شبح التأجيل يلوح في الأفق.. هل تُجهض الفصائل استحقاق الانتخابات بـ "حوارات عقيمة"؟

بي دي ان |

28 سبتمبر 2026 الساعة 09:08م

المشرف العام
بعد عشرين عاماً على انتخابات 2006 وإلغاء الانتخابات عام 2021، يعود الفلسطينيون إلى التسجيل والمشاركة في الانتخابات التشريعية المزمع عقدها في "الثامن والعشرين من نوفمبر المقبل" بعد إصدار مرسوم رئاسي بذلك. وعلى ما يبدو، فإن تعطش المواطنين لتجديد الشرعيات في مرحلة شديدة التعقيد والخطورة، جعلهم يتسارعون للتسجيل والترشح. فوفق تصريحات لجنة الانتخابات المركزية، قدمت سبع قوائم أوراقها الانتخابية خلال يومين، ومن الطبيعي تزايد هذه القوائم في الأيام القادمة، خاصة وأن الفترة المتبقية كافية بعد قرار الرئيس أبو مازن أمس بتمديد فترة الترشح لتصبح 18 يوماً بدلاً من 12 يوماً، ليتمكن المرشحون من الوصول إلى مقار اللجان، في ظل صعوبة الطرق في غزة، والحواجز والإغلاقات في الضفة الغربية.

وعلى الرغم من فتح باب الترشح للانتخابات، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة إجراؤها في الوقت الراهن؛ على العكس تماماً، فإن المعطيات الحالية تشير إلى أن احتمالية تأجيلها تغلب على موعد إجرائها.

لا شك أن الانتخابات البرلمانية مهمة جداً لشعبنا الفلسطيني، خاصة في هذه المرحلة التي يسعى فيها الاحتلال الإسرائيلي، بمساعدة حليفه الأمريكي، إلى فصل غزة عن الضفة، وتهويد القدس بالكامل. ولعل الاختراع الجديد المسمى "مجلس السلام" هو مسمار آخر يُدق في نعش الوحدة السياسية والجغرافية الفلسطينية. بالتالي، هنا تكمن أهمية الانتخابات التي ستعيد وحدة الجغرافيا والنظام السياسي الفلسطيني، وتزيح الوصاية الأمريكية عن غزة إلى حد كبير، خاصة وأننا ندرك أنه ليس بالضرورة أن تصدق الولايات المتحدة الأميركية القول وتعيد غزة للشرعية الفلسطينية بعد عامين من الإصلاح وفق ما تم الاتفاق عليه؛ فالإصلاح لدى الأمريكان مصطلح فضفاض، وهو كلمة حق يراد بها باطل. بالتالي، تأتي هذه الانتخابات لسد الطريق أمام مخطط خبيث يهدف للسيطرة الأمريكية والإسرائيلية على قطاع غزة، وتنفيذ مخططهم الاستعماري والاقتصادي على ساحل قطاع غزة تحديداً نظراً لأهميته الكبيرة كمنطقة ساحلية من جانب، وبوجود الغاز في بحر غزة بكميات مهولة من جانب آخر. فالأطماع الاستعمارية تعود من جديد للمنطقة بشكلها المباشر بدلاً من السيطرة غير المباشرة المعمول بها خلال عقود طويلة.

أضف إلى ذلك أنّ الانتخابات استحقاق شعبي؛ فهناك أجيال لم تمارس العملية الديمقراطية طيلة حياتها. أيضاً، في ظل الفوضى وحرب الإبادة من جانب، وتغول الاستيطان والسيطرة على الأراضي واستشراس الاحتلال الإسرائيلي في كل جوانب الحياة من جانب آخر، بات يلزم وجود برنامج وطني واضح يتضمن آلية واستراتيجية للتصدي للاحتلال ومشاريعه الإمبريالية. وهذا مهم ليأخذ الجميع دوره في حماية الشعب والأرض دون إزاحة المسؤوليات كل على الآخر، وكذلك هي فرصة لمعرفة حجم الفصائل الطبيعي بعد فشلها الذريع في مساندة شعبها في حرب الإبادة على غزة بشكل خاص.

وعلى الرغم من أهمية هذه الانتخابات لما ذكرته وما لم أذكره، وبرغم صعوبة اللحظة، حيث إن الناس في غزة تحديداً لم يعد اهتمامهم كما كان في سابق عهده؛ فالناس يبحثون عن شوادر استعداداً لشتاء قادم تعلم معاناته لأهل الخيام، وجل اهتمامهم توفير عملة ورقية للشراء، أو وجبة إفطار وزي مدرسي لأبنائهم الطلاب. الناس في غزة لم يعد لديهم صفاء الذهن للتفكير بأي البرامج السياسية أنسب، هم يفكرون بمن يوفر لهم خيمة متينة وطرداً غذائياً يخلو من العدس (المسوّس) وحذاءً يصلح للسير به آلاف الأمتار. غزة الحضارة أصبحت تفكر بإشباع بطنها وستر عورتها، وقد يكون كل شيء بعد ذلك رفاهية.

ومع ذلك، فإن إجراء الانتخابات مهم و(غير مؤكد)، فالمرسوم الرئاسي أيضاً ليس حراً في ظل وجود احتلال بمقدوره وضع عقبات كبيرة أو صغيرة تجعل من الانتخابات مستحيلة في ظل سيطرته الفعلية على كل الأراضي الفلسطينية، وفي ظل ضعف العالم أمامه وفشله بالضغط عليه بأي قضية كانت، بما فيها الانتخابات، وعلى الرغم من رغبة الاتحاد الأوروبي بإجرائها مستخدماً التهديد بوقف الدعم عن السلطة الفلسطينية في حال إلغائها.

استجابة حركة فتح بمركزيتها بالتعاطي مع مبادرة الجبهة الشعبية—والتي تعتبر الفصيل الثاني بمنظمة التحرير—والتي اقترحت التأجيل وإجراء حوار وطني شامل، وتعيين خمسة أعضاء من اللجنة المركزية لإجراء الحوار بالقاهرة استجابة لمطلب الجبهة، بنظري هو مؤشر واضح للذهاب للتأجيل.

وهنا نتساءل: لماذا تأتي هذه المطالب بالحوارات في المواسم الوطنية، وماذا ستفرز هذه الحوارات بعد فشلها على مدار عشرين سنة عجاف ثقال على حياة الفلسطينيين؟! مع ذلك، فالفصائل الوطنية لن تكون بعيدة عن بعضها في حال لم يزجوا بحماس في حواراتهم؛ فتاريخ حماس ومراهقتها السياسية ومقامرتها بالشعب الفلسطيني وتصريحاتها وقناعاتها تدل على أن حماس لن تكون يوماً خيراً للشعب الفلسطيني، بالتالي بدلاً من مشاركتها بالحوارات، يجب محاسبتها ومعاقبتها على ما اقترفته قياداتها وعزلها عن أي سلطة قيادية أو سيادية مستقبلية، ولتكن بعدها ما تشاء حزباً، معارضة، أو طي صفحتها، وهذا نتاج تخبطها السياسي المستمر وتخليها عن شعبها حتى أثناء إبادته التي كانت سبباً ومبرراً للاحتلال الفاشي بفعل وحشيته.

إذاً، على ما يبدو أننا على أبواب تأجيل الانتخابات التشريعية، وبنظري هذا سيضر بالمصلحة الوطنية كثيراً على الصعيد المحلي حيث سيفقد المواطن الثقة بأي إعلان انتخابي قادم ولن يأخذه على محمل الجد، ومن جانب آخر ستستمر الوصاية الأمريكية على غزة براحة، وعدم إعمار ووحشية إسرائيلية مستمرة. وقد نفقد دعماً دولياً ما لم يكن هنالك مبررات تقنع الأطراف الدولية خاصة الأوروبية بمسببات التأجيل، وإلا علينا الانتظار لنتائج جلسات الحوار الوطني وما ينتج عنه من توصيات، "لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً".