تقرير : حين يُطارد الخوف الأطفال حتى داخل نومهم

بي دي ان |

17 سبتمبر 2026 الساعة 11:23م

ارشيفيه
في خيمة لا تتجاوز مساحتها خمسة أمتار بغزة، حيث تتسلل برودة الليل من شقوق القماش المهترئ، كان إلياس، الطفل ذو الست سنوات، قد غرق في نوم هادئ بجانب أمه وإخوته.

لكن هدوء الليل في غزة عابر دائمًا، صراخ حاد مزّق العتمة، تلته خطوات صغيرة تجري بلا اتجاه، ثم اندفاع عنيف في قماش الخيمة، فزع الجميع دفعة واحدة، ومدّت الأم يدها في الظلام نحو مكان إلياس، فلم تجد شيئًا.

"إلياس! وين إلياس؟"

بحثوا عنه بذعر يتضاعف مع كل ثانية، حتى قادهم نشيج خافت إلى خارج الخيمة ،وجدوه هناك، حافي القدمين على الرمل البارد، يرتجف وحيدًا في العراء، وعيناه شاخصتان في فراغ لا يرى فيه أحد سواه شيئًا.

احتضنته أمه، ضمّته إلى صدرها وهي تتحسس جسده كمن تتأكد أنه ما زال معها، تُربّت على ظهره بحركة بطيئة متكررة وهي نفسها ترتجف، بحسب رواية الأم ، مرّت دقائق طويلة قبل أن يهدأ نبض ابنها، وقبل أن تخرج كلماته مقطّعة بين الشهقات: صاروخ يهوي على الخيمة المجاورة، نار تلتهم كل شيء حوله، وهو يركض بلا وجهة، يسمع صوت الانفجار يقترب خلفه، ولا يجد يدًا تمسك بيده.

لم يكن ما رآه حلمًا عابرًا يُنسى مع الصباح، بل استعادة لخوف يومي يعيشه إلياس وهو مستيقظ ، صوت الطائرات، ذاكرة النزوح، مشاهد لم يكن يجب أن يراها طفل بهذا العمر،عاد ليطارده حتى في نومه، حيث يُفترض أن يكون العقل في هدنته الوحيدة.

وما عاشه إلياس ليس حالة استثنائية، بل نمط متكرر يعيشه آلاف الأطفال في غزة كل ليلة، حين يتحوّل النوم من أكثر لحظات الطفولة المفترض أن تكون آمنة، إلى امتداد آخر للخطر الذي لا ينتهي بانتهاء النهار.

توضح الأخصائية النفسية ولاء حجازي، في حديثها عن حالات مشابهة، أن ما يحدث مع أطفال مثل إلياس يُعرف أحيانًا بـ"الفزع الليلي"، وغالبًا ما يكون الطفل فيه غير واعٍ لما جرى معه؛ فإذا سُئل لاحقًا عمّا حدث، لن يجد جوابًا واضحًا.

وتضيف أن اضطراب ما بعد الصدمة له آليات متعددة، من أبرزها الكوابيس المتكررة، حيث يحلم الطفل أنه لا يزال في خطر يلاحقه بصور وأشكال متعددة ،وتشير إلى أن آليات التعامل مع الصدمة تختلف بين الكبار والأطفال: فالكبار يستحضرونها كذكرى واعية مدركين طبيعتها وحدودها الزمنية، أما الأطفال فيتخيّلونها ويحلّلونها ويستحضرونها بطريقة أوسع وأخطر على صحتهم النفسية؛ فما يحدث عندهم ليس مجرد استعادة للمشهد، بل خوف وقلق وتهديد حقيقي يتشكل في تفكيرهم التحليلي والتخيلي.

وتحذّر حجازي من أن هذا الاضطراب، إن لم يُعالَج، خاصة في ظروف كظروف غزة، يتحول إلى خطر حقيقي يهدد السلامة النفسية، ويجعل الطفل أكثر عرضة لاضطرابات أعمق: مشاكل سلوكية، عزلة، انطواء، وتوتر مزمن، تنعكس آثارها على الفرد والمجتمع معًا.

وتشدد على أن الأهل يمثلون خط الإسعاف النفسي الأول، لكن لا بديل عن التعافي الحقيقي عبر الأخصائيين النفسيين والمراكز المتخصصة ، وهي مراكز تعمل اليوم في غزة بموارد محدودة للغاية، في مواجهة أعداد متزايدة من الأطفال الذين يحملون جراحًا لا تُرى، لكنها تتكرر كل ليلة.