إحراج أبوظبي": حين تتحول الدبلوماسية الصامتة إلى سلاح انتخابي يُسقط أوراق نتنياهو الأخيرة
بي دي ان |
10 سبتمبر 2026 الساعة
08:12م
الكاتب
يبدو أن بيانًا دبلوماسيًا واحدًا، لم يتجاوز سطوره القليلة، كان كفيلًا بأن يفتح جبهة سياسية جديدة على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في توقيت لا يحتمل مزيدًا من الأزمات، وهو يستعد لخوض استحقاق انتخابي مصيري في أكتوبر المقبل. فوزارة الخارجية الإماراتية، حين آثرت أن تعلّق بحذر شديد على القصص الإعلامية والتكهنات المتصلة بمحادثات بين قادة حكومات، لم تكن تدرك على الأرجح أن هذا الحذر الدبلوماسي ذاته سيُقرأ في تل أبيب باعتباره تفنيدًا ضمنيًا لرواية طالما روّج لها نتنياهو عن طبيعة تنسيقه مع أبوظبي، وعن مزاعم تلقّيه تحذيرًا إماراتيًا مسبقًا، قبل أيام معدودة من هجوم السابع من أكتوبر 2023، بشأن استعداد حركة حماس لتنفيذ عملية واسعة.
جوهر الأزمة يعود إلى تقارير صحفية عبرية زعمت أن الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان نقل إلى نتنياهو، قبل نحو عشرة أيام من هجوم حماس، تحذيرًا استخباراتيًا بشأن نية الحركة تنفيذ عملية كبرى. هذه الرواية، التي حاول مكتب نتنياهو تفنيدها بشكل قاطع لاحقًا، جاءت في سياق محاولته الدفاع عن سجله الأمني قُبيل التصويت، عبر الإيحاء بوجود قنوات تنسيق متينة مع دول عربية مؤثرة كالإمارات، غير أن الموقف الإماراتي الرسمي، حين اختار الصمت المدروس بدلًا من التأييد الصريح، تحوّل في التغطية الإسرائيلية إلى أداة تُستخدم ضد نتنياهو نفسه، لا لصالحه، فالقناة 13 الإسرائيلية اعتبرت أن البيان كشف فشل جميع محاولات نتنياهو لانتزاع موقف إماراتي علني يخدم صورته السياسية، بل ذهبت إلى حد المطالبة برحيله عن المشهد السياسي. أما القناة 14، الأقرب تقليديًا إلى معسكر اليمين ونتنياهو نفسه، فقد وصفت الموقف الإماراتي بـالخيانة، في مؤشر على أن الإحراج طال حتى الأوساط الإعلامية المتعاطفة معه تاريخيًا، فيما ربطت هيئة البث كان العبرية بين البيان الإماراتي وقرار بريطانيا حظر منتجات المستوطنات، معتبرة أن الحدثين يشكلان ضربتين متزامنتين تصبّان في تعقيد المشهد الانتخابي .
ما يمنح هذه الأزمة وزنها الحقيقي ليس حدثها بمفردها، بل اقترانها بموجة ضغط دولي متنامية على السياسات الإسرائيلية، تمثلت في إعلان مجموعة من الدول، من بينها بريطانيا وفرنسا وكندا وإسبانيا، نيتها فرض أو دعم قيود تجارية على منتجات المستوطنات، في خطوة قدّمتها هذه الدول بوصفها دفاعًا عن حل الدولتين المهدد، هذا التزامن الزمني بين الإحراج الإماراتي والعقوبة الأوروبية-الكندية، على الاستيطان يضع نتنياهو أمام مشهد يوصف في الإعلام العبري نفسه بأنه محاصرة على جبهتين: جبهة داخلية تتعلق بمصداقيته وسجله الأمني قبل السابع من أكتوبر، وجبهة خارجية تتعلق بتراجع الغطاء الدبلوماسي العربي والغربي لسياساته في الضفة الغربية، ولا يمكن إغفال أن المعارضة الإسرائيلية، وعلى رأسها بيني غانتس وبيني أيزنكوت، استغلت هذه اللحظة لتجديد مطالبها بفتح تحقيق شامل ومستقل في إخفاقات ما قبل السابع من أكتوبر، وهو ملف ظل نتنياهو يتحاشى مواجهته المباشرة طوال العامين الماضيين.
فإن الموقف الإماراتي يعكس منطقًا دبلوماسيًا مألوفًا في العلاقات العربية-الإسرائيلية غير المُعلنة رسميًا بالكامل: الحرص على عدم الانخراط في الصراعات الداخلية الإسرائيلية، خصوصًا حين تكون هذه الصراعات على شكل استقطاب انتخابي حاد، فامتناع الإمارات عن تأييد رواية نتنياهو ليس بالضرورة موقفًا عدائيًا تجاهه شخصيًا، بقدر ما هو حرص على عدم الظهور طرفًا في معركة سياسية داخلية إسرائيلية قد ينقلب مسارها في أي لحظة، لكن في بيئة إعلامية وسياسية إسرائيلية مشحونة، ومع اقتراب صناديق الاقتراع، فإن أي صمت يُفسَّر سلبًا، وأي امتناع عن التأييد يتحول تلقائيًا إلى خذلان أو خيانة، في عين المعسكر المؤيد لنتنياهو، بينما يراه معسكر المعارضة دليلًا إضافيًا على تآكل مصداقية رئيس الوزراء أمام حلفائه الإقليميين أنفسهم.
السيناريوهات المحتملة
أولها، وهو الأقرب إلى الاحتمال في ضوء المعطيات الحالية، أن تتحول هذه الأزمة إلى عامل تراكمي يضاف إلى سلسلة الإخفاقات التي تلاحق نتنياهو، فيعزز تقدّم المعارضة في استطلاعات الرأي، خصوصًا مع تقارير تشير إلى اتساع الفجوة لصالح تحالف يقوده أيزنكوت، دون أن يعني ذلك بالضرورة سقوطًا حاسمًا لنتنياهو، الذي أثبت مرارًا قدرة على البقاء السياسي رغم الأزمات المتلاحقة.
ثانيها، أن يسعى نتنياهو إلى احتواء الأزمة عبر تصعيد خطاب المواجهة مع من يصفهم بـأعدائه في الداخل والخارج، وتوظيف بيان الإمارات نفسه كدليل على وجود حملة تحريض منسقة تستهدفه من المعارضة والإعلام العبري، وهو نمط دفاعي اعتاد اللجوء إليه في أزماته المتكررة.
ثالثها، وهو الأكثر حساسية على المدى المتوسط، أن تتسع رقعة التداعيات لتشمل مراجعة أعمق لطبيعة العلاقة بين إسرائيل والدول العربية الموقعة على اتفاقيات أبراهام، إذا ما ترسخت قناعة لدى هذه الدول بأن أي انخراط سياسي مع الحكومة الإسرائيلية الحالية بات مكلفًا أكثر من كونه مفيدًا، خصوصًا في ظل التصعيد المتزايد في الضفة الغربية والانتقادات الدولية المتصاعدة بشأن الاستيطان.
رابعها، احتمال أن تُستثمر هذه اللحظة، إذا تصاعدت الضغوط الدولية والداخلية معًا، في دفع نتنياهو نحو انتخابات مبكرة يخوضها من موقع أضعف مما كان يخطط له، بدلًا من الانتظار حتى الموعد الأصلي في أكتوبر، سعيًا لتفادي مزيد من التآكل في شعبيته كلما طال أمد الأزمة.
في المحصلة، يكشف هذا المشهد أن الدبلوماسية العربية، حتى حين تكتفي بالصمت، أصبحت متغيرًا فاعلًا في المعادلة السياسية الداخلية الإسرائيلية، وأن نتنياهو، الذي طالما وظّف علاقاته الإقليمية كورقة قوة انتخابية، يجد نفسه اليوم في موقع من يُطالَب بتفسير ما لم يُقَل، لا بما قيل فعلًا.
بي دي ان |
10 سبتمبر 2026 الساعة 08:12م
جوهر الأزمة يعود إلى تقارير صحفية عبرية زعمت أن الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان نقل إلى نتنياهو، قبل نحو عشرة أيام من هجوم حماس، تحذيرًا استخباراتيًا بشأن نية الحركة تنفيذ عملية كبرى. هذه الرواية، التي حاول مكتب نتنياهو تفنيدها بشكل قاطع لاحقًا، جاءت في سياق محاولته الدفاع عن سجله الأمني قُبيل التصويت، عبر الإيحاء بوجود قنوات تنسيق متينة مع دول عربية مؤثرة كالإمارات، غير أن الموقف الإماراتي الرسمي، حين اختار الصمت المدروس بدلًا من التأييد الصريح، تحوّل في التغطية الإسرائيلية إلى أداة تُستخدم ضد نتنياهو نفسه، لا لصالحه، فالقناة 13 الإسرائيلية اعتبرت أن البيان كشف فشل جميع محاولات نتنياهو لانتزاع موقف إماراتي علني يخدم صورته السياسية، بل ذهبت إلى حد المطالبة برحيله عن المشهد السياسي. أما القناة 14، الأقرب تقليديًا إلى معسكر اليمين ونتنياهو نفسه، فقد وصفت الموقف الإماراتي بـالخيانة، في مؤشر على أن الإحراج طال حتى الأوساط الإعلامية المتعاطفة معه تاريخيًا، فيما ربطت هيئة البث كان العبرية بين البيان الإماراتي وقرار بريطانيا حظر منتجات المستوطنات، معتبرة أن الحدثين يشكلان ضربتين متزامنتين تصبّان في تعقيد المشهد الانتخابي .
ما يمنح هذه الأزمة وزنها الحقيقي ليس حدثها بمفردها، بل اقترانها بموجة ضغط دولي متنامية على السياسات الإسرائيلية، تمثلت في إعلان مجموعة من الدول، من بينها بريطانيا وفرنسا وكندا وإسبانيا، نيتها فرض أو دعم قيود تجارية على منتجات المستوطنات، في خطوة قدّمتها هذه الدول بوصفها دفاعًا عن حل الدولتين المهدد، هذا التزامن الزمني بين الإحراج الإماراتي والعقوبة الأوروبية-الكندية، على الاستيطان يضع نتنياهو أمام مشهد يوصف في الإعلام العبري نفسه بأنه محاصرة على جبهتين: جبهة داخلية تتعلق بمصداقيته وسجله الأمني قبل السابع من أكتوبر، وجبهة خارجية تتعلق بتراجع الغطاء الدبلوماسي العربي والغربي لسياساته في الضفة الغربية، ولا يمكن إغفال أن المعارضة الإسرائيلية، وعلى رأسها بيني غانتس وبيني أيزنكوت، استغلت هذه اللحظة لتجديد مطالبها بفتح تحقيق شامل ومستقل في إخفاقات ما قبل السابع من أكتوبر، وهو ملف ظل نتنياهو يتحاشى مواجهته المباشرة طوال العامين الماضيين.
فإن الموقف الإماراتي يعكس منطقًا دبلوماسيًا مألوفًا في العلاقات العربية-الإسرائيلية غير المُعلنة رسميًا بالكامل: الحرص على عدم الانخراط في الصراعات الداخلية الإسرائيلية، خصوصًا حين تكون هذه الصراعات على شكل استقطاب انتخابي حاد، فامتناع الإمارات عن تأييد رواية نتنياهو ليس بالضرورة موقفًا عدائيًا تجاهه شخصيًا، بقدر ما هو حرص على عدم الظهور طرفًا في معركة سياسية داخلية إسرائيلية قد ينقلب مسارها في أي لحظة، لكن في بيئة إعلامية وسياسية إسرائيلية مشحونة، ومع اقتراب صناديق الاقتراع، فإن أي صمت يُفسَّر سلبًا، وأي امتناع عن التأييد يتحول تلقائيًا إلى خذلان أو خيانة، في عين المعسكر المؤيد لنتنياهو، بينما يراه معسكر المعارضة دليلًا إضافيًا على تآكل مصداقية رئيس الوزراء أمام حلفائه الإقليميين أنفسهم.
السيناريوهات المحتملة
أولها، وهو الأقرب إلى الاحتمال في ضوء المعطيات الحالية، أن تتحول هذه الأزمة إلى عامل تراكمي يضاف إلى سلسلة الإخفاقات التي تلاحق نتنياهو، فيعزز تقدّم المعارضة في استطلاعات الرأي، خصوصًا مع تقارير تشير إلى اتساع الفجوة لصالح تحالف يقوده أيزنكوت، دون أن يعني ذلك بالضرورة سقوطًا حاسمًا لنتنياهو، الذي أثبت مرارًا قدرة على البقاء السياسي رغم الأزمات المتلاحقة.
ثانيها، أن يسعى نتنياهو إلى احتواء الأزمة عبر تصعيد خطاب المواجهة مع من يصفهم بـأعدائه في الداخل والخارج، وتوظيف بيان الإمارات نفسه كدليل على وجود حملة تحريض منسقة تستهدفه من المعارضة والإعلام العبري، وهو نمط دفاعي اعتاد اللجوء إليه في أزماته المتكررة.
ثالثها، وهو الأكثر حساسية على المدى المتوسط، أن تتسع رقعة التداعيات لتشمل مراجعة أعمق لطبيعة العلاقة بين إسرائيل والدول العربية الموقعة على اتفاقيات أبراهام، إذا ما ترسخت قناعة لدى هذه الدول بأن أي انخراط سياسي مع الحكومة الإسرائيلية الحالية بات مكلفًا أكثر من كونه مفيدًا، خصوصًا في ظل التصعيد المتزايد في الضفة الغربية والانتقادات الدولية المتصاعدة بشأن الاستيطان.
رابعها، احتمال أن تُستثمر هذه اللحظة، إذا تصاعدت الضغوط الدولية والداخلية معًا، في دفع نتنياهو نحو انتخابات مبكرة يخوضها من موقع أضعف مما كان يخطط له، بدلًا من الانتظار حتى الموعد الأصلي في أكتوبر، سعيًا لتفادي مزيد من التآكل في شعبيته كلما طال أمد الأزمة.
في المحصلة، يكشف هذا المشهد أن الدبلوماسية العربية، حتى حين تكتفي بالصمت، أصبحت متغيرًا فاعلًا في المعادلة السياسية الداخلية الإسرائيلية، وأن نتنياهو، الذي طالما وظّف علاقاته الإقليمية كورقة قوة انتخابية، يجد نفسه اليوم في موقع من يُطالَب بتفسير ما لم يُقَل، لا بما قيل فعلًا.