أشعلوا الأرض غضباً لكرامتهن: مشاهد التعذيب في السجون تستوجب حراكاً عالمياً

بي دي ان |

06 سبتمبر 2026 الساعة 07:04م

الكاتب
مما لا شك فيه أن تداعيات الحرب على غزة، وعلى فلسطين عموماً، لم تعد خافية على أحد؛ بدءاً من ارتقاء عشرات الآلاف—بل مئات الآلاف وفقاً لتقارير ألمانية—مروراً بتدمير ما يقارب 80% من مساحة قطاع غزة، دون إغفال حجم الكوارث البيئية والاجتماعية والاقتصادية، وضرب النسيج المجتمعي، وانهيار المنظومتين التعليمية والصحية. إن ما حدث، باختصار، هو انعدام تام للحياة في غزة.

وعلى الرغم من خطورة المشهد على الساحة الفلسطينية بمجملها، فإن هناك تفاصيل ليست خفية، لكنها غير معلنة بالقدر الذي تستحقه. إن قضية الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الإسرائيلي جلية بتفاصيلها للقلة المتابعة فقط. ولعل التسريبات الأخيرة لإقتحام  الوزير المتطرف "بن غفير"  ولقائه مع بعض الأسيرات تكشف حجم المأساة؛ فهذا اللقاء لم يكن للحظة بنية الاطلاع أو سماع الشكاوى، بل كان بقصد الإهانة والإذلال. وظهر ذلك جلياً عندما سألهن عن طبيعة الحياة داخل السجون، فأجبن بسوء الأوضاع وقسوة المعاملة، وانعدام الأساسيات والخصوصية، وشح الماء والطعام، ومنع الاستحمام ، والحرمان من العلاج ، فابتسم ساخرا ، قائلا : " أنا من أمرت بذلك وأن واقع المخيمات الصيفية في السجون قد انتهى ، هذا ليس فندقاً " .

إن هذا الواقع المرير ينسحب على جميع مراكز التحقيق والتوقيف والسجون، ولا سيما سجن "الدامون"—باعتباره المعتقل الرئيس للأسيرات—وكذلك سجني "عوفر" و"هشارون". وقد وصل عدد الأسيرات إلى ما بين 84 و99 أسيرة وفقاً لتقارير مؤسسات حقوقية (مثل مؤسسة حشد)، مع العلم أن هذا الرقم مرشح للازدياد نظراً لاستمرار حملات الاعتقال.

خلف تلك القضبان، تقبع أسيرات حوامل بلا رعاية طبية، وطفلات قاصرات، وحقوقيات، وأكاديميات، وإعلاميات؛ وكثير منهن يمنع الاحتلال زيارتهن أو الإدلاء بتفاصيل كاملة عن ظروف اعتقالهن.

إن الأسيرات المناضلات يُصدمن، بعد تضحياتهن، بإلقائهن في غرف وزنازين تشهد أبشع أنواع المعاملة على الإطلاق، دون أي مراعاة لأبسط الحقوق الإنسانية والآدمية. لست أدري بأي نفسية وحال تعيش امرأة حامل، تُنقل بمركبة عسكرية حديدية قاسية، وتُؤخذ للولادة في غرفة عمليات وهي مقيدة طوال الوقت! لا تُفك قيودها سوى لبضع دقائق أثناء خروج الجنين، ثم تُعاد السلاسل الحديدية إلى معصمها المرهق بعد أقسى تجربة جسدية تمر بها المرأة، في انتهاك صارخ يخالف جميع الأعراف والقوانين الدولية. ناهيك عن المريضات اللواتي يعانين من أمراض مزمنة والسرطان، ولا يُسمح لهن سوى بتناول المسكنات البسيطة.

في حقيقة الأمر، كان صادماً وموجعاً جداً بالنسبة لي ما شاهدته في تسريب خطير لأسيرة داخل السجون الإسرائيلية؛ مقيدة بالسلاسل من يديها وقدميها، وذراعاها مفتوحتان حد الخلع ومربوطتان بأطراف سرير حديدي. لم تتوقف الأسيرة عن الصراخ والأنين المصحوب بالاستغاثة، وهي تدرك أنها أشبه بمن يصرخ في صحراء خاوية. هذا المشهد استفزّ كل ذرة كرامة بداخلي، وجعل قلبي يئن وينزف ألماً وقهراً بلغ عنان السماء.

إن هذا المشهد الأليم كافٍ ليكون شرارة تشعل غضب الأمة العربية والإسلامية. لم يعد مقبولاً الاكتفاء بالبيانات والاستنكار؛ بل لا بد لشعبنا، ولأمتينا، ولأحرار العالم أن يشعلوا الأرض تحت أقدام المحتل، وأن نكون جميعاً صوتاً حراً وفعلاً قادراً على رفع الظلم عن الأسيرات والأسرى، والعمل على فضح هذه الممارسات والانتهاكات التي يمارسها كيان الاحتلال بحق الإنسانية.


إن واقع الأسيرات الفلسطينيات لابد أن يتم تسليط الضوء عليه، لا يجوز ترك أسيراتنا تحت مقصلة هذه الوحشية ونصمت وكأن شيئاً لم يكن، ولا يجب أن يُتركن لدفع كلفة تضحياتهن وحدهن؛ بل يجب أن نكون أصواتهن في كل محفل. 

 بالتالي أوجه دعوتي للقيادة الفلسطينية، والدبلوماسية الرسمية والشعبية، لوزارتي الخارجية والمرأة، وجميع أطياف الشعب الفلسطيني للانطلاق نحو فضح الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأسيرات، ووضع العالم بصورة ما يتعرضن له الأسيرات، بكل أشكال الفعاليات مع تحشيد لقوى الضغط والمناصرة، وإعلاء صوت الأسيرات للضغط على الكيان للإفراج عن الأسيرات، أو على الأقل تحسين وضعهن داخل السجون، فهل نفعلها ونكون قريبا على موعد مع فعاليات على مستوى العالم تضامناً مع الأسيرات الفلسطينيات؟ سنرى قادم الأيام ماذا يفعل من هم أصحاب الفعل ومن استوجب عليهم القيام بواجباتهم تجاه المناضلات الفلسطينيات داخل السجون الإسرائيلية.