بعد سنوات تحت الأنقاض.. تشييع 51 شهيداً انتشلت جثامينهم من ركام "برج المهندسين" بالنصيرات

بي دي ان |

29 سبتمبر 2026 الساعة 05:13م

بعد سنوات من الغياب تحت أطنان الإسمنت والحديد، خرج شهداء "برج المهندسين" في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة من تحت الركام، ليواروا الثرى في قبور معلومة، في وداع أنهى انتظار عائلات استمر منذ بداية الحرب.

وانطلقت مراسم التشييع من أمام مستشفى العودة في المخيم، حيث حمل الأهالي الأكفان والرفات المستخرجة من أنقاض البرج، وأضاءوا الشموع وفاءً لذكراهم، في مشهد امتزجت فيه الدموع بشيء من الارتياح بعدما أصبح للمفقودين أخيراً مكان يمكن لذويهم زيارته وقراءة الفاتحة على أرواحهم.

24 يوماً من البحث المضني

واستمرت عمليات البحث والانتشال في موقع البرج 24 يوماً، منذ الخامس من أيلول/سبتمبر الجاري، وأسفرت المرحلة الأخيرة عن انتشال رفات وجثامين 51 شهيداً، فيما تمكنت طواقم الدفاع المدني، منذ تدمير البرج، من استخراج نحو 160 جثماناً على مراحل متباعدة.

وقال مدير جهاز الدفاع المدني في المحافظة الوسطى، العميد رامي العايدي، إن الطواقم واصلت العمل رغم محدودية الإمكانات ونقص الوقود والمعدات الثقيلة -بدعم من آلية وفرها الصليب الأحمر الدولي- مطالباً بزيادة ساعات العمل وتوفير آليات متخصصة لاستكمال البحث عن بقية المفقودين.

ويقع "برج المهندسين" في محيط شارع العشرين شمال شرق مخيم النصيرات، وكان يضم 24 شقة سكنية تؤوي أكثر من 350 مواطناً ونازحاً وقت استهدافه، قبل أن يتحول إلى كتلة من الإسمنت والحديد.

وجع المفقودين بلا قبور

وفي الجنازة، استعادت عائلات الشهداء أسماءً ظلت لسنوات عالقة في خانة المفقودين. وقال مطلق أبو نبهان، أحد ذوي الشهداء من عائلة أبو معيلق، والذي أفقده القصف والدته وشقيقيه وزوجتيهما وأبناءهم: "انتظرنا طويلاً وبمرارة ثقيلة هذه اللحظة، فقط لكي نتمكن من دفنهم وإكرامهم بوجود قبور معلومة تلم شملهم ونستطيع زيارتها".

وتشير تقديرات رسمية وأممية إلى وجود نحو 10 آلاف مفقود في قطاع غزة، لا يدخلون ضمن تعداد الشهداء الرسمي، فيما تحذر منظمات دولية من أن إزالة نحو 40 مليون طن من الركام قد تستغرق 15 عاماً، وسط توقعات بأن يشكل الأطفال أكثر من نصف المفقودين تحت الأنقاض.

تعقيدات قانونية وطبية

ولا تنتهي معاناة العائلات عند العثور على الجثامين؛ إذ تواجه آلاف الأسر أزمة قانونية واجتماعية بسبب غياب الجثمان وشهادة الوفاة، مما يعرقل معاملات حصر الإرث، وتصريف الممتلكات، واستصدار الوثائق الرسمية للأبناء، فضلاً عن الواقع المعلق الذي تعيشه آلاف الزوجات بين الترمل والانتظار.

من جهتها، تواجه الطواقم الطبية والمعملية أزمة معقدة في تحديد هويات الرفات نتيجة تفتت الأجساد واختلاط العظام بفعل القصف وطول المدة تحت الركام، بالتزامن مع نقص حاد في معدات الطب الشرعي وأجهزة فحص الحمض النووي (DNA) والقيود المفروضة على إدخالها.

وفي النصيرات، انتهى انتظار 51 عائلة اليوم إلى قبور معلومة، لكن خلف هذه الجنازة، تبقى آلاف العائلات في غزة معلقة على أمل الوصول إلى جثامين أحبائها وإنهاء معاناة لا يعرف متى تنتهي.