من حلم الوطن … إلى سباق على الغنائم

بي دي ان |

14 سبتمبر 2026 الساعة 02:29ص

الكاتب
حين كنا نناضل من أجل وطن
وكان الوطن يومها فكرةً تتجاوزنا جميعًا
مكانًا لا يكون فيه الإنسان أقل قيمة لأن جيبه أفقر . ولا أقل مواطنة لأن صوته لا يصل إلى أبواب السلطة
ثم حدث شيء أكثر خطورة من سقوط الوطن .تغير معنى الوطن في وعينا
تحول من قيمة نعيش من أجلها
إلى غنيمة يتنافس عليها من يجلسون فوقنا . ومن فضاء تتساوى فيه الكرامات
إلى هرم كلما ارتفعت فيه، اتسعت حقوقك . وكلما اقتربت من قاعدته ضاق نصيبك من الحياة . وهنا تكمن المفارقة الفلسفية . لم تعد السلطة بحاجة إلى أن تقول للمواطن «أنت أقل مني».

يكفي أن تصنع نظامًا يجعله يشعر بذلك كل صباح . فالطبقية ليست جدارًا من حجر .بل فكرة تزرع في الرأس . أن هناك من خُلقوا ليأمروا ، ومن خُلقوا لينتظروا،
وأن بعض الناس مواطنون بحكم الموقع
وبعضهم مواطنون بحكم الطابور.
والأكثر سخريةً أن الفوقية لم تعد تحتاج إلى تاج . يكفيها مكتب . وباب لا يُفتح إلا بمعرفة .وهاتفٌ لا يرد إلا على أصحاب الأسماء الثقيلة . وهكذا يحتل الوطن بالمفاهيم. حين تصبح الدولة ملكًا لمن يديرها . والقانون أداة لمن يستطيع الوصول إليه . والوظيفة مكافأة للولاء .والكرامة امتيازًا . فإن الاحتلال يصبح أقل ضرورة . لأن الوطن يكون قد بدأ يفقد معناه من الداخل . لقد صنعوا من الوطن حظيرةً سياسية .لكن الحظيرة الأخطر ليست تلك التي لها أسوار .بل تلك التي يقنعون سكانها بأن الأسوار هي النظام .وأن الطاعة هي الاستقرار . وأن الصمت حكمة .وأن السؤال فتنة . والسؤال الذي يؤلم أكثر من كل ذلك .هل استبدلنا نضالنا من أجل التحرر بنضالٍ على حصتنا من القيد؟ .. فالمأساة ليست أن هناك من جلس فوق الوطن . بل أن الوطن نفسه أصبح سلّمًا يصعد عليه البعض .ثم يركلونه من تحت أقدامهم بعد الوصول .

وحين يصبح المواطن مضطرًا إلى إثبات أحقيته في وطنه، وحين يصبح القرب من السياسي أقرب إلى معنى المواطنة من الانتماء إلى الأرض . فاعلم أن الخلل لم يعد في الحاكم وحده…لقد انتقلت السلطة من يد السياسي .إلى فلسفة المجتمع نفسه .فصرنا نستنكر الفوقية حين تُمارس علينا . ونتمنى امتلاكها حين تُتاح لنا . وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية
حين لا يعود الإنسان يريد إسقاط الهرم،
بل يريد فقط أن يصعد درجةً أعلى منه .
عندها لا يكون الوطن قد ضاع منا
بل نكون قد فقدنا الفكرة التي جعلتنا نناضل من أجله أصلًا.