إخفاق أم تمرد؟.. كيف يحوّل نتنياهو ليلة 7 أكتوبر إلى معركة انتخابية؟
بي دي ان |
06 سبتمبر 2026 الساعة
04:29م
تل أبيب - بي دي ان
مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، تتصاعد مجددًا المعركة السياسية حول المسؤولية عن إخفاق 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. يأتي ذلك في ظل تحول لافت في الخطاب الذي يتبناه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو؛ إذ انتقل من تحميل الجيش وجهاز الشاباك جانبًا من مسؤولية الفشل في تقدير تحركات حماس، إلى الدفع برواية أكثر حدة تتحدث عن تعمد قادة الأجهزة الأمنية حجب معلومات خطيرة عنه ليلة الهجوم.
وبحسب تقرير للصحافي رونين بيرغمان نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن رواية ما يسمى "تمرد الجنرالات" أصبحت خلال الفترة الأخيرة جزءًا متزايد الحضور في خطاب معسكر نتنياهو. ويجري الترويج لهذه الرواية من خلال الكتب والبرامج التلفزيونية والمقابلات والتصريحات، إلى جانب الاستناد إلى مقتطفات من وثائق مرتبطة بإخفاق 7 أكتوبر.
من إخفاق أمني إلى اتهام بالتعمد
يشير التقرير إلى أن الرواية الجديدة لم تعد تركز فقط على أن الجيش والشاباك أخطآ في تقدير الموقف واعتقدا أن حماس مردوعة، بل تتجاوز ذلك إلى اتهام قادة الأجهزة بأنهم كانوا على علم بمؤشرات خطيرة قبل الهجوم، ومع ذلك امتنعوا عمدًا عن إيقاظ نتنياهو وإبلاغه بها.
ويعتبر بيرغمان أن هذا التحول يحمل دلالة سياسية كبيرة؛ فالأمر لم يعد يتعلق بمجرد فشل مهني أو خطأ في التقدير الاستخباراتي، وإنما بمحاولة تقديم ما حدث باعتباره قرارًا متعمدًا لإخفاء معلومات عن القيادة السياسية، بما يحول الإخفاق الأمني إلى رواية تتحدث عن "مؤامرة وتمرد" داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.
ومن أبرز الأدوات التي ساهمت في نشر هذا الخطاب كتاب "تمرد الجنرالات" للكاتب إيرز تدمور، والذي تحول لاحقًا إلى سلسلة تلفزيونية من أربع حلقات بثتها القناة 14. ووفق بيانات الحركة من أجل صحافة عامة، تكرر استخدام مصطلح "تمرد الجنرالات" 267 مرة خلال 46 يومًا من البث على القناة، من بينها 131 مرة خلال نقاشات ومقابلات لم تكن مرتبطة مباشرة بحلقات السلسلة.
لماذا اختيرت كلمة "جنرالات"؟
يلفت التقرير إلى أن استخدام كلمة "جنرالات" بشكل متكرر في وسائل الإعلام المحسوبة على معسكر نتنياهو يحمل دلالة سياسية، خاصة أن الرتبة العسكرية المستخدمة رسميًا في الجيش الإسرائيلي هي "ألوف"، وليس "جنرال".
ويرى بيرغمان أن اختيار هذا المصطلح يخلق صورة ذهنية مختلفة لدى الجمهور؛ إذ يوحي بوجود مجموعة من القادة العسكريين الذين يتحركون ككتلة واحدة في مواجهة السلطة السياسية، بدلاً من كونه خلافًا مهنيًا أو تقديرًا أمنيًا مختلفًا بين المستوى السياسي وقيادات الأجهزة الأمنية.
نتنياهو ينتقل من الدفاع إلى الاتهام
يتتبع التقرير تطور موقف نتنياهو منذ الأيام الأولى التي أعقبت الهجوم، عندما نشر تغريدة حمل فيها قادة الأجهزة الأمنية مسؤولية الإخفاق، قبل أن يحذفها لاحقًا مؤكدًا أنه لم يتلق أي تحذير، وأن الأجهزة الأمنية كانت ترى أن حماس مردوعة.
لكن الخطاب شهد تحولًا تدريجيًا، وصولاً إلى إعادة نشر نتنياهو تصريحات للكاتب إيرز تدمور تضمنت اتهامات مباشرة لرئيس الشاباك السابق رونين بار، من بينها أنه اعتبر نتنياهو رئيس حكومة غير شرعي وتصرف ليلة الهجوم كما لو كان رئيس الحكومة فعليًا. مثّلت إعادة نشر هذه التصريحات انتقالًا من مجرد تداول رواية داخل معسكره إلى تبني اتهامات صريحة بحق قادة الأجهزة.
وفي 31 أغسطس/آب الماضي، ذهب نتنياهو إلى أبعد من ذلك عندما صرّح بأن "جنرالات قرروا عدم إثارة حماس وعدم إيقاظه وعدم تنفيذ ضربة استباقية"، قبل أن يؤكد لاحقًا، وسط الجدل الذي أثارته تصريحات زوجته سارة نتنياهو، أن ما حدث كان "إخفاقًا وليس خيانة".
تصريحات سارة نتنياهو تكشف تناقض الرواية
يشير بيرغمان إلى تصريحات سارة نتنياهو بشأن يائير غولان، رئيس حزب الديمقراطيين، معتبرًا أنها كشفت تناقضًا داخل الرواية التي يحاول معسكر نتنياهو ترسيخها. فخلال مقابلة مع القناة 14، قالت سارة لغولان إنه كان موجودًا منذ ساعات الصباح الأولى يوم 7 أكتوبر، في الوقت الذي لم يكن فيه آخرون يعرفون ما يحدث، ومن بينهم رئيس الحكومة.
ويوضح التقرير أن الدفاع عن تصريحات سارة باعتبارها لا تتضمن اتهامًا لغولان بامتلاك معلومات مسبقة يتعارض مع الرواية الرسمية لزوجها؛ إذ يستلزم الدفاع عن سارة اعتبار المعلومات المتوافرة حينها غير حاسمة، بينما يتطلب الدفاع عن رواية بنيامين نتنياهو اعتبار المعلومات نفسها خطيرة بما يكفي لإيقاظ رئيس الحكومة وتحريك الجيش.
مقال قديم يتحول إلى أساس لرواية جديدة
يتناول التقرير الأساس الذي يستند إليه مروجو الرواية، وعلى رأسهم مقال كتبه عام 2019 العميد الراحل عميت ساعر، رئيس قسم الأبحاث السابق في شعبة الاستخبارات العسكرية. المقال كان يناقش مخاطر الانجرار إلى حرب لا يرغب فيها أي من الطرفين، مستعرضًا تجارب حرب لبنان الثانية وحرب 2014 على غزة، لكنه لم يتضمن ما بات يطلق عليه لاحقًا "عقيدة الاحتواء الأقصى".
ويؤكد بيرغمان أن هذا المصطلح صاغه الباحث يوناتان دحوح هليفي ثم نسبه إلى مقال ساعر. كما جرى تفسير حديث ساعر عن إمكانية التخلي عن عنصر المفاجأة بطريقة اقتطعت النص من سياقه. وشدد التقرير على عدم وجود أي وثيقة أو أمر عسكري يثبت أن رئيس الشاباك السابق رونين بار أو رئيس الأركان السابق هرتسي هليفي تبنيا هذا المقال كعقيدة عملياتية ليلة الهجوم.
ماذا حدث فعلًا ليلة الهجوم؟
فيما يتعلق بتدفق المعلومات خلال الساعات السابقة للهجوم، يستعرض التقرير سلسلة من المؤشرات التي وصلت إلى أجهزة مختلفة؛ حيث تلقى ضابط استخبارات رئيس الحكومة منذ نحو الساعة الثانية فجرًا مؤشرات مثيرة للقلق، بالتوازي مع تقارير أخرى كانت أكثر طمأنة، كما وصلت معلومات إلى غرفة عمليات مجلس الأمن القومي.
ويقر التقرير بأن وصول المعلومات يتسبب في طرح تساؤلات حقيقية حول أسباب عدم إيقاظ رئيس الحكومة، لكنه يشدد في الوقت ذاته على أن هذه الوقائع لا تقدم أي دليل على وجود قرار متعمد من الجيش أو الشاباك لإخفاء المعلومات.
الانتخابات تعيد فتح الملف
بذلك، لم يعد الجدل حول 7 أكتوبر مجرد نقاش أمني، بل تحول إلى ورقة سياسية رئيسية في السباق الانتخابي. فبينما تتمسك المعارضة والأوساط المستقلة بتحميل القيادة السياسية والأجهزة الأمنية مسؤولية مشتركة، يركز معسكر نتنياهو على رواية حجب المعلومات الحاسمة. وتظل ليلة الهجوم ساحة معركة مفتوحة لا لتحديد مسؤوليات التاريخ فحسب، بل لصياغة الرواية التي ستتوجه إلى صندوق الاقتراع.
بي دي ان |
06 سبتمبر 2026 الساعة 04:29م
تل أبيب - بي دي ان
مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، تتصاعد مجددًا المعركة السياسية حول المسؤولية عن إخفاق 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. يأتي ذلك في ظل تحول لافت في الخطاب الذي يتبناه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو؛ إذ انتقل من تحميل الجيش وجهاز الشاباك جانبًا من مسؤولية الفشل في تقدير تحركات حماس، إلى الدفع برواية أكثر حدة تتحدث عن تعمد قادة الأجهزة الأمنية حجب معلومات خطيرة عنه ليلة الهجوم.
وبحسب تقرير للصحافي رونين بيرغمان نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فإن رواية ما يسمى "تمرد الجنرالات" أصبحت خلال الفترة الأخيرة جزءًا متزايد الحضور في خطاب معسكر نتنياهو. ويجري الترويج لهذه الرواية من خلال الكتب والبرامج التلفزيونية والمقابلات والتصريحات، إلى جانب الاستناد إلى مقتطفات من وثائق مرتبطة بإخفاق 7 أكتوبر.
من إخفاق أمني إلى اتهام بالتعمد
يشير التقرير إلى أن الرواية الجديدة لم تعد تركز فقط على أن الجيش والشاباك أخطآ في تقدير الموقف واعتقدا أن حماس مردوعة، بل تتجاوز ذلك إلى اتهام قادة الأجهزة بأنهم كانوا على علم بمؤشرات خطيرة قبل الهجوم، ومع ذلك امتنعوا عمدًا عن إيقاظ نتنياهو وإبلاغه بها.
ويعتبر بيرغمان أن هذا التحول يحمل دلالة سياسية كبيرة؛ فالأمر لم يعد يتعلق بمجرد فشل مهني أو خطأ في التقدير الاستخباراتي، وإنما بمحاولة تقديم ما حدث باعتباره قرارًا متعمدًا لإخفاء معلومات عن القيادة السياسية، بما يحول الإخفاق الأمني إلى رواية تتحدث عن "مؤامرة وتمرد" داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.
ومن أبرز الأدوات التي ساهمت في نشر هذا الخطاب كتاب "تمرد الجنرالات" للكاتب إيرز تدمور، والذي تحول لاحقًا إلى سلسلة تلفزيونية من أربع حلقات بثتها القناة 14. ووفق بيانات الحركة من أجل صحافة عامة، تكرر استخدام مصطلح "تمرد الجنرالات" 267 مرة خلال 46 يومًا من البث على القناة، من بينها 131 مرة خلال نقاشات ومقابلات لم تكن مرتبطة مباشرة بحلقات السلسلة.
لماذا اختيرت كلمة "جنرالات"؟
يلفت التقرير إلى أن استخدام كلمة "جنرالات" بشكل متكرر في وسائل الإعلام المحسوبة على معسكر نتنياهو يحمل دلالة سياسية، خاصة أن الرتبة العسكرية المستخدمة رسميًا في الجيش الإسرائيلي هي "ألوف"، وليس "جنرال".
ويرى بيرغمان أن اختيار هذا المصطلح يخلق صورة ذهنية مختلفة لدى الجمهور؛ إذ يوحي بوجود مجموعة من القادة العسكريين الذين يتحركون ككتلة واحدة في مواجهة السلطة السياسية، بدلاً من كونه خلافًا مهنيًا أو تقديرًا أمنيًا مختلفًا بين المستوى السياسي وقيادات الأجهزة الأمنية.
نتنياهو ينتقل من الدفاع إلى الاتهام
يتتبع التقرير تطور موقف نتنياهو منذ الأيام الأولى التي أعقبت الهجوم، عندما نشر تغريدة حمل فيها قادة الأجهزة الأمنية مسؤولية الإخفاق، قبل أن يحذفها لاحقًا مؤكدًا أنه لم يتلق أي تحذير، وأن الأجهزة الأمنية كانت ترى أن حماس مردوعة.
لكن الخطاب شهد تحولًا تدريجيًا، وصولاً إلى إعادة نشر نتنياهو تصريحات للكاتب إيرز تدمور تضمنت اتهامات مباشرة لرئيس الشاباك السابق رونين بار، من بينها أنه اعتبر نتنياهو رئيس حكومة غير شرعي وتصرف ليلة الهجوم كما لو كان رئيس الحكومة فعليًا. مثّلت إعادة نشر هذه التصريحات انتقالًا من مجرد تداول رواية داخل معسكره إلى تبني اتهامات صريحة بحق قادة الأجهزة.
وفي 31 أغسطس/آب الماضي، ذهب نتنياهو إلى أبعد من ذلك عندما صرّح بأن "جنرالات قرروا عدم إثارة حماس وعدم إيقاظه وعدم تنفيذ ضربة استباقية"، قبل أن يؤكد لاحقًا، وسط الجدل الذي أثارته تصريحات زوجته سارة نتنياهو، أن ما حدث كان "إخفاقًا وليس خيانة".
تصريحات سارة نتنياهو تكشف تناقض الرواية
يشير بيرغمان إلى تصريحات سارة نتنياهو بشأن يائير غولان، رئيس حزب الديمقراطيين، معتبرًا أنها كشفت تناقضًا داخل الرواية التي يحاول معسكر نتنياهو ترسيخها. فخلال مقابلة مع القناة 14، قالت سارة لغولان إنه كان موجودًا منذ ساعات الصباح الأولى يوم 7 أكتوبر، في الوقت الذي لم يكن فيه آخرون يعرفون ما يحدث، ومن بينهم رئيس الحكومة.
ويوضح التقرير أن الدفاع عن تصريحات سارة باعتبارها لا تتضمن اتهامًا لغولان بامتلاك معلومات مسبقة يتعارض مع الرواية الرسمية لزوجها؛ إذ يستلزم الدفاع عن سارة اعتبار المعلومات المتوافرة حينها غير حاسمة، بينما يتطلب الدفاع عن رواية بنيامين نتنياهو اعتبار المعلومات نفسها خطيرة بما يكفي لإيقاظ رئيس الحكومة وتحريك الجيش.
مقال قديم يتحول إلى أساس لرواية جديدة
يتناول التقرير الأساس الذي يستند إليه مروجو الرواية، وعلى رأسهم مقال كتبه عام 2019 العميد الراحل عميت ساعر، رئيس قسم الأبحاث السابق في شعبة الاستخبارات العسكرية. المقال كان يناقش مخاطر الانجرار إلى حرب لا يرغب فيها أي من الطرفين، مستعرضًا تجارب حرب لبنان الثانية وحرب 2014 على غزة، لكنه لم يتضمن ما بات يطلق عليه لاحقًا "عقيدة الاحتواء الأقصى".
ويؤكد بيرغمان أن هذا المصطلح صاغه الباحث يوناتان دحوح هليفي ثم نسبه إلى مقال ساعر. كما جرى تفسير حديث ساعر عن إمكانية التخلي عن عنصر المفاجأة بطريقة اقتطعت النص من سياقه. وشدد التقرير على عدم وجود أي وثيقة أو أمر عسكري يثبت أن رئيس الشاباك السابق رونين بار أو رئيس الأركان السابق هرتسي هليفي تبنيا هذا المقال كعقيدة عملياتية ليلة الهجوم.
ماذا حدث فعلًا ليلة الهجوم؟
فيما يتعلق بتدفق المعلومات خلال الساعات السابقة للهجوم، يستعرض التقرير سلسلة من المؤشرات التي وصلت إلى أجهزة مختلفة؛ حيث تلقى ضابط استخبارات رئيس الحكومة منذ نحو الساعة الثانية فجرًا مؤشرات مثيرة للقلق، بالتوازي مع تقارير أخرى كانت أكثر طمأنة، كما وصلت معلومات إلى غرفة عمليات مجلس الأمن القومي.
ويقر التقرير بأن وصول المعلومات يتسبب في طرح تساؤلات حقيقية حول أسباب عدم إيقاظ رئيس الحكومة، لكنه يشدد في الوقت ذاته على أن هذه الوقائع لا تقدم أي دليل على وجود قرار متعمد من الجيش أو الشاباك لإخفاء المعلومات.
الانتخابات تعيد فتح الملف
بذلك، لم يعد الجدل حول 7 أكتوبر مجرد نقاش أمني، بل تحول إلى ورقة سياسية رئيسية في السباق الانتخابي. فبينما تتمسك المعارضة والأوساط المستقلة بتحميل القيادة السياسية والأجهزة الأمنية مسؤولية مشتركة، يركز معسكر نتنياهو على رواية حجب المعلومات الحاسمة. وتظل ليلة الهجوم ساحة معركة مفتوحة لا لتحديد مسؤوليات التاريخ فحسب، بل لصياغة الرواية التي ستتوجه إلى صندوق الاقتراع.