غزة تُدار بالخوف: كيف دمّر الواقع السياسي الإنسان قبل أن يدمّر الحجر
بي دي ان |
20 ديسمبر 2025 الساعة
06:18م
في هذه السلسلة من المقالات، نحاول أن نقرأ واقع غزة من خلال ميادين علم النفس الحديثة؛ لا بوصفه علمًا نظريًا معزولًا، بل أداة فهم، وتفكيك، وربما مقاومة.
ليس من السهل أن تشرح واقع غزة السياسي بكلماتٍ محايدة. لأن غزة، ببساطة، لم تعد تعيش السياسة كمجالٍ للنقاش أو الاختلاف أو حتى كأزمة مؤقتة، بل تعيشها كحالة نفسية مستمرة، تتغلغل في النوم، وفي القرارات الصغيرة، وفي المزاج العام، وفي صورة المستقبل .
في غزة، لم تعد السياسة شأنًا عامًا يُناقَش، ولا خيارًا يُختلَف حوله، بل تحوّلت إلى تجربة نفسية يومية يعيشها الناس في أجسادهم وأعصابهم وقراراتهم الصغيرة. خلال العامين الأخيرين من الحرب، لم يشعر الغزيون فقط بثقل الاحتلال، بل بثقل واقع سياسي فلسطيني عاجز، مرتبك، ومنفصل عن حياة الناس الفعلية، واقع لا يمنح حماية ولا أفقًا ولا حتى تفسيرًا صادقًا لما يحدث.
علم النفس السياسي يصف ما تعيشه غزة بأنه صدمة سياسية مزمنة؛ أي حالة يتعرض فيها المجتمع لعنف متكرر دون قدرة على التأثير في القرار أو التنبؤ بالمستقبل. في مثل هذه البيئات، لا يتطور الغضب إلى فعل سياسي واعٍ، بل يتحول إلى إنهاك داخلي، ثم إلى انسحاب نفسي. هنا نستحضر مفهوم “العجز المتعلّم” الذي تحدّث عنه عالم النفس مارتن سليغمان، حيث يتعلّم الإنسان، مع تكرار القهر، أن محاولاته لن تغيّر شيئًا، فيخفض سقف توقعاته، لا لأنه اقتنع، بل لأنه أُنهك.
السياسة في غزة طوال أزمة الحرب ومازالت ، تُدار بمنطق الخوف لا بمنطق الشراكة. الخوف من القصف، من الجوع، من النزوح، من المرض، ومن الغد المجهول. هذا الخوف، كما يوضح فيليب زيمباردو في دراساته حول السلوك تحت القهر، لا يُنتج الطاعة فقط، بل يُنتج التكيّف القسري؛ أي أن الناس استمرت في العيش نعم، لكنها فقدت تدريجيًا قدرتها على السؤال والمحاسبة. وهنا أصبحت السياسة عبئًا نفسيًا على أهل غزة بدل أن تكون أداة حماية.
الأخطر من ذلك هو تآكل الثقة. ليس فقط الثقة بالعالم الخارجي، بل الثقة بالبنية السياسية الفلسطينية نفسها بحكوماتها وفصائلها ، في علم النفس السياسي، يُسمّى هذا “الاغتراب السياسي”: أن يشعر الإنسان بأنه منتمٍ لهويته، لكنه غير ممثَّل، وغير محمي، وغير مرئي في القرارات المصيرية. في غزة، كثيرون لا يسألون “من المخطئ؟” بقدر ما يسألون “هل هناك من يفكّر بنا أصلًا؟”.
ورغم هذا كله، لا يمكن أن نغفل عن عدم شعور أهل غزة بظاهرة التضامن المجتمعي للأسف. الناس لا تتكافل، لا تتقاسم الطعام، لا تُنقذ بعضها البعض، ولا تخلق أشكالًا بديلة من التنظيم. علم النفس الاجتماعي يفسر التضامن المجتمعي بتعزيز الهوية الجمعية تحت التهديد. لكن المصيبة هنا ، إدعاء البعض بوجود هذا التضامن أثناء الحرب ،رغم اختفائه ، وذلك لتحويل هذا الخطاب كتمجيد دائم للصمود ،كي يتم اخفاء حقيقة مُرّة ،وهي أن الصمود هنا ليس خيارًا حرًا، بل آلية بقاء في ظل غياب أي حماية سياسية حقيقية.
ثم نصل إلى أخطر المراحل: الاعتياد. لقد تم اعتيادنا على القتل، على النزوح، على الخسارة، على الوعود الفارغة. تحذر الباحثة جوديث هيرمان من أن تطبيع العنف هو العلامة الأوضح على إنهاك المجتمعات المصدومة. في غزة، لم يعتد الناس لأنهم قساة، بل لأنهم تُركوا وحدهم طويلًا.
والسؤال الذي يفرض نفسه: ماذا نفعل بكل هذا الفهم؟ الفهم ليس ترفًا. في غزة، الفهم هو شكل من أشكال المقاومة. لأن تسمية ما يجري ..كصدمة سياسية مزمنة، وكبيئة خوف تُدار، وكعجز متعلّم مفروض، وكاغتراب سياسي...يعني أننا لا نُحمّل الضحية مسؤولية ما فُرض عليها. ويعني أننا نستعيد حقنا في تفسير واقعنا بأدوات علمية لا بخطابات الاتهام واللوم. غزة ليست “شعبًا يعتاد”، بل شعبًا يُدفَع يوميًا إلى حافة الاحتمال، ثم يُطلب منه أن يبتسم ويكمل. ليست “مجتمعًا يحب الموت”، بل مجتمعًا حُشر في زاوية، وصار يفاوض الحياة على أبسط حقوقها.
هذا المقال لا يهدف إلى جلد الضحية، ولا إلى تحميل الناس مسؤولية واقع فُرض عليهم. بل إلى تسمية الأشياء بأسمائها: غزة لا تعاني فقط من عدوان خارجي، بل من واقع سياسي داخلي عاجز عن حماية الإنسان، وعن منحه معنى أو أملًا أو حتى خطابًا صادقًا. وفهم هذا الواقع، نفسيًا وسياسيًا، ليس ترفًا فكريًا، بل شرطًا أساسيًا لأي حديث حقيقي عن الخلاص.
هذه السلسلة ستواصل النظر إلى غزة عبر ميادين علم النفس الأخرى، لا لنشرح العلم للناس، بل لنشرح الناس للعالم. وفي المقال القادم، سنذهب إلى علم النفس الاجتماعي، لنفهم كيف أعادت الحرب تشكيل العلاقات، والثقة، ونظرة الناس لبعضهم، وما الذي كسبناه من التضامن، وما الذي خسرناه من الداخل.
بي دي ان |
20 ديسمبر 2025 الساعة 06:18م
ليس من السهل أن تشرح واقع غزة السياسي بكلماتٍ محايدة. لأن غزة، ببساطة، لم تعد تعيش السياسة كمجالٍ للنقاش أو الاختلاف أو حتى كأزمة مؤقتة، بل تعيشها كحالة نفسية مستمرة، تتغلغل في النوم، وفي القرارات الصغيرة، وفي المزاج العام، وفي صورة المستقبل .
في غزة، لم تعد السياسة شأنًا عامًا يُناقَش، ولا خيارًا يُختلَف حوله، بل تحوّلت إلى تجربة نفسية يومية يعيشها الناس في أجسادهم وأعصابهم وقراراتهم الصغيرة. خلال العامين الأخيرين من الحرب، لم يشعر الغزيون فقط بثقل الاحتلال، بل بثقل واقع سياسي فلسطيني عاجز، مرتبك، ومنفصل عن حياة الناس الفعلية، واقع لا يمنح حماية ولا أفقًا ولا حتى تفسيرًا صادقًا لما يحدث.
علم النفس السياسي يصف ما تعيشه غزة بأنه صدمة سياسية مزمنة؛ أي حالة يتعرض فيها المجتمع لعنف متكرر دون قدرة على التأثير في القرار أو التنبؤ بالمستقبل. في مثل هذه البيئات، لا يتطور الغضب إلى فعل سياسي واعٍ، بل يتحول إلى إنهاك داخلي، ثم إلى انسحاب نفسي. هنا نستحضر مفهوم “العجز المتعلّم” الذي تحدّث عنه عالم النفس مارتن سليغمان، حيث يتعلّم الإنسان، مع تكرار القهر، أن محاولاته لن تغيّر شيئًا، فيخفض سقف توقعاته، لا لأنه اقتنع، بل لأنه أُنهك.
السياسة في غزة طوال أزمة الحرب ومازالت ، تُدار بمنطق الخوف لا بمنطق الشراكة. الخوف من القصف، من الجوع، من النزوح، من المرض، ومن الغد المجهول. هذا الخوف، كما يوضح فيليب زيمباردو في دراساته حول السلوك تحت القهر، لا يُنتج الطاعة فقط، بل يُنتج التكيّف القسري؛ أي أن الناس استمرت في العيش نعم، لكنها فقدت تدريجيًا قدرتها على السؤال والمحاسبة. وهنا أصبحت السياسة عبئًا نفسيًا على أهل غزة بدل أن تكون أداة حماية.
الأخطر من ذلك هو تآكل الثقة. ليس فقط الثقة بالعالم الخارجي، بل الثقة بالبنية السياسية الفلسطينية نفسها بحكوماتها وفصائلها ، في علم النفس السياسي، يُسمّى هذا “الاغتراب السياسي”: أن يشعر الإنسان بأنه منتمٍ لهويته، لكنه غير ممثَّل، وغير محمي، وغير مرئي في القرارات المصيرية. في غزة، كثيرون لا يسألون “من المخطئ؟” بقدر ما يسألون “هل هناك من يفكّر بنا أصلًا؟”.
ورغم هذا كله، لا يمكن أن نغفل عن عدم شعور أهل غزة بظاهرة التضامن المجتمعي للأسف. الناس لا تتكافل، لا تتقاسم الطعام، لا تُنقذ بعضها البعض، ولا تخلق أشكالًا بديلة من التنظيم. علم النفس الاجتماعي يفسر التضامن المجتمعي بتعزيز الهوية الجمعية تحت التهديد. لكن المصيبة هنا ، إدعاء البعض بوجود هذا التضامن أثناء الحرب ،رغم اختفائه ، وذلك لتحويل هذا الخطاب كتمجيد دائم للصمود ،كي يتم اخفاء حقيقة مُرّة ،وهي أن الصمود هنا ليس خيارًا حرًا، بل آلية بقاء في ظل غياب أي حماية سياسية حقيقية.
ثم نصل إلى أخطر المراحل: الاعتياد. لقد تم اعتيادنا على القتل، على النزوح، على الخسارة، على الوعود الفارغة. تحذر الباحثة جوديث هيرمان من أن تطبيع العنف هو العلامة الأوضح على إنهاك المجتمعات المصدومة. في غزة، لم يعتد الناس لأنهم قساة، بل لأنهم تُركوا وحدهم طويلًا.
والسؤال الذي يفرض نفسه: ماذا نفعل بكل هذا الفهم؟ الفهم ليس ترفًا. في غزة، الفهم هو شكل من أشكال المقاومة. لأن تسمية ما يجري ..كصدمة سياسية مزمنة، وكبيئة خوف تُدار، وكعجز متعلّم مفروض، وكاغتراب سياسي...يعني أننا لا نُحمّل الضحية مسؤولية ما فُرض عليها. ويعني أننا نستعيد حقنا في تفسير واقعنا بأدوات علمية لا بخطابات الاتهام واللوم. غزة ليست “شعبًا يعتاد”، بل شعبًا يُدفَع يوميًا إلى حافة الاحتمال، ثم يُطلب منه أن يبتسم ويكمل. ليست “مجتمعًا يحب الموت”، بل مجتمعًا حُشر في زاوية، وصار يفاوض الحياة على أبسط حقوقها.
هذا المقال لا يهدف إلى جلد الضحية، ولا إلى تحميل الناس مسؤولية واقع فُرض عليهم. بل إلى تسمية الأشياء بأسمائها: غزة لا تعاني فقط من عدوان خارجي، بل من واقع سياسي داخلي عاجز عن حماية الإنسان، وعن منحه معنى أو أملًا أو حتى خطابًا صادقًا. وفهم هذا الواقع، نفسيًا وسياسيًا، ليس ترفًا فكريًا، بل شرطًا أساسيًا لأي حديث حقيقي عن الخلاص.
هذه السلسلة ستواصل النظر إلى غزة عبر ميادين علم النفس الأخرى، لا لنشرح العلم للناس، بل لنشرح الناس للعالم. وفي المقال القادم، سنذهب إلى علم النفس الاجتماعي، لنفهم كيف أعادت الحرب تشكيل العلاقات، والثقة، ونظرة الناس لبعضهم، وما الذي كسبناه من التضامن، وما الذي خسرناه من الداخل.