدرة على الاحتمال، وإلى صورة الذات. ما نراه اليوم في غزة ليس مجرد حزن أو خوف عابر، بل طيف واسع من الاضطرابات النفسية التي يدرسها علم النفس الإكلينيكي، لكنها هنا لا تظهر كحالات معزولة، بل كظاهرة جمعية.
أول وأوضح ما أصاب الناس هو اضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD)، لكن بصيغة أشدّ وأعقد. الصدمة في غزة لم تكن حدثًا واحدًا ينتهي، بل سلسلة متواصلة من القصف، النزوح، الفقد، الجوع، وانعدام اليقين. علم النفس الإكلينيكي يوضح أن أخطر أنواع الصدمات هي الصدمات المتكررة طويلة الأمد، لأنها لا تمنح العقل فرصة للترميم. لهذا نرى أعراضًا مثل: كوابيس مستمرة، استرجاع قهري للمشاهد، فرط يقظة، خوف دائم، وتوتر جسدي حتى في لحظات الهدوء. كثير من الناس لا ينامون نومًا حقيقيًا، بل يدخلون في حالة “نوم حذر”، وكأن العقل يرفض أن يترك الجسد دون مراقبة.
لكن الأخطر من الصدمة نفسها هو تحولها إلى نمط حياة. حين يعيش الإنسان في تهديد دائم، يبدأ جهازه العصبي بالعمل على وضع الطوارئ بشكل مستمر. هنا تظهر أعراض القلق المزمن: تسارع ضربات القلب، ضيق النفس، توتر العضلات، نوبات هلع مفاجئة، وشعور دائم بأن شيئًا سيئًا سيحدث، حتى دون سبب مباشر. في غزة، القلق لم يعد مرتبطًا بخبر أو صوت قصف فقط، بل أصبح حالة داخلية ثابتة، كأن الجسد فقد قدرته على الإحساس بالأمان.
إلى جانب القلق، انتشر الاكتئاب بصورته القاسية. لكن هذا الاكتئاب لا يظهر دائمًا كبكاء أو حزن واضح، بل غالبًا كـ فراغ، خدر، وانطفاء داخلي. كثيرون فقدوا الإحساس بالمتعة، فقدوا الدافعية، فقدوا القدرة على التخطيط، وحتى الرغبة في الكلام. في علم النفس الإكلينيكي، يُعرف هذا بنوع من الاكتئاب المرتبط بالفقد الوجودي، حيث لا يحزن الإنسان فقط على ما خسره، بل على المستقبل الذي لم يعد قادرًا على تخيّله. حين يصبح الغد غامضًا ومخيفًا، يفقد العقل سبب الاستمرار.
ومع طول أمد الحرب، ظهر ما يُسمّى الإنهاك النفسي الشديد (Psychological Burnout)، ليس فقط لدى العاملين في الميدان، بل لدى الناس العاديين. الإنهاك هنا لا يعني التعب، بل الاستنزاف الكامل للطاقة النفسية. الشخص يصبح سريع الغضب، قليل الصبر، فاقدًا للتعاطف أحيانًا، ليس لأنه قاسٍ، بل لأنه لم يعد يملك شيئًا يعطيه. هذا يفسر كثيرًا من السلوكيات الحادة، والانفعالات المبالغ فيها، والانفجارات الغاضبة التي نراها في الحياة اليومية.
كما ظهرت بشكل واضح اضطرابات التكيّف، حيث يجد الإنسان نفسه عاجزًا عن التوافق مع واقع يفوق قدرته النفسية. بعض الناس انسحبوا اجتماعيًا، انعزلوا، قلّ تواصلهم، وأغلقوا على أنفسهم. آخرون لجأوا إلى الإنكار، أو السخرية السوداء، أو التقليل من حجم الخطر، كآليات دفاع نفسية. هذه ليست “لا مبالاة”، بل محاولات يائسة للعقل كي يحمي نفسه من الانهيار.
ولا يمكن تجاهل أثر الحرب على صورة الذات. كثير من الغزيّين، خاصة الشباب، يعيشون اليوم شعورًا عميقًا بالعجز، والذنب، واللاجدوى. هناك من يشعر بالذنب لأنه نجا بينما مات غيره، ومن يشعر بأنه فشل في حماية أسرته، ومن فقد قيمته الذاتية لأنه لم يعد قادرًا على العمل أو الإعالة. في علم النفس الإكلينيكي، هذه المشاعر تُعدّ بيئة خصبة للاكتئاب الشديد، وأحيانًا للأفكار الانتحارية، حتى لو لم يُصرّح بها أصحابها.
الأطفال بدورهم لم يكونوا خارج هذه الدائرة. ما تعرضوا له تجاوز قدرتهم النمائية على الفهم والاستيعاب. كثير منهم يعانون من تبول لا إرادي، تراجع لغوي، نوبات غضب، صمت طويل، أو تعلق مرضي بالوالدين. هذه ليست “سلوكيات سيئة”، بل علامات صدمة مبكرة قد ترافقهم لسنوات إن لم تُفهم وتُعالج.
أما أخطر ما في المشهد الإكلينيكي في غزة، فهو الاعتياد المرضي على الألم. حين يصبح القتل خبرًا عاديًا، والنزوح جزءًا من الروتين، فإن النفس لا تتجاوز الصدمة، بل تتكيّف معها بثمن باهظ: فقدان الحساسية، تبلّد المشاعر، وانكسار الرابط الطبيعي بين الحدث والاستجابة. هذا الاعتياد لا يعني الشفاء، بل يعني أن النفس تعمل فوق طاقتها منذ زمن طويل.
الخلاصة أن غزة اليوم لا تعاني فقط من جراح نفسية، بل من جرح نفسي جماعي مفتوح. علم النفس الإكلينيكي لا يطلب منا أن نلوم أنفسنا على أعراضنا، بل أن نفهمها كاستجابات طبيعية لظروف غير طبيعية. الاكتئاب، القلق، الغضب، التبلّد، الانسحاب، كلها ليست عيوبًا أخلاقية، بل إشارات استغاثة من نفسٍ أُنهكت.
فهم هذه الأعراض ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة تاريخية. لأن مجتمعًا لا يعترف بجراحه النفسية، سيحملها معه إلى المستقبل، ويورّثها للأجيال القادمة. وإذا كان الاحتلال قد دمّر الحجر، فإن إهمال هذا البعد النفسي قد يدمّر الإنسان من الداخل.
هذا المقال ليس تشخيصًا نهائيًا، ولا وصفة علاج، بل محاولة لتوثيق ما حدث لنا نفسيًا، حتى لا يُختزل وجع غزة في أرقام، ولا يُطلب من ناسها أن “يتجاوزوا” ما لم يُتح لهم يومًا أن يلتئموا.